خالد صلاح

على عبد الرحمن

72 ساعة فى مستشفى "المجانين"

الإثنين، 04 مايو 2015 09:10 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
عالم آخر غير الذى نعيش فيه يفصلنا عنه سور خرسانى ضخم، لولا يقينى بأننى ما زلت فى أعتق مناطق القاهرة لظننت أنه سور الصين العظيم، ذلك السور الذى يحيط بين جنباته مبان متفرقة تتعدى مساحة الأرض المبنية عليها 70 فدانًا، أٌنشئت خصيصا لتكون مأوى لمن يئسوا العيش خارجه.

ثلاثة أيام منفصلة قضيتها داخل أروقة مستشفى العباسية للصحة النفسية متنقلا بين عنابرها، مصافحا هذا وذاك، مداعبا آخر ومتبادلا للضحكات العالية مع ثالث، قررت ألا أكتب عن المستشفى كمبنى حكومى يقدم خدمة صحية ومدى الاهتمام به وبالخدمة الصحية التى يقدمها قدر الاهتمام برصد الحالات الإنسانية وكيف ينظر إلينا من أجبروا على أن تكون هذه المستشفى سكنا لهم.

داخل المستشفى ترى من هو شارد فى ملكوت لا يعلمه سواه، وآخر يترجل بمحيط العنابر الخاصة بالنوم ينظر إلى العالم الخارجى من خلال أذنيه يسمع ضجيج السيارات ومشاجرات المارة عبر أسوار عاتية ، تظن للوهلة الأولى أن الدنيا رفضتهم وبعثت بهم إلى غياهب مستشفى العباسية يتلقون العلاج مما أصابهم، لكنهم حقا ومن فرط ما عانوه فى هذه الدنيا.

حينما تحدثت إليهم ظننت أنهم أنفسهم هم من دخول بكامل إرادتهم وطلقوا الدنيا ثلاثًا فمنهم من يرفض يقينا وهو بكامل قواه العقلية العودة مرة أخرى لدنيا العقلاء التى يراها من وجهة نظره دنيا الظلم والكذب والنفاق والخداع، عالم أفقده عقله بسبب معاملات من يحسبون أنفسهم عقلاء.

حاولت الاقتراب منهم والتعرف على يدور فى عقولهم التى تبدو لمن بالخارج أنها عقول مريضة أصابها ما أصابها من الهوس والجنون والشرود، تظن أنهم بمنأى عن الصراعات السياسية والجدل الدائر بالخارج غير أن منهم من يهتم ويشغف بمتابعة ما يدور خارج أسوار المستشفى، فمنهم من يحدثك عن مجريات الأمور والانتخابات الرئاسية التى جرت وفوز السيسى، ووجهة نظره فى جماعة الإخوان والإعلام والأحزاب السياسية.

وجدت بين المرضى من لديهم ميول إبداعية يفتقدها هؤلاء العقلاء بالخارج، فمنهم من يتخذ من الرسم وسيلة تنسيه ما رآه من تهكم وسخرية عليه قبل دخوله المستشفى ويرسم ما يعبر عن وجهة نظره فى الأحداث السياسية والاجتماعية، ومنهم من وجد فى صوته عذوبة فأراد ألا يبخل به على أقرانه وقرر أن يشدو بأغانى لكبار المطربين من وقت لآخر للترويح عنهم داخل العنبر.

أسوأ ما وجدته فى المستشفى أن 500 من بين 1200 مريض شفاهم الله ورفضهم أبنائهم وأهلهم، فلم يجدوا بدا من المكوث فى المستشفى مرة أخرى بعد تعافيهم من المرض، لتبدأ صحتهم النفسية فى التدهور مرة أخرى ويزداد بغضهم وكرههم للمجتمع الخارجى الذى جنى عليهم مرتين.

يتوجب على الدولة أن تحتضن هؤلاء المرضى المتعافين مرة أخرى، أدعو وزارات الإسكان والصحة والتضامن الاجتماعى ورجال الإعمال لتبنى فكرة عمل مساكن إيواء لهؤلاء المتعافين تحت إشراف مستشفى الصحة النفسية يتلقون فيها العلاج وفى نفس الوقت إدماجهم داخل المجتمع مرة أخرى وتوفير فرص عمل توافق قدراتهم.

على الدولة وأطباء الصحة النفسية توعية المجتمع بالمريض النفسى وترسيخ فكرة أنه مريض عضوى كأى مريض يمكن أن يتعافى ويعود للحياة مرة أخرى، وأن تمحو من أذهان العامة وصمة العار التى تلاحق المريض النفسى بأنه "مجنون" فلا يوجد مرض اسمه الجنون.

خرجت من المستشفى، وظللت طوال طريقى إلى مقر عملى، أحمد الله كثيرا على ما أنا فيه من نعمة العقل وأدعوه أن يتم شفائهم وأن يرقق قلوب ذويهم والمجتمع عليهم.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة