خالد صلاح

مونيكا ناجى تكتب: حطام

الخميس، 20 أكتوبر 2016 12:00 ص
مونيكا ناجى تكتب: حطام حائط مهدوم

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا يتعلم الإنسان دروس الحياة دفعة واحدة لكنه يظل يتعلم ما دام على قيد الحياة.
وحتى تلك المقولة ادراكها لم يكن بالسهل عليها أبداً.. فقد وجدت نفسها مع أول تجربة محاصرة بسحابة من الحزن والكآبة تسربت إلى أعماقها لتسلبها براعم الحب التى قد بدأت تنبت بداخلها لتدمر ما تبقى فى داخلها. 
شىء بداخلها يتحطم تدريجياً مع كل صفعة تأتيها من الحياة، لكنها لم تتوانى عن المقاومة يوماً.. 
غادرها الأول وتركها كمدينة محطمة، عبرها وكأنها شبح.. لم يلحظ ما أحدثه من ثقب فى قلبها جراء رحيله عنها بحججه الواهية .
ترك لها ثقب تتألم منه كلما عبر أمامها أى نسيم ينجم عن حب أو إعجاب، يؤلمها حتى مشاهد الحب فى التلفاز وكأنها تريد أن تكذب كل ذلك، تريد أن تكذب كل العاشقين، تريد أن تفرقهم ليس عن كره لهم لكن خوفاً عليهم، خوفاً أن يصيبهم ما أصابها .
لم تكن تعلم أن ذلك الثقب بدأ يتسع حتى كاد يلتهمها كلياً.. 
حتى جاء الثانى.. لم يفعل أى شىء سوى أن لمس قلبها لمسه طفيفة جداً، كمتى تلمس سطح النهر الراكد بطرف إصبعك فيتحرك الركود ليحدث دوائر متتالية بسيطة تأثر فى ذاك النهر الضخم.
بكلمات وأفعال بسيطة منه صارت ترى الدنيا من خلاله بشكل مختلف أتم اختلاف، كالتى ولدت ضريرة وأبصرت على يديه لتكتشف ويتكشف لها كل لون من الوان الحياة لتراه للمرة الأولى بلون غير الأسود.
وضعت صوب أعينها هدف واحد وهو الالتصاق بذلك الشخص الذى بعث فيها نسمات الحياة من جديد، رواها من مياه تقطر شهداً وتزيل المر وتحيى القحل الذى كانت تعيش فيه لينبت من جديد ورود من كل لون.
ظلت تسير فى ذلك الدرب بكل مثابرة وبكل تركيز حتى فاجأتها الفاجعة الكبيرة.. هو لا يحبها.. بتلك البساطة.. كمن ظل يركض فى طريق طويل أملاً منه أن يصل إلى هدفه الذى يبغيه وبشدة لكنه فجأة توقف لأن شظية اخترقت قدمه، وعندما توقف فوجئ بأنه يقطر دماً.. لم يشعر بالألم فى بادئ الأمر لكن بمجرد رؤيته وملاحظته لما أحدثته تلك الشظية من جرح وما نتج عنه من نزيف حتى بدأ الألم يتسلسل إلى كل كيانه.
بدأت تتألم وكأنها المرة الأولى والوحيدة التى جرحت فيها، أدركت أن ليل أحزانها قد حل وقد حان وقت العودة إلى وحدتها وكونها الصغير المنغلق الآمن جداً لأن عدد سكانه واحدة والتى هى نفسها.. وحدها.. وحيدة ..
 
وفى طريق عودتها بدأت ترى ما تركه جرحها من آثار قطرات دم وكانت كل قطرة تحمل علامة استفهام ! ماذا لو لم اركض بكل تلك اللهفة ! ماذا لو لم اترك عالمى الصغير لأركض بعده ! ماذا لو لم املك قلباً يشعر اصلاً ! ماذا لو .
 
علامات استفهام كثيرة، لكن شيء غريب كان فى طريق العودة ! كان الطريق طويلاً جدا.. لم تعد ترى أين النهاية وأين البداية . لم تشعر أنها ركضت كل ذلك الطريق ..
 
بدأ المكان يصير موحشاً وحتى وحدتها لم تعد كما كانت تعهدها.. فوقفت على أمل واهى أن يتوقف معها الزمن . اكتنفتها الهموم وصارت تحوم حولها كالغربان الجائعة حول جسد قارب أن يزوره مرسال الموت.. تستعد لالتهامه .
 
لكن فجأة وبدون أى مقدمات وبدون أن تلحظ اقتراب أحدهم لها، وجدت يد تمد لها... ترددت لكنها سرعان ما مدت يدها وتركتها فى راحة يده ليسحبها من فجوة الظلام ليخرجها إلى وهج عظيم لتكتشف أن الحياة لم تتوقف وأنها هى وحدها من توقفت وتقوقعت فى ثقب أسود كان يسحبها فى اتجاه لا رجعة فيه .
 
كل هذا ويدها ما زالت فى راحة يده ولكن تلك المرة كانا الإثنان ممسكان ببعضهما.. سحبها كالطفلة ليريها أجمل ما فى الدنيا، ليريها أن تلك الدودة المقززة قد احتملت اختناقها بداخل شرنقتها لتخرج فراشة زاهية الألوان تماماً مثلها، خرجت إنسانة جديدة أجنحتها تضيء بالألوان على كل ما حولها لتحول العالم الصغير إلى كون كبير يضيء بألوان كثيرة لم يعرف لها إسم بعد.. عرفت كيف تقف فى وجه الموج والعواصف وتخرج منه أقوى مما سبق، وإن وقعت.. لابد أنها ستقوم.. ستشرق من جديد مثل شمس كل صباح لتبعث بدفئها على كل ما حولها . 
ذلك أيضاً درس آخر تعلمته.. قد نخسر الكثير لنتعلم درس واحد، لكن الأهم ألا نخسر أنفسنا إلا أن كنا كالأفعى فى حاجة أن نخلع جلدنا العتيق الميت لنبرز بجلدنا الجديد المشع الذى ولد من جديد.. كنسر كسر منقاره ومخالبه وكل تروس دفاعه وهجومه ليحصل على حياة جديدة وشباب جديد يتجدد بعد كل ألم.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة