خالد صلاح

د. سامى عبد العزيز

عندما يغيب الانضباط الانفعالى

الأربعاء، 29 مارس 2017 06:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

*مسؤولونا ونوابنا فى حاجة إلى الجلوس أمام مرآة يراجعون فيها مواقفهم ولغتهم

 
لا يكون المسؤول مسؤولاً سياسيًّا بحق حتى يستطيع أن يضبط انفعالاته، وحتى يعرف إلى أين تتجه موجة الانفعالات السائدة فى الوزارة أو المؤسسة التى يديرها ولدى الجمهور الذى يتعامل معها أو يدخل فى محيطها.. المسؤول الذى لا يعرف كيف يطوع لسانه، وكيف يضبط إيقاع خطابه، وكيف يتواصل مع الجمهور المستهدف ينقصه الكثير من الصفات التى يجب توافرها فى المسؤول بحق.
 
ولعل المتتبع لكثير من المواقف فى الفترة الحالية يجد أن المسؤولين لا يستطيعون ضبط انفعالاتهم، ومن ثم يصرحون بتصريحات «عشوائية»، أو يدلون بأحاديث غير متسقة، أو متماشية مع الهدف العام المراد تحقيقه.. تصريحات وسياسات تنبع من وحى اللحظة، ولا تقوم على دراسة مـتأنية، ولا يتم التعبير عنها بشكل لائق.. من السهل على المسؤول إذا ما استُفز أو وُضع تحت ضغط معين أن يتصرف بطريقة لا مسؤولة.
 
من ضمن المؤهلات والشروط التى يجب أن يجتازها كل من يسعى إلى تحمل المسؤولية العمل تحت ضغط، والتعامل مع الضغوط الفنية والشعبية، هو من متطلبات العمل العام، ومن لا يجيدها عليه أن يتعلمها.. التعلم، والتدريب، ليس عيباً، بل هو ضرورة، وضرورة ملحة كذلك.
 
التربية السياسية متطلب آخر للعمل العام، كل من يتعامل مع الجمهور لابد أن يكون قد نال حظاً من التربية السياسية.. السياسة لا تتم قراءتها فى كتاب، ولا يتم شراؤها.. والتربية السياسية ليست كارنيه يتم الحصول عليه بمجرد دفع الرسوم المقررة.. التربية السياسية عملية طويلة المدى، ونتاج تراكم خبرات عديدة.. التربية السياسية تؤهل أصحابها للقيام بأى وظيفة بنجاح، حتى ولو كانت هذه الوظيفة فنية بحتة.. فؤاد سراج الدين باشا الذى تخرج فى كلية الزراعة، عمل وزيراً للداخلية، والمالية، والشؤون الاجتماعية، الأمر نفسه لمكرم عبيد باشا.. التربية السياسية والتعود على مخاطبة الجماهير، ومعرفة توجهاتها، وقراءة أدمغتها، شرط للسياسى، وشرط للمسؤول.
 
الحوارات التى نسمعها أو نسمع عنها ويكون أطرافها مسؤولين كبارا أو أعضاء فى مجلس النواب فى الفترة الأخيرة ينقصها الانضباط الانفعالى، وتحتاج إلى إعادة نظر، فكثيراً ما تؤدى إلى أزمات، أو توتر.. حوارات النواب مع وسائل الإعلام، واستدراجهم للوقوع فى الخطأ تشير إلى أن هناك نقصا فى فن التعامل السياسى، وفى الانضباط الانفعالى.. من السهل جرجرة المسؤولين والنواب إلى معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. ويخرجون منها فى كل مرة خاسرين.
 
معاوية بن ابى سفيان مؤسس الدبلوماسية العربية وشعارها الشهير «لو كان بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت» كان لديه قدر كبير من التربية السياسية.. سئل ذات مرة داهية العرب «عمرو بن العاص» ما مبلغ دهائك؟ فأجاب أنه إذا دخل مشكلة يستطيع أن يخرج منها كما تخرج الشعرة من العجين.. معاوية كان أشطر وأمهر وأكثر دهاءً، إذ أشار إلى أن ذكاءه يجعله لا يخلق المشكلة أصلاً لكى يخرج منها.. السياسة هى فن التقليل من المشكلات التى تعيق الحياة، أو تجعل الحياة أكثر صعوبة.
 
مسؤولونا ونوابنا فى حاجة إلى الجلوس أمام مرآة يراجعون فيها مواقفهم ولغتهم، يحتاجون إلى دورات تدريبية مكثفة ومتعددة وهذا ليس بعيب، فكبار ساسة العالم يمرون بهذه الدورات وبشكل متكرر.. يحتاجون إلى تعلم مهارات التواصل الفعال، ومهارات التفاوض، ومهارات الإقناع.. يحتاجون إلى أن يكونوا قادرين على نقل أفكارهم بسهولة، وإلى إقناع الآخرين بها بسلاسة، وإلى امتصاص الغضب الشعبى، وإلى نقل الأفكار السليمة بدون تشويه، والأهم من ذلك هو وزن الكلمات وضبطها قبل إخراجها.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة