خالد صلاح

د. عباس شومان

التجديد والكفالة

الجمعة، 03 مارس 2017 11:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
من المشاكل التى تواجه الجمعيات والهيئات الخيرية التى تخصصت فى كفالة الأيتام عند إنشائها، وسنت قوانينها ولوائحها مرتبطة بهذه الصفة، ما طرأ من متغيرات جديدة خلفت فئات تحتاج إلى رعاية وكفالة، ولم تثبت لأفرادها صفة اليتم التى تحملها يافطات تلك الجهات، ولا وجود لها فى سجلاتها ولوائح عملها، كاللقطاء الذين لا يعرف لهم نسب ينتسبون إليه.
 
فمع أن اللقطاء لم يخل من وجودهم عصر من العصور، وأحكامهم معروفة فى بطون كتب الفقه، إلا أن مشكلتهم تفاقمت وأصبحت أكثر إلحاحًا فى عصرنا، وذلك نتيجة عوامل كثيرة، ومتغيرات أخلاقية واقتصادية واجتماعية أدت إلى زيادة كبيرة فى أعداد مجهولى النسب، ومع وجود جمعيات ومؤسسات تعنى بهؤلاء، وتقوم على أمرهم تربية وإعدادًا وتدريبًا، مثل الجمعيات المتخصصة فى كفالة الأيتام، التى تسمى بدور الرعاية أو الملاجئ، إلا أنها ليست كافية لاستيعاب الأعداد المتزايدة باضطراد فى أعداد هؤلاء، كما أن غالب دور الرعاية والإيواء لهؤلاء تعانى شحًا فى مواردها، وضعفًا فى إمكاناتها، ما يجعل بعضها يتخلص من كثير من نزلائها قبل وضعهم على طريق عيش كريم، يواصلون به مسيرة حياتهم، لاسيما مع فقد هؤلاء شفقة القلوب التى تفرّق بينهم وبين الأيتام.
 
وإذا كان اليتيم يأسر القلوب شفقة ورحمة لفقد عائلته، فإن مجهول النسب ينظر إليه البعض نظرة دونية، ويحملونه إثم جريرة لم يرتكبها؛ حيث إن كثيرًا منهم نتيجة لعلاقة محرمة آثمة شرعًا وطبعًا، لكنّ شرعنا الحنيف أعلمنا بأن «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»، وأنه « وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى »، إلا أن طبيعة النفس البشرية التى يصعب عليها الفصل بين الفعل وثمرته، ولا بين الأصل وفرعه، تبقى كما هى فى نظرتها لهؤلاء الذين يحتاجون إلى شىء من الرفق والعطف، ربما يغير حياتهم كلها.
 
ومن هذه الفئات التى لم يتوفر فيها وصف اليتم كذلك، فئة أوفر حظًا من مجهولى النسب، هم من شردوا جراء حالة الانفلات الأمنى الذى جر حروبًا ومواجهات دامية فى العديد من دول المسلمين، لا سيما منطقتنا العربية، كسوريا، وليبيا، واليمن، والصومال، حيث فرقت الأحداث بين الآباء والأبناء، ولا يعرف كثير من الأبناء مصير الآباء، ولذا لا يمكن وصف الأبناء بالأيتام لاحتمال حياة الآباء، ولا يمكن إخراجهم من دائرة اليتم لاحتمال موت الآباء، لكن هذا الاحتمال يكفى لغل أيدى الجمعيات التى تكفل الأيتام عن مد يد العون لهم، حيث لا تكفل إلا من ثبتت صفة اليتم له بموت أحد الوالدين، دون أن يترك لليتيم كفاية مالية، مع أن واقع حال هؤلاء الأطفال أشد بؤسًا وفقرًا وانكسارًا نفسيًا، جراء ما عانوه من جحيم بأعينهم، لا تستوعبه قدراتهم العقلية.
 
ومع أن العديد من هؤلاء- كما تُظْهِرُ الأحداث - لم يفقدوا أحد الوالدين أو كليهما فقط، إنما يفقدون أحيانًا كل أسرهم وعائلاتهم، ومن لم يفقدهم بالموت الحقيقى فقد فقدهم بالموت الحكمى؛ حيث لا يعرف لهم حال، ومعلوم أن الموت الحكمى فى منزلة الموت الحقيقى فى الأحكام، والأثر المترتب من قسمة التركات واعتداد الزوجات، متى حكم القاضى به للغيبة الطويلة، لاسيما فى مناطق الصراعات المسلحة، وهلاك الكثير من الناس فى موطن المفقود من الآباء حتى يثبت العكس، فهم بذلك على أعلى قمة اليتم.
 
ومن هؤلاء أيضًا من لم يفقد أحد الوالدين حقيقة، فكلاهما على قيد الحياة، لكنهما فى حكم العدم، فبعض الآباء لظروف اقتصادية أو اجتماعية يتخلى عن واجباته الشرعية تجاه أولاده، ويتركهم لمصير مجهول، وقد يسلمهم بنفسه إلى دور الرعاية، متخلصًا من عبء لا قبل له به، مفرطًا فى مسؤوليته الشرعية التى حملها فى رقبته مهما بلغت حالته من الفقر أو ظروفه الاجتماعية الضاغطة «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وإذا كان بعض الآباء قد يلتمس لنفسه عذرا لا يعفيه من المسؤولية كشدة الفقر، فإن البعض الآخر يفقد كل مروءته ورجولته حين يرفع يده عن بعض أبنائه مع قدرته، ربما لإرضاء زوجة تزوج بها غير أمهم، وربما تتخلى الأم، وهى الحانية عن أولادها، من أجل رجل تزوجت به لا يرغب فيهم، وهؤلاء إن بقى أمثالهم فى ذيل سلسلة الإنسانية، فهى مرتبة لا يستحقونها، ويأنف كثير من الحيوانات عن تشبيه هؤلاء بها، ولا تخفى حاجة هؤلاء إلى من يكفلهم عوضًا عن والدين استوى وجودهما وعدمها، مع أن الوالدين قد يكونان أو أحدهما من الأغنياء. 
 
ولذا فقد بات من الضرورى على المؤسسات الخيرية التى ترعى الأيتام إعادة النظر فى قوانينها ولوائحها المنظمة لأعمالها، لتوسيع دائرة مكفوليها، لتشمل هؤلاء اللقطاء وفاقدى الأهل جراء الحروب والنزاعات، أو جراء تخلى الآباء عنهم دون النظر إلى حياة الآباء أو موتهم، فإنما شرعت كفالة الأيتام، ورفع شأنها فى شريعتنا لحاجة هؤلاء الأيتام للرعاية لفقدهم الراعى المكلف شرعًا بهم وبنفقتهم، وجميع من ذكرنا تتمكن منهم العلة التى شرعت الكفالة من أجلها وبدرجة أعلى، وهو ما يعرفه علماء الأصول بالقياس الأعلى أو الأولى، ولو صيغت المسألة على طريقة الأصوليين فى القياس لقيل: إذا كانت كفالة الأيتام واجبة على القادرين، فكفالة اللقطاء وفاقدى الأسرة أولى، ووجه الأولوية أن اليتيم هو من فقد الوالد أو الوالدين دون الأسرة، بخلاف فاقدى الأسرة، فلا والد ولا والدة ولا قريب يرعى، فهو أولى بالعناية والرعاية من اليتيم.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة