خالد صلاح

ريحة الحبايب.. المخرج عادل محمد عوض يفتح خزائن أسرار والده الكوميديان الفيلسوف.. توفى والداه وعمره 18سنة.. بدأ مشوار النجومية من "دولاب" مارى منيب.. وأثار غضب العندليب.. وأسس فرقته ومسرحه بطلب من عبد الناصر

الجمعة، 03 أغسطس 2018 12:00 م
ريحة الحبايب.. المخرج عادل محمد عوض يفتح خزائن أسرار والده الكوميديان الفيلسوف.. توفى والداه وعمره 18سنة.. بدأ مشوار النجومية من "دولاب" مارى منيب.. وأثار غضب العندليب.. وأسس فرقته ومسرحه بطلب من عبد الناصر المخرج عادل عوض
حوار - زينب عبداللاه : تصوير - كريم عبدالعزيز

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

نقلا عن الورقى
وجه وتعبيرات تحمل بعضًا من صفات أبيه، جلس المخرج عادل عوض، ابن الممثل الكوميدى الراحل محمد عوض، يحكى سيرة والده، يتحدث عن أيام التألق والنجومية، وأوقات الأزمات والمحن والنكران.

 
يشعر الابن بالحزن لأن والده لم ينل حظه من التكريم الذى يستحقه، وأغفل المؤرخون حقه ودوره ونجاحاته فى تاريخ المسرح بصفة خاصة، والفن بصفة عامة.
 
استعرض الابن رحلة حياة والده، وكيف أصبح محمد عوض، الشاب اليتيم، أخو البنات الذى تنازل عن حلمه بأن يصبح ضابطًا بحريًا، شرارة الضحك التى اشتعلت وتوهجت ونافست عمالقة الكوميديا.
 
بفخر ممزوج بالألم تحدث المخرج عادل عوض، الذى يمثل جيل الوسط فى عائلة فنية، عن مسيرة والده الكوميديان الفيلسوف محمد عوض، منبت جذور هذه العائلة الفنية التى ترعرعت لتنبت ثلاثة أبناء، هو أكبرهم، ثم شقيقه مصمم الاستعراضات عاطف عوض، والممثل علاء عوض، وامتدت ليكون لابنته الممثلة الشابة الواعدة جميلة عوض نصيب فى هذا الميراث الفنى.
كشف الابن العديد من الأسرار والخفايا التى لا يعلمها الكثيرون عن الراحل الفنان محمد عوض، وتفاصيل مشوار النجومية الذى بدأ من دولاب نجمة الكوميديا مارى منيب، ولماذا قاطعه العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ بعد فيلم «مطرب العواطف»، والدور الوطنى الذى لعبه خلال بناء السد العالى، وفى أثناء نكسة 67 وحرب الاستنزاف، وكيف وصلت مسرحياته للعالمية، كما كشف مزيدًا من الأسرار والتفاصيل، وإلى نص الحوار..
 
ريحة الحبايب (1)
 

حدثنا عن نشأة الوالد وطفولته؟

- ينتمى والدى إلى أسرة بسيطة من محافظة الشرقية، هى مسقط رأس والديه، ولكنه من مواليد حى العباسية بالقاهرة فى 12 يونيو 1932، وكان والده موظفًا، وأبى الأخ الأكبر والوحيد بين 3 بنات، وكانت أهم هواياته الكشافة وكرة القدم، وانضم لفرق الكشافة الملكية، وكان يذهب فى رحلات كشفية ويحب الرحلات والسفر والطبيعة والبحر، وهو ما كان له أثر كبير على شخصيته المتفتحة، وكان حلم حياته أن يلتحق بالكلية البحرية، ولكن توفيت والدته وعمره 18 سنة، وكان فى الصف الثانى الثانوى، وحينها أكد له والده أنه يجب أن يتخلى عن حلمه، لأنه سيكون العائل الوحيد لشقيقاته البنات بعد وفاته، والضابط البحرى حياته غير مستقرة، ولا تتناسب مع ظروفه ومسؤولياته تجاه أخواته، وبعد عام من وفاة والدته توفى والده ليترك له مسؤولية أخواته البنات، وهو فى الصف الثالث الثانوى.
 

وكيف استطاع تحمّل هذه المسؤولية وهو فى هذه السن؟

- المدير الذى كان يعمل معه والده ساعده فى الحصول على نفس وظيفة أبيه حتى يظل راتبه مستمرًا، وهذا المدير ساعده كثيرًا، وكان يشجعه على المذاكرة ويتغاضى عن غيابه فترة الامتحانات، ولم يستطع والدى أن يكفى البيت بهذا الراتب، وبعد نجاحه فى الثانوية العامة أرسل شقيقاته إلى أهله فى الشرقية، لكنه وجد أنهن لن يستكملن تعليمهن، فعاد بهن للقاهرة حتى يستطعن استكمال دراستهن الجامعية.
 

وكيف بدأت ميول الوالد الفنية؟

- كان يحب التمثيل منذ طفولته، ويشارك فى فريق التمثيل بالمدرسة، وعندما انتهى من دراسته الثانوية التحق بكلية الآداب، قسم الفلسفة، حيث كان متفوقًا فى الفلسفة بالمرحلة الثانوية، وحصل على المركز الثانى فى مسابقة الفلسفة على مستوى القطر، ومن هنا جاءت تسميته «الكوميديان الفيلسوف»، وكان يكتب على حوائط المنزل عبارات فلسفية ومقولات لأفلاطون وأرسطو، وكان مدرسه بالكلية أنيس منصور الذى تبنى الفرقة المسرحية التى كونها والدى مع الفنان سعيد عبدالغنى، وكانت تنافس فرقة الحقوق التى كونها كرم مطاوع وجلال الشرقاوى، وفرقة آداب إنجليزى التى كانت تمثل فيها والدتى قوت القلوب عبدالوهاب مازن، والتى كانت تنتمى لأسرة نصفها صعيدى ونصفها تركى، وحقق أبى وفرقته تفوقًا كبيرًا، حيث كان يستعين ببطلات فرقة الريحانى للمشاركة فى المسرحيات التى تقدمها الفرقة، ومنهن مارى منيب، وزوزو وميمى شكيب، وعقيلة راتب، ونجوى سالم، ويشرف على إخراجها سراج منير، فيحضر هذه المسرحيات جمهور الطلبة الذى يصل إلى 12 ألف متفرج، بينما تقدم فرقتا حقوق وآداب مسرحية شكسبيرية وإنجليزية، فلا يحضرها إلا جمهور قليل، وكانت بطلات فرقة الريحانى يجدن فى المشاركة بهذه المسرحيات فرصة للتقرب من جمهور جديد وشريحة عمرية مختلفة، وحصل والدى على العديد من الميداليات والجوائز خلال هذه الفترة، وتعرف خلالها على جيرانه الفنانين الذين سبقوه فى النجومية، ومنهم توفيق الدقن وعبدالمنعم مدبولى وطارق شرارة.
ريحة الحبايب (2)
 

وماذا بعد انتهائه من الدراسة الجامعية؟

- عينوه فى فرقة الريحانى بمبلغ 7 جنيهات فى الشهر، وهو ما ساعده إلى جانب وظيفة والده فى الإنفاق على شقيقاته، وتبنته الفنانة مارى منيب، ومنحته جزءًا من دولابها لأنه لم تكن له غرفة يغير فيها ملابسه، وكان أبى يقوم بأدوار صغيرة، وتبناه بديع خيرى بعدما شاهد موهبته ووجده يحفظ كل أدوار الريحانى، وفى أحد الأيام غاب عادل خيرى، بطل الفرقة، بسبب مرضه، فقام والدى بدور البطولة، وتألق وتكرر هذا مع تكرار غياب عادل خيرى، وبعدها انتقل إلى فرقة «ساعة لقلبك»، ومنها إلى مسرح التليفزيون، حيث تم تعيينه بمبلغ 40 جنيهًا شهريًا.
 

وهل قابل والدك الريحانى خلال فترة عمله بالفرقة؟

- عندما التحق والدى بالفرقة كان الريحانى توفى، ولكن كان والدى يراه قبل التحاقه بالفرقة، حيث كان يذهب إلى باب مسرح الريحانى ليراه يركب الحنطور ويظل يمشى إلى جواره حتى يصل الريحانى إلى بيته.
 

حدثنا عن علاقته بالوالدة وارتباطه بها؟

- تعرف والدى على والدتى خلال الدراسة الجامعية أثناء التنافس المسرحى، وجمعتهما علاقة حب، خاصة أن حياتهما فيها نقاط تشابه كثيرة، فهى فى نفس سنه، وتوفى والدها وعمرها 19 عامًا، بينما توفيت والدتها وعمرها 3 سنوات، ولكن كانت والدتى حفيدة رياض باشا، رئيس الوزراء، وتعيش فى قصر بجاردن سيتى، فأراد أبى أن يكون عش الزوجية بمستوى مناسب فاستأجر شقة بشارع طلعت حرب، وتقدم لها والدى وتزوجها.
ريحة الحبايب (3)

ومتى بدأت شهرة ونجومية الوالد؟

- بعد تعيينه بمسرح التليفزيون كان لديه جمهور من محبى المسرح، ومن جمهور مسرح الجامعة، ولكن لم يكن حقق الشهرة والنجومية الواسعة، حتى عرض عليه الفنان عبدالمنعم مدبولى بطولة مسرحية «جولفدان هانم»، تأليف الأديب على أحمد باكثير، وحققت نجاحًا مذهلًا، ولأول مرة فى تاريخ مسرح التليفزيون الذى تعرض فيه المسرحية ثلاثة أيام، ويتم تصويرها فى اليوم الرابع، وامتدت هذه المسرحية لمدة شهر، وقرر عبدالقادر حاتم، وزير الإعلام، أن يكون أجر والدى 400 جنيه، وهو أكبر أجر يحصل عليه ممثل فى تاريخ المسرح العربى فى هذا الوقت عام 1962، وبعدها قام ببطولة مسرحية «أصل وصورة» مع أمين الهنيدى وعبدالمنعم مدبولى، ثم مسرحية «مطرب العواطف» مع عبد المنعم مدبولى وعقيلة راتب، وهى المسرحية التى غضب بسببها عبدالحليم حافظ، وقاطع والدى، لأن بعض الحاقدين أوعزوا له بأنه يقصده، حتى أن العندليب قابله فى الإذاعة ولم يسلم عليه.
 
وكانت النقلة الكبرى فى حياة أبى بمسرحية «نمرة 2 يكسب»، التى لعب فيها 4 أدوار، وحققت نجاحًا غير مسبوق، وأصبحت أيقونة المسرح فى الستينيات بما حققته من دخل وإيرادات، وبعدها تألق فى عدد من المسرحيات، منها مسرحية «العبيط»، وحقق نجاحات غير مسبوقة فى أعداد المتفرجين، وقدم مسرحيات عالمية.
 

ولكن تألق خلال هذه الفترة عدد من عمالقة الكوميديا؟

- بالفعل كان هناك عدد من نجوم الكوميديا خلال هذه الفترة، وأطلق عليهم «الفرسان الأربعة للمسرح العربى»، وهم محمد عوض، وعبدالمنعم مدبولى، وأمين الهنيدى، وفؤاد المهندس، ولكن كان شباك التذاكر دائمًا فى صف محمد عوض، الذى كان دائمًا رقم واحد فى المسرح، حتى حدثت نقلة جديدة فى تاريخ محمد عوض الفنى بعد عام67.
 

وماذا حدث بعد عام 67؟  

- بعد نكسة  67 وجهت الدولة كل إمكانياتها لحرب الاستنزاف، وأغلقت مسارح التليفزيون، واتجهت لتشجيع الفرق الخاصة، ووقتها كان محمد عوض الأنشط والأكثر نجاحًا، فقررت الدولة عام 1968 أن تعطيه مسرح الزمالك بأمر مباشر من الرئيس عبدالناصر، وبإيجار شهرى ألف جنيه، وكوّن محمد عوض فرقته الخاصة التى كانت من أوائل الفرق فى تاريخ المسرح العربى، وقدّم مع فرقته أول موسم صيفى فى المسرح العائم، بمسرحية «الطرطور»، ومعه نبيلة عبيد لأول مرة على المسرح، بعدما شاركته بطولة فيلم «السيرك»، الذى حصل فيه على جائزة أحسن ممثل، وحققت المسرحية نجاحًا مدويًا، وبعدها افتتحوا مسرح الزمالك بمسرحية «طبق سلطة» التى لم تحقق نجاحًا، فعاد بسرعة لمسرحية «الطرطور» حتى يصلح مسرحية «طبق سلطة» التى عرضها فى الإسكندرية، فحققت نجاحًا كبيرًا، حيث اعتاد أن يعرض فى الشتاء لجمهور الإسكندرية، ويصبح المسرح كامل العدد، وتقف الفرقة على قدمها مرة أخرى لتعوض خسائرها.
ريحة الحبايب (4)

ولكن خلال هذه الفترة شارك الفنان محمد عوض عددًا من زملائه نجوم الكوميديا بطولة بعض المسرحيات؟

- كان والدى وقتها عندما يرى أحد زملائه النجوم الكبار لم يحقق نجاحًا ينتج له مسرحية، سواء شارك أو لم يشارك بالتمثيل فيها، فأنتج لكل زملائه، حتى أن فؤاد المهندس طلب الانضمام لفرقته التى كانت أقوى فرقة فى هذه الفترة، وبالفعل أنتج له والدى عددًا من المسرحيات، وأصبحت فرقة محمد عوض تضم نبيلة عبيد، فؤاد المهندس، شويكار، خيرية أحمد، محمد صبحى، محمد نجم، نسرين، سناء يونس، نبيل الهجرسى، ولم تتوقف نجاحاته على المستوى المحلى، بل انطلق للمستوى العالمى، وذهب بالفرقة ليعرض على مسارح أمريكا سنة 1972، وعرض فى 52 ولاية، كما ذهب إلى المكسيك، وأقام 3 حفلات فى أكبر مسارح باريس ولندن، واليابان، وكلها كانت كاملة العدد، وللأسف لم يذكر المؤرخون هذه النجاحات. 
 

حدثنا عن محمد عوض الوطنى؟

- كان والدى يذهب بفرقته مستقلًا قطار البضائع ليعرض للعمال والمهندسين فى السد العالى لمدة  10 سنوات بدون أجر، حتى أنه مرض من شدة الحرارة والإرهاق، فأرسل له الدكتور عبدالقادر حاتم 3 أطباء بطائرة عسكرية لعلاجه، وفى المساء وقف على المسرح ليقدم العرض، وخلال هزيمة 67 ارتدى والدى ملابس تشبه ملابس الجنود واصطحبنى وذهبنا على الجبهة بالسيارة، وكان الفلاحون يقفون قبل المنطقة الممنوعة ومعهم أقفاص الخضراوات والفاكهة يريدون توصيلها للجنود، وكان أبى يأخذ هذه الأقفاص ومعها جراكن مياه وينقلها بالسيارة مسافة 20 كيلو لتوصيلها للجنود بالسويس ويعود بالعساكر الجرحى، وكتب لعمتى خطابًا بمديونياته وماله وما عليه من أموال لأنه لم يكن يضمن أنه سيعود حيًا، وطوال فترة حرب الاستنزاف كان يذهب بفرقته على الجبهة ليقدم عروضًا للجنود، وسافر ليعرض للجنود فى حرب اليمن، وتعرض للموت، كما أنه عندما عرض فى أمريكا حذرته  الشرطة الأمريكية وجعلته يكتب إقرارًا على نفسه بتحمل المسؤولية عن العرض، وتعرضت الفرقة لحادث انقلاب الأتوبيس بعد انفجار الكاوتش وجرح نبيل الهجرسى، وظلت هذه العلامة فى وجهه.  
 

وماذا عن أعماله السينمائية؟

- مع نجاحه المذهل بالمسرح بدأ يعمل فى السينما، ولكن بخطى أبطأ، حتى وصل إلى البطولة المطلقة أمام سعاد حسنى فى «حواء والقرد»، و«حلوة وشقية»، و«بابا عاوز كده»، ووصل عدد أفلامه أمام سعاد حسنى إلى 10 أفلام، وحققت أفلامه نجاحات كبيرة، وكانت الأعلى إيرادًا، ولا ينافسها سوى أفلام عبدالحليم حافظ، وتعاون مع كبار المخرجين، ومنهم بركات، وصلاح أبوسيف، وعلى بدرخان، ونيازى مصطفى، وفطين عبدالوهاب، وسعيد مرزوق، و15 فيلمًا من أفلام الثلاثينيات مع حسام الدين مصطفى، حيث كوّن مع  يوسف فخر الدين وحسن يوسف ثلاثيًا فنيًا سينمائيًا حقق نجاحًا من نوع آخر، وكانت أفلامه فى السينما تتراوح بين البطولة المطلقة والمشاركة فى البطولة.
 
ووسط كل هذا كان يساعد زملاءه، فمثلًا عندما عرف أن عقيلة راتب لا تعمل أنتج لها فيلم «احترسى من الرجال يا ماما»، مع عبدالمنعم مدبولى وأمين الهنيدى ولبلبة وماجدة الخطيب ومحمد نجم وسيد زيان ونبيلة عبيد، وكان لديه وفاء لزملائه وأساتذته، وعقيلة راتب وقفت إلى جواره فى بداياته بمسرح الريحانى، وعمل هذا مع كثيرين، كما أنتج لفؤاد المهندس، وساعد ماجدة الخطيب فى محنتها، وكذلك فعل مع فاطمة رشدى التى تدهور حالها فى نهاية حياتها، وأكدت فى أكثر من لقاء وقوف والدى إلى جوارها.
ريحة الحبايب (5)

ووسط كل هذه النجاحات هل كانت هناك أعمال لم يرضَ عنها محمد عوض وندم على قبولها؟

- بالفعل كانت هناك أعمال لم يكن راضيًا عنها، ووسط النجاحات الساحقة كان هناك فشل ساحق، وقد يكون هذا الفشل بسبب نظرة غير صائبة، فمثلًا حاول فى مسرحية «طبق سلطة» تكرار نجاح مسرحية «نمرة 2 يكسب»، التى قدم فيها 4 شخصيات، فقرر تقديم 12 شخصية ففشلت المسرحية، وفى السينما شارك فى بعض الأفلام مجاملة لأصدقائه. 
 

وماذا عن أفلام المقاولات التى كانت منتشرة خلال هذه الفترة؟

- لم يشارك والدى مطلقًا فى أفلام المقاولات، فخلال هذه الهوجة كان يعمل مع كبار المخرجين، وهو الوحيد بين نجوم الكوميديا الذى لم يمثل فى هذه الأفلام.
 

وهل أثر عليه ظهور جيل جديد من نجوم الكوميديا؟

- طبعا الحياة مراحل، ولكن والدى كان لديه ذكاء فنى، وكان يجد بدائل وحلولًا يحقق من خلالها نجاحًا جديدًا، وعلى سبيل المثال مع ظهور نجوم الكوميديا الجدد اتجه للتليفزيون، وقام بدور «شرارة» فى مسلسل «برج الحظ»، إخراج يحيى العلمى، وحقق نجاحًا ساحقًا، كما قام ببطولة مسلسل مهم جدًا لم يعرض فى مصر، لكنه حقق نجاحًا مدويًا فى الدول العربية، وهو مسلسل «طار فوق عش المجانين»، وشاركته البطولة سهير البابلى، وكان أيضًا من إخراج يحى العلمى، وكان يساعد نجوم الكوميديا الجدد، وأعطى سعيد صالح المسرح ليقدم مسرحية «كعبلون». 
 

وهل حقًا تأثر نفسيًا بمسلسل «شرارة» وأدى إلى تشاؤم الناس منه؟

- هذه شائعات غير صحيحة، وتشبه الشائعة التى تشير إلى أنه كان يهوى قراءة الفنجان، والمسلسل نجح نجاحًا كبيرًا، وكان والدى سعيدًا به، كما أنه كان علمانيًا ومثقفًا وصاحب فلسفة، ولم يخف من هذا الدور.
 

وكيف كان يتعامل فى البيت كزوج وأب؟

- كان أبى رجلًا إداريًا، يعمل 24 ساعة، سواء فى المسرح أو فى البيت، وكانت لديه 3 شركات إنتاج وتوزيع، «أفلام الجزيرة» و«أفلام الوطن العربى» و«كوميك فيلم»، وشركة توزيع سينمائى، وكان يعمل طوال الوقت، أو يستقبل أقاربه الفلاحين الذين يأتون لطلب خدمات، كما كان يستقبل أصدقاءه الفنانين والأدباء الذين أطلقوا على بيتنا اسم البرلمان، حيث كان يجمع اليسارى واليمينى، وعمالقة الفن والأدب والإخراج،  ويتناقشون فى الفن والسياسة، ونشأنا فى هذا الجو وتأثرنا به، وكان والدى يضع القوانين فى البيت للمذاكرة واللعب والمصيف، ووالدتى تتحمل مسؤوليات الإدارة، وكان هناك ترابط وتفاهم شديد بين أبى وأمى، وكانت تترجم له المسرحيات لأنها تجيد 7 لغات، وتأخذنا لنشرف على نظافة ونظام المسرح، كما كنا نوزع خريطة مسرح الزمالك، الذى لم يكن يعرفه أحد وقتها، وأصيبت والدتى باكتئاب عندما عرفت أنه أصيب بالسرطان، ولم تستطع أن تعيش بعد وفاته وماتت فى يوم الأربعين.
 

وما أصعب الأزمات التى واجهها فى حياته؟

- من أكبر الأزمات فى حياته عندما أرادت الدولة أن تأخذ منه مسرح الزمالك سنة 1974، بعد النجاح الذى حققه، وبعد أن كان هذا المسرح لا يعرفه أحد، إلا بعدما أصبح مسرح محمد عوض، الذى أخذه رغم تحذيرات أصدقائه من الفشل.  
وطمع عدد من زملائه فى هذا المسرح، وتنافسوا للحصول عليه خلال مناقصة، فاضطر لدفع مبالغ كبيرة نظير الإيجار الذى أخذ يتصاعد حتى وصل إلى مليون جنيه، وكانت أزمة شديدة، فلم يكن ينام وهو يشاهد محاولات هدم كل ما بناه، ولا يعرف كيف يوفى هذه القيمة فى وقت كان سعر التذكرة 2 جنيه، ووسط كل هذا كان يقاوم وينجح، وكانت الأزمة الثانية فى حياته عندما أصيب بـ«فيروس سى» والسرطان فى آخر 8 سنوات من حياته.
 

ومتى رأيت دموعه؟

- كنت أرى دموعه عندما يرحل أحد أصدقائه أو أساتذته، كما كان يبكى دائمًا عندما يتحدث عن تفاصيل نهاية عبدالفتاح القصرى، حيث ذهب مع مارى منيب لزيارته، وكان يعيش ظروفًا صعبة بعدما أصيب بالعمى، ولم يكن فى بيته طعام، وكان أبى لديه قناعة بأن الفنان مهما لمع واغتنى سيأتى يوم وينطفئ نجمه وسيموت فقيرًا.
 

حدثنا عن مرضه والفترة الأخيرة من حياته؟

- كان مكتئبًا بعد معرفته بمرضه، ولكنه كان يعمل لآخر يوم فى حياته، وقام ببطولة مسرحيتى «مساء الخير يا مصر»، و«صباح الخير يا مصر»، وقام ببطولة فيلم «أى أى» وهو يعانى من السرطان، وساعده المرض فى هذا الدور، حيث فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، حتى أن ليلى علوى حملته فى أحد المشاهد، وفى أواخر حياته كان يفضل العزلة، وأراد أن يقيم فى بيت ريفى به مزرعة، لكنه عجز ماديًا عن تحقيق هذا الحلم.
 

وهل شعر بالنكران فى نهاية حياته؟ 

- والدى لم يأخذ حقه، ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه الفنان الوحيد الذى صنع 100 مسرحية فى تاريخ المسرح العربى، وكلها مسرحيات لها قيمة، لكبار الأدباء، مثل نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وعلى أحمد باكثير، ويسرى الجندى، بالإضافة إلى عدد من مسرحيات الأدب العالمى، وشعر والدى بهذا النكران فى حياته، ولم يتم تقديره، ولم تعرض مسرحياته منذ بداية السبعينيات، وحصل على تكريم من عبدالناصر سنة 68، ولم يحصل على أى تكريم فى عهد السادات رغم نجاحه، حتى أننى نصحته بأن يذهب ليسأل صفوت الشريف لكنه رفض. 
 

وهل كانت لديه أحلام لم يتمكن من تحقيقها؟

- كان لديه كثير من الأحلام الكبيرة، فكان يريد بناء مسارح ودور عرض، وينتج أفلامًا أكثر، ويحلم بالمسرح الغنائى الكبير، فوالدى كان فنانًا صاحب مشروع، ولم يكن ممثلًا فقط، وكانت هناك أحلام مشتركة بينى وبينه، ومنها تقديم شخصية «مسيلمة الكذاب»، وشخصية الشاعر عبدالحميد الديب، الشاعر الصعلوك الذى كان من زملاء سيد درويش، وبالفعل كتبنا 10 حلقات من مسلسل عبدالحميد الديب، ولكن لم يسعفه العمر لتحقيق هذه الأحلام.
 

وما آخر وصاياه؟

- أصيب والدى بغيبوبة ودخل على أثرها الرعاية المركزة، وعندما أفاق سألنى: «أنا فين؟»، فقلت له فى غرفة الرعاية المركزة، فقال: «اسمها إن عاش»، وضحك وقال: «لبسنى شراب علشان رجلى ساقعة، وروحوا شوفوا شغلكم وخللى بالك من جميلة، وكانت الحفيدة الوحيدة التى رآها وارتبط بها جدًا، ومات بعد خروجنا من عنده».
 
 

ريحة الحبايب (6)

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

الموضوعات المتعلقة



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة