خالد صلاح

محمد حبوشه

الأسطورة الحقيقية لأمير الشهداء "إبراهيم الرفاعي"

الجمعة، 18 أكتوبر 2019 08:07 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسر الصديق
وإما ممات يغيظ العدى
كانت هذه الأبيات للشاعر الفلسطيني الشهيد "عبد الرحيم محمود" هى بمثابة دستور وضعه نصب عينيه أمير الشهداء المصريين العميد أركان حرب "إبراهيم الرفاعي" من بداية انخراطه في صفوف القوات المسلحة وحتى اللحظات الأخيرة من حياته، والذي تحل ذكراه الـ 46 غدا السبت 19 أكتوبر، ولعل وصف موشى ديان له بـ "أخطر رجال الصاعقة في العالم" يجعله أشبه بالمعجزة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة كل مائة عام، ومن ثم فهو يجسد الأسطورة الحقيقية ومن هنا فلا يجوز تطبيق قوانين البشر عليه، خاصة أنه نال الشهادة وهو صائم في العشر الأواخر من رمضان، وتحديدا أثناء صلاة الجمعة 
ستظل صورة الشهيد - ابراهيم الرفاعى بمثابة في مخيلتنا "حدوتة مصرية" تعبر عن اسمى معانى الفداء، ومما لاشك فيه "أن الشهداء أحياء وإن ماتوا .. باقون وإن غابوا، لذا تظل وتبقى أسطورة الرفاعى تنمو وتزدهر وتثرى خيال الكتاب، فلا يمكن بأى حال من الأحوال أن نتحدث عن حرب 6 أكتوبر1973 ولا نتحدث عن قائد "المجموعة 39 قتال، ليس باعتباره صائد الأفاعى الإسرائيلية فحسب، بل لأنه تمكن ومجموعته من القيام بعبور القناة (106 مرة)، ونفذ عمليات أصابت إسرائيل بالفزع والوجع والانكسار المهين.
 
لقد محا الرفاعي من حياته مصطلحات الخوف والهدوء والصبر على الهزيمة بقرارات وقف إطلاق النار في حياته، حتى غدا أحد أهم رجال الاستنزاف ومن بعدها أكتوبر وواحد من أصحاب القدرات الخاصة، إنه البطل وقائد ما يعرف بالمجموعة 39، مجموعة المستحيل، مجموعة المهام الصعبة.. المجموعة التى حملت على عاتقها كسر حالة الصمت بعد النكسة ورفع الروح المعنوية للجنود عبر عمليات نوعية من قلب الجيش الإسرائيلى، أبرزها نسف قطار للجنود الإسرائيليين عند منطقة الشيخ زويد، ونسف مخازن الذخيرة التى خلفتها القوات المصرية بعد الانسحاب، وهما عمليتان يحملان خطورة كبيرة فى التنفيذ والتسلل.
 
ومن أهم عملياته فيما بعد إنه فى بداية عام 1968 أعلنت تل أبيب عن امتلاكها مجموعة صواريخ جديدة أرض - أرض، تستطيع من خلالها إجهاض أى عملية مصرية، وهو الأمر الذى شغل عقل الجيش المصرى وقتها من أجل معرفة طبيعة تلك الصواريخ، فما كان من القيادة إلا تكليف "الرفاعى" ومجموعته بالبحث وراء تفاصيلها وكان نص التكليف: "يا إبراهيم.. إسرائيل نشرت صواريخ فى الضفة الشرقية.. عايزين منها صاروخ يا رفاعى بأى ثمن".
 
أيام قليلة مرت على تكليفه بالمهمة حتى خطط ودبر "الرفاعى" طريقة التسلل والتنفيذ، فعبر ورجاله قناة السويس، ونجح العودة بـ 3 صواريخ وليس واحد أو اثنتين، وبعد العملية بأيام ذاع صيته بين ضباط الجيش وبات الانضمام للمجموعة أمل الجميع، وفى المقابل أقالت تل أبيب القائد العسكرى المسؤول عن قواعد الصواريخ.
 
بطولات الرفاعى الأسطورية لا تنتهى، بل ظلت تذهل الجميع طويلا، العدو قبل الصديق، حتى إن الفريق أول "عبدالمنعم رياض" رئيس الأركان وصف بنفسه أحد تلك البطولات قائلا: "من العمليات البارزة التى ارتبطت بالرفاعى عندما عبر خلف خطوط العدو فى جنح الليل، ونجح فى أسر جندى إسرائيلى عاد به إلى غرب القناة، كان هذا الأسير هو الملازم "دانى شمعون"، بطل الجيش الإسرائيلى فى المصارعة حيث أخذه من أحضان جيشه إلى قلب القاهرة دون خدش واحد".
 
بعد الكلمات الطيبة للفريق "رياض" عن "الرفاعى"، بشهور، كان هو من يثأر لرياض، فبعد استشهاده، طلب الرئيس عبدالناصر رد فعل سريع وقوى حفاظا على معنويات الجيش المصرى، وما كان من "الرفاعى" ومجموعته إلا أن عبروا القناة ليلة أربعين من وفاة"رياض"، واحتلوا موقع المعدية 6 الذى أطلقت منه القذائف التى تسببت فى استشهاده رئيس الأركان، ودمر الرفاعى الموقع بما فيه من ضباط وجنود بعدد 44، حتى إن إسرائيل قدمت وقتها احتجاجا لمجلس الأمن.
 
ولم يكن لهذه المهام الثقيلة إلا الأسد الغضوب "إبراهيم الرفاعي"، فوقع الاختيار عليه لتكوين مجموعته القتالية الأكثر شراسة، واختار الرفاعي أبناءه بعناية حتى تكونت مجموعة قتال عرفتها الحروب عبر تاريخها الطويل "المجموعة 39 قتال"، تلك التي عبر بها الرفاعي قناة السويس أكثر من 70 مرة قبل حرب أكتوبر نفذ خلالها عمليات انتحارية تفوق الوصف ويعجز عن إدراكها الخيال، فكانت نيران "الرفاعي" ورجاله هي أول نيران مصرية تطلق في سيناء بعد نكسة يونيو 1967، لتكون حافزا للجيش المصري حيث حملت مفاتيح النصر في أكتوبر 1973.
 
ومع بدء معركة السادس من أكتوبر، انطلقت كتيبة الصاعقة بقيادة أسدهم الجسور في ثلاث طائرات هيلكوبتر، وتم إسقاطهم خلف خطوط العدو، وظل الرفاعي ورجاله يقاتلون في أكثر من اتجاه "رأس شيطان، العريش، شرم الشيخ، رأس نصراني، سانت  كاترين، ممرات متلا" بواقع ضربتين أو ثلاث في اليوم الواحد، حتي ذهلت المخابرات الإسرائيلية من قوة الضربات وسرعتها ودقتها .
 
وفي صباح 6 أكتوبر هاجم الرفاعي محطة بترول بلاعيم لتكون أول عملية مصرية في عمق ارضنا المحتلة، ثم مطار شرم الشيخ صباح مساء السابع من أكتوبر، ثم رأس محمد ، وشرم الشيخ نفسها طوال يوم 8 أكتوبر، ثم شرم الشيخ للمرة الثالثة في 9 أكتوبر، ثم مطار الطور الإسرائيلي في 10 أكتوبر، واستطاع في هذا اليوم قتل جميع الطيارين الإسرائيليين الموجودين في المطار، ثم قام بدك مطار الطور مرة ثانية في 14 أكتوبر، ثم آبار البترول في الطور يوم 15،16 أكتوبر، وكان لهذه الضربة أقوي الآثار في تشتيت دقة وتقليل كفاءة تصوير طائرات التجسس والأقمار الصناعية الأمريكي
 
و في يوم 18 أكتوبر تقدم السفاح "شارون" ومعه 200 دبابة من أحدث الدبابات الأمريكية، ومعه لواء من جنود المظلات الإسرائيلية، وهم أكفأ وأشرس جنود الجيش الإسرائيلي ويحميه الطيران الإسرائيلي من أعلى، وتقدمت هذه الجحافل للاستيلاء علي مدينة الإسماعيلية، وتم الدفع باللواء 23 مدرع ليواجه القوات الإسرائيلية، ولكن الدبابات الأمريكية والتغطية الجوية القوية كبدت اللواء المصري خسائر فادحة، مما أجبر القيادة المصرية علي سحبه .
 
وفي هذه الأثناء دق هاتف الرفاعي، فرفع السماعة وقال من: وجاءه الرد :" السادات معاك يا رفاعي تعالي دلوقتى حالا - وكانت الأوامر أوضح من ضوء الشمس  في وضح النهار، ولكنها كانت أصعب ما قام به الرفاعي علي مدار تاريخه كله - الموقف خطير يا رفاعي، مطلوب أن تعبر برجالك شرق القناة وتخترق مواقعهم حتى تصل إلي منطقة "الدفر سوار" وتدمر المعبر الذي أقامة العدو لعبور قواته وإلا تغير مسار الحرب كلها.
 
لكن الرفاعي لم يكن يعرف إلا اتجاها ً واحدا، وهدفا واحدا، وهو إيقاف التوغل الإسرائيلي، ولأجل ذلك كان يحرص في كل عملية على أن يترك أثرا موجعا وداميا في العدو يثبت من خلاله جوهر المقاتل المصري وجسارته، لهذا كانت العمليات التي قام بها في أعقاب سنة 1967، تمثل بداية الرد المصري على العدوان وتعيد الثقة في نفوس الرجال في وقت ينزف بالجراح.
 
وعن قصة استشهاده يقول الأديب الراحل والمؤرخ العسكري جمال الغيطاني : امتثل المقاتل "على" لأمر قائده "إبراهيم الرفاعي"، وبدأت انفجارات القذائف حولهم، الشظايا تصطدم بحواف الصخور الحارة، تغوص في الرمال رائحىة البارود، الفراغ مزروع بالخطر تمركز العميد الرفاعي فوق التبة الرملية رقم (62) ، ثم رصد دبابات إسرائيلية منتشرة في المنطقة، كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرا يوم الجمعة 19 أكتوبر.
 
كانت تلك هى السطور الأخيرة من حياة أعظم مقاتلي مصر على مر العصور ، تدنو من نهايتها، إبراهيم الرفاعي، النموذج الفذ للمقاتل المصري ، الشعلة المضيئة في سماء العسكرية المصرية إلى الأبد، كان حسه الوطني رفيعا، أحب الحياة ، أحب عائلته، وابنه وابنته، ومع ذلك اندفع ليواجه الموت بجرأة نادرة، وشجاعة أسطورية، وصف بأنه "وش موت" وأنه "متهور"، أثناء خروجه إلى عملية في قلب مواقع العدو، إذا طرأ خطر يضع نفسه في الموقع الذي يتجسد فيه هذا الخطر كله.
 
ومن مآثره - رحمة الله عليه - أنه كان يقاتل كفنان، فهو يسعى دائما إلى السمو والكمال، والدقة البالغة، لا ينصرف من موقع إغارة إلا إذا رأى بنفسه ما أحدثه من خسائر، إذا نصب صواريخ موقوتة، أو زرع ألغاما يتوارى بالقرب من الموقع، ليشهد بنفسه تفجير العملية، لم ترجعه أي ظروف عن الوصول إلى هدفه.
وربما يبدر إلى ذهنك هنا سؤال مهم : هل كان حقا "قلب إبراهيم الرفاعي ميتا"؟
 
فقد انطبق عليه هذا التعبير الذي يعني الشجاعة المطلقة، يقول أحد القادة الذين كانوا على صلة به: لماذا كان يبحث إبراهيم الرفاعي عن الموت .. فوق صدره أوسمة ونياشين بلا عدد، وضعه الاجتماعي جيد للغاية، عائلته سعيدة تكونت بعد قصة حب عميقة.
 
يصمت قليلا ويجيب عن سؤاله بنفسه: "أعتقد أنها الوطنية".
ومع ذلك أيضا يمكنك أن تسوق سؤال آخر: هل كان هذا يعني أنه مجازف، أو مقامر أو يريد الانتحار؟
والإجابة بوضوح: أبدا لم يكن مجازفا، لأنه كان يدرس كل خطوة بعناية، ولم يكن مغامرا لأنه كان يحارب من أجل هدف، من أجل مصر، ولم يكن يريد الانتحار، لأنه كان محبا للحياة، خفيف الروح، كثير المرح حتى مع رجاله أثناء العمليات، أو في أرض التدريب، إن من يريد الانتحار يبدو منطويا، مغلقا، لكن "إبراهيم الرفاعي" كان محبا للحياة، مؤمنا يصلي بانتظام، لقد كان حقا مقاتلا من طراز رفيع ومثالي يندر وجوده في هذا الزمان.
 
عندما بدأ القيام بعمليات ضد العدو الإسرائيلي وقع اختياره على أعقد العمليات وأصعبها، عندما كان يقرر عبور خليج السويس الذي كان "لعبته" - طبقا لتعبير رجاله - يختار الليالي التي يشتد فيها الموج ويعلو، في مثل تلك الظروف لا يتوقع العدو أية هجمات، كان الرفاعي ورجاله ياتون إلى العدو من قلب العواصف والأنواء، والموانع الطبيعية والصناعية، وحواجز الأسلاك الشائكة، وجدران الخرسانة .. باختصار كانوا يأتون بكل ماهو مستحيل، ولاعجب في ذلك، فقد جاء "إبراهيم الرفاعي" إلى العالم ليقاتل، وليقاتل من أجل مصر.
 
مات الرفاعي وعمره لم يتجاوز 42 سنة، وهو الذي يعشق قراءة التاريخ، خاصة تاريخ مصر الحربي، فضلا عن كونه كان مثقفا ثقافة رفيعة، يحب الأدب ، ويقرأ الشعر، ويخشع إذ يصغي إلى إلى قطعة من الموسيقى الكلاسيك، لذا سيظل شذا ذكراه يفوح عطراً رغم مرور أكثر من 88 عاما على ميلاد هذا البطل العظيم، ليثبت حقاً أن أعمار الرجال لا تقاس بسنوات بقائهم علي ظهر الدنيا، وإنما بثمرات عطائهم فيها .. نعم هو العمر القصير لإبراهيم الرفاعي، ولكنه التاريخ المسطر بالذهب كتبه بدمائه وإصراره وعزيمته ورجولته .. عاش من أجل دينه ومن أجل وطنه، ومن أجل تحرير وطنه فعاش كبيراً ومات كبيرا، وتلك هى الأسطورة الحقيقية.. تحية تقدير وإعزاز واحترام للشهيد الراحل الكبير "أسطورة الصاعقة المصرية" العميد أركان حرب "إبراهيم الرفاعي".
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة