خالد صلاح

محمد حبوشه

القوات البحرية .. فخر مصر والشرق الأوسط

الجمعة، 25 أكتوبر 2019 09:20 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
يشهد السجل العسكري العالمي أن للبحرية المصرية تاريخ عريق، وذلك باعتبارها من أقدم بحريات العالم، فقد نشأت منذ عصر ماقبل الأسرات، حيث ظهرت لها صور تمثل سفن على الأواني الفخارية لحضارة "نقادة"، وكما كان المصريين القدماء بناة للأهرام في عصر الدولة القديمة، كانوا في ذات الوقت بناة لبوارج كبيرة وصلت لسواحل لبنان، ووصلت لنا منها نماذج سليمة مثل سفينة الملك "خوفو" المحفوظة في متحف "مراكب الشمس" بجانب الهرم الأكبر في الجيزة، وفي عصر الدول الحديثة قامت الملكة "حتشبسوت" ببناء أسطول ضخم لحملة ذهبت إلى بلاد "بونت" قرب منطقة القرن الأفريقي، كما كان للبحرية المصرية القديمة دورا بارزا في حروب "رمسيس الثالث" مع شعوب البحر المتوسط.
 
واليوم تحتل البحرية المصرية المركز السادس كأقوى قوة بحرية في العالم، وفقا لموقع "فاير باور"، بما تملكه من تدريب وأسلحة متطورة، تمارس مهامها لحماية سواحل مصر ومياهها الإقليمية وتأمين الأهداف الاقتصادية، لذا يبدو طبيعيا جدا أن قول قائد القوات البحرية المصرية، الفريق أحمد خالد، في عيدها الـ (52) إنه يجري حاليا تطوير هذه القوات لتكون قادرة على مجابهة كافة التحديات التي تواجهها في مناطق عملها الحالية والمنتظرة ضمن منظومة القوات المسلحة المصرية المتكاملة.
 
وتأتي هذه التصريحات الهامة لقائد البحرية المصرية في ظل تدهور الأوضاع الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، وكثرة الصراعات وتأثر الأمن القومي المصري والعربي بتلك الأوضاع الأمنية، حيث سعت القيادة العامة للجيش المصري من خلال خطط التسليح لتطوير إمكانات القوات البحرية بالتعاقد على أحدث النظم القتالية والفنية، وكان آخرها امتلاك مصر حاملات المروحيات طراز "ميسترال"، والفرقاطات الحديثة طراز "فريم وغوويند"، ولنش الصواريخ الروسي طراز "مولينيا" والغواصات طراز "209/1400".
 
ولعل هذه الأسلحة تمثل حاليا نقلة نوعية للقوات البحرية المصرية، الأمر الذي جعلها من أكبر البحريات بالبحر المتوسط، ذات ذراع طويلة قادرة على حماية مصالح مصر القومية في الداخل والخارج، وتمتلك قوة الردع لكل من تسول له نفسه تهديد مصالحنا القومية، والكلام يأتي هنا في مناسبة توجيه مصر تحذيرا إلى تركيا في وقت سابق من تداعيات استمرارها في أعمال التنقيب عن الطاقة قرب سواحل قبرص، مشددة على أن أي إجراءات أحادية في هذا السياق تهدد أمن واستقرار منطقة شرق المتوسط.
 
والتاريخ بالتاريخ يذكر، ففي 21 أكتوبر 1967 كانت القوات البحرية المصرية أول بحرية في التاريخ تستخدم لنشات الصواريخ لإغراق "مدمرة" قبالة سواحل بورسعيد، ومن هنا أصبح هذا اليوم عيدا للقوات البحرية، عندما أغرقت اللنشات السريعة من طراز "كومار" المدمرة الإسرائيلية "إيلات" من خلال ثلاث ضربات مباشرة، وكانت قد شهدت الفترة التي تلت حرب يونية 1967 وحتى أوائل أغسطس 1970، أنشطة قتالية بحرية بين الجانبين، وكان كلاهما يهدف إلى أحداث أكبر خسائر في القوات البحرية للطرف الآخر بغرض إحراز التفوق والحصول على السيطرة البحرية، ويعرف هذا النوع من القتال البحري في فنون الحرب البحرية بالأنشطة القتالية الروتينية للقوات البحرية.
 
وفي هذا الصدد استطاعت البحرية المصرية أن تطبق أسس فنون الحرب البحرية خلال فترة الاستنزاف تطبيقا سليما حقق الهدف من استنزاف البحرية الإسرائيلية، وفي المقابل استغلت إسرائيل قوة الردع المتيسرة لديها والمتمثلة في تفوقها ومدفعيتها الرابضة على الضفة الشرقية للقناة، مهددة مدنها في انتهاك المياة الإقليمية المصرية في البحرين المتوسط والأحمر، واضعة في اعتبارها عدم قدرة القوات المصرية على منعها من ذلك.
 
ومن تلك الأعمال الاستفزازية أنه لوحظ - أنذاك - دخول المدمرة "إيلات" ومعها زوارق الطوربيد من نوع "جولدن"، ليلة 11و12 يوليه 1967 داخل مدى المدفعية الساحلية في بورسعيد، وعندما تصدت لها زوارق الطوربيد المصرية فتحت "إيلات" على الزوارق وابلا من النيران، ولم تكتف بذلك بل استمرت في العربدة داخل المياة الإقليمية المصرية ليلة 21 أكتوبر 1967 في تحد سافر، مما تطلب من البحرية المصرية ضبطا بالغا للنفس إلى أن صدرت توجيهات إلى قيادة القوات البحرية بتدمير المدمرة "إيلات"، وعلى الفور جهز قائد القاعدة البحرية في بورسعيد لنشين من صواريخ (كومر) السوفيتية، وخرج لمهاجمة مدمرة العدو بغرض تدميرها وإغراقها، كما اعدت بقية القطع البحرية في القاعدة كاحتياطي.
هجم اللنش الأول على جانب المدمرة مطلقا صاروخه الأول فأصابها إصابة مباشرة، وأخذت تميل على جانبها فلاحقها بالصاروخ الثاني الذي أكمل إغراقها على مسافة تبعد 11 ميلاً بحرياً شمال شرقي بورسعيد، وعليها طاقمها الذي يتكون من نحو 100 فرد، إضافة إلى دفعة من طلبة الكلية البحرية كانت على ظهرها في رحلة تدريبية. 
 
لقد سطرت البحرية المصرية ملحمة رائعة في هذا اليوم، حيث وقعت هذه المعركة في بورسعيد، بالتحديد شرق خط 12 ميل شرقى الميناء، كانت القيادة الإسرائيلية قد استغلت فترة وقف إطلاق النار لمعركة بحرية على مشارف ميناء بورسعيد، واتخذت الإجراءات التي تجبر وحدات اللنشات المصرية على دخول المعارك في الوقت والمكان الذي يناسب القطع البحرية الإسرائيلية، على الجانب الآخر كانت دورية الطوربيد المصرية - المكونة من لنشين يضم الأول قائد السرب نقيب بحرى "عونى عازر" ومساعده ملازم "رجائى حتاتة"، ويضم الثاني نقيب "ممدوح شمس" ومساعده ملازم أول "صلاح عطية السيد غيث" تنفذ مرورا روتينيا لتأمين الميناء والاستطلاع للإبلاغ عن أى أهداف تكتشف في نطاق المياه الإقليمية المصرية.
 
على بعد 16 ميل شمال شرق بورسعيد، تمكنت الدورية من اكتشاف المدمرة "إيلات"، فتم إبلاغ القيادة لاسلكيا، ثم انطلقت اللنشات المصرية مدفوعة بثورة الغضب ورغبة عارمة في الثأر واسترداد الكرامة المهدرة منذ شهر وأكثر، وبينما كان النقيب "عونى" ينطلق بأقصى سرعة تسمح بها محركات اللنش الخاص به صوب المدمرة، ظهر فجأة لنشى الطوربيد الإسرائيليين، وبدأت تهاجم الدورية المصرية من الجانب الخلفى، فأسرع "عونى" يبلغ القيادة بالموقف الجديد، وتلقى تعليمات مشددة بتجنب الاشتباك ومحاولة التخلص من المعركة بأى شكل
 
وفي تلك اللحظة الحاسمة لم يكن أوان التراجع متاحا، وبدأت معركة غير متكافئة بين لنشات الطوربيد المصرية والإسرائيلية، في ظل مساندة المدمرة "إيلات"، وعلى الرغم من عدم التكافؤ الواضح، إلا أن الدورية المصرية بقيادة نقيب "عونى عازر" نجحت في الخروج من دائرة الضوء التي كانت ترسلها المدمرة مع وابل من النيران الكثيفة، ومع تعقد الموقف واستحالة التراجع، اتخذ "عونى" قرارا بالقيام بهجوم انتحارى وأمر مساعده ملازم "رجائى حتاتة" بنزع فتيل الأمان من قذائف الأعماق، وأنقض بزاوية عمودية على الجانب الأيمن من المدمرة في محاولة لتدميرها وإنهاء المعركة، ومع وضوح نية اللنش المصري ازدادت كثافة النيران الصادرة من المدمرة، وأنضم إليها لنشى الطوربيد، في محاولة لإيقاف لنش النقيب "عونى" قبل بلوغ المدمرة.
 
على مسافة 30 مترا من المدمرة انفجر اللنش المصري واستشهد النقيب "عونى عازر"، ومساعده ملازم "رجائى حتاتة"، كما استشهد طاقم اللنش بالكامل، بينما أصيب ثمانية من طاقم المدمرة "إيلات "من جراء تبادل النيران مع أطقم الدورية المصرية البحرية، إضافةٍ إلى تدمير موتور رادار المدمرة وإصابات مباشرة للجانب الأيمن للسفينة، وقد سجلت هذه المعركة ضمن الدوائر العسكرية الدولية كأشهر المعرك البحرية في العصر الحديث، بين لنشات الطوربيد والوحدات البحرية الكبيرة، وأشاد خبراء البحرية العالمية بالشجاعة النادرة لقادة اللنشات المصرية.
 
هذا وتعتبر هذه هى المرة الأولى في التاريخ الذي تدمر فيه مدمرة حربية كبيرة بزورق صواريخ، وعلى الجانب الآخر فإن البحرية المصرية والشعب المصري بأكمله الذي ذاق مرارة الهزيمة في 5 يونيو من نفس العام ارتفعت معنوياته كثيرا، وردت إسرائيل على هذه الحادثة يوم 24 أكتوبر بقصف معامل تكرير البترول في "الزيتية" بالسويس بنيران المدفعية، كما حاولت ضرب السفن الحربية المصرية شمالي خليج السويس، ولقد عجل حادث إغراق المدمرة "إيلات" بانتهاء إسرائيل من بناء 12 زورق صواريخ من نوع (سعر) كانت قد تعاقدت على بنائها في ميناء "شربورج" بفرنسا.
 
لكن عقول المصريين هنا فكرت بطريقة مغايرة من خلال عمليات يقوم بها لواء الوحدات الخاصة للقوات البحرية "الضفادع البشرية"، وشكلت بقيادة رائد بحري"عبد الرحمن سمير، وكان قائد التدريب رائد بحري"مصطفى طاهر"، وتكونت المجموعة الأولى من الملازم "عمر عز الدين"، والرقيبين "محمد العراقي، ومحمد على جودة"، والمجموعة الثانية من الملازم "حسنين جاويش" والرقيب "عادل الطراوي"، والمجموعة الثالثة من الملازم "عبد الرؤوف سالم" ومساعد "عبده مبروك"، والمجموعة الرابعة من الملازم "نبيل عبد الوهاب" والرقيب "فوزي البرقوقي"، والمجموعة الخامسة من الملازم أول "رامي عبد العزيز" والرقيب "فتحي محمد أحمد"، والمجموعة السادسة من الملازم أول "عمرو البتانوني"، والرقيب "علي أبو ريشة".
 
أما مهندس العملية  فكان المجند "أسامة مطاوع"، والعريف "محمد محمد جودة"، والمجموعة المعاونة تكونت من ضابط المخابرات العسكرية النقيب "إبراهيم الدخاخني" والنقباء صاعقة "أمير يوسف، وعلي عثمان، وأحمدعلاء الدين قاسم"، وبالفعل كانت أول عملية فدائية في أكتوبر 1969 والثانية والثالثة في عام 1970 ، وذلك بهدف تدمير الناقلتين الحربيتين "بيت شيفع وبات يام"، فى العملية الأولى تم تدميرالسفينتين"داليا وهيدروما"، وقد استشهد في تلك العملية الرقيب"محمد فوزي البرقوقي"، بتسمم الأكسجين نتيجة الغوص لأكثر من 12 مترا في العمق، وليس بطلق ناري بحسب وقائع فيلم "الطريق إلى إيلات"، وقد سحب الملازم أول "نبيل عبد الوهاب" جثته لمسافة 14 كم بعيد عن الشواطئ الأردنية.
في العملية الثانية بقيادة "عمرو البتانوني و رامي عبد العزيز" تم تدمير السفينة "بيت شيفع" بشكل كامل وإعطاب السفينة "بات يام"، حيث تم إصلاحها بعد ذلك، وما إن تم إصلاحها في شهر أبريل حتى وصلت مجموعات الضفادع البشرية إلى الميناء في شهر مايو وأنهوا العملية بتدمير السفينة الثانية"بات يام"، وبعد تلك العملية تم استدعاء "موشيه ديان" وزير الحرب الإسرائيلي أمام الكنسيت وتوبيخه جراء اختراق الضفادع البشرية المصرية للعمق الإسرائيلي، فتعهد أمام رئيسة الوزراء "جولدا مائير" بعدم السماح مرة أخرى باختراق المياه الإقليمية الإسرائيلية.
 
ولم تمر ثلاثة أسابيع، وبالتحديد فى 14 مايو سنه 1970 وهى ليلة احتفال إسرائيل باغتصاب فلسطين، تسللت مجموعة من الضفادع البشرية بقيادة "عمر عز الدين"، و"نبيل عبد الوهاب"، وقاما بزرع لغمين برصيف الميناء كل لغم منهما بلغ وزنه 150 كم شديدي الانفجار، وكانت لحظات تثبيت الألغام الأكثر صعوبة خاصة بعد زيادة إسرائيل من العراقيل داخل الماء لتعيق تسلل الضفادع البشرية لمياهها، ولكن لحظات السعادة كانت قد وصلت قمتها بنجاح الانفجارات التي أدي إلى نسف الرصيف بالسفن الراسية عليه.
ومن ثم كانت عملية "إيلات" حديث العالم وقتها، حيث انبرت جميع الصحف العالمية والعربية فكتبت "الأهرام" : "ضربنا العدو فى عقر داره"، وكتبت الصحف العربية والعالمية عن مهارة رجال الضفادع البشرية المصرية وقدرتهم على مواجهة إسرائيل وهز ثقتها بنفسها وانهيار كل نظريات أمنها..تحية تقدير واحترام للبحرية المصرية "فخر مصر والشرق الأوسط"، في عيدها الـ (52)  الذي يوافق 21 أكتوبر الحالي، وتحية يعلوها العز والفخار لكافة أفراد قواتنا المسلحة المصرية في خوضها لأشرس حروبها في العصر الحديث، وهى حرب الإرهاب الحالية .. وأخيرا حما الله مصر من كل شر وسوء.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة