خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

هدية مسمومة.. كيف تحاول واشنطن تصدير الكابوس الأمريكى إلى موسكو عبر البوابة السورية؟.. ترامب يسعى لاستنزاف المقدرات العسكرية والاقتصادية لروسيا من خلال سياسة الانتشار العسكرى.. ويحاصرها فى مناطقها من بولندا

الأربعاء، 09 أكتوبر 2019 07:00 م
هدية مسمومة.. كيف تحاول واشنطن تصدير الكابوس الأمريكى إلى موسكو عبر البوابة السورية؟.. ترامب يسعى لاستنزاف المقدرات العسكرية والاقتصادية لروسيا من خلال سياسة الانتشار العسكرى.. ويحاصرها فى مناطقها من بولندا ترامب وبوتين
تحليل يكتبه: بيشوى رمزى

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

فى الوقت الذى قرر فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ترك الساحة خاوية لروسيا فى سوريا، بعد الانسحاب العسكرى الأمريكى من الأراضى السورية، يبدو وأنه يتجه بقوه نحو زيادة قواته فى مناطق أخرى بالعالم، وعلى رأسها دول أوروبا الشرقية، والتى تمثل الحديقة الخلفية لموسكو، وهو ما يبدو واضحا فى تصريحاته الأخيرة حول إمكانية زيادة الوجود العسكرى الأمريكى فى بولندا، فى خطوة من شأنها زيادة المخاوف الروسية فى المرحلة المقبلة، خاصة وأن التقارب الأمريكى مع دول المنطقة المحيطة بروسيا ليس بالأمر الجديد على إدارة ترامب، فى ظل حالة الصراع الراهنة على مناطق الصراع حول العالم، وهو ما حاولت موسكو الرد عليه فى فنزويلا على خلفية أزمة الرئيس نيكولاس مادورو، حيث سعت موسكو إلى تعزيز وجودها العسكرى هناك لمضايقة الغريم الأمريكى، إلا أنها تراجعت فى النهاية بسبب الانهيار الاقتصادى فى كاراكاس، وبالتالى غياب العائد المادى جراء خطواتها فى أمريكا اللاتينية.

ولعل الحديث عن بولندا تحديدا يحمل رمزية كبير بالنسبة للجانب الروسى، ليس فقط باعتبارها جزءا من الامبراطورية السوفيتية التى انهارت فى أعقاب الحرب الباردة، مع بداية التسعينات من القرن الماضى، ولكن أيضا باعتبارها مقرا لحلف وارسو، والذى كان يمثل الكتلة الشرقية إبان الصراع السوفيتى الأمريكى الذى دام لعقود طويلة من الزمن، وبالتالى كان التحرك الأمريكى تجاهها مستفزا إلى حد كبير للجانب الروسى، ويحمل رسالة مفادها قدرة واشنطن على محاصرة موسكو فى مناطق نفوذها، وعمقها الاستراتيجى، وهو ما بدا واضحا فى اختيار مدينة وارسو، لعقد اجتماع بين أمريكا وحلفائها، لتدشين تحالف جديد لتقويض النفوذ الإيرانى فى الشرق الأوسط فى شهر فبراير الماضى.

 

تناقض ظاهرى..
 

ولكن يبقى الحديث عن نشر جنود أمريكيين قبل أيام من خطوة الانسحاب الأمريكى من سوريا يمثل تناقضا صارخا، على الأقل ظاهريا، فى السياسة التى يتبناها البيت الأبيض، والتى تقوم فى الأساس على تقليل الوجود العسكرى الأمريكى فى العديد من مناطق العالم، بسبب التكاليف الباهظة التى تكبدتها الخزانة الأمريكية جراء النهج الذى تبنته الإدارات السابقة لعقود طويلة من الزمن، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة فى الأرواح بين الجنود الأمريكيين، سواء فى العراق أو أفغانستان أو سوريا أو غيرها، حيث لم تتوقف ما يمكننا تسميته بسياسة الانسحاب العسكرى الأمريكى على الأراضى السورية، ولكنها امتدت إلى مناطق أخرى مشتعلة، على رأسها أفغانستان، والتى انغمست فيها واشنطن فى مفاوضات مع حركة طالبان، تمهيدا لخروج القوات الأمريكية من هناك.

 

القوات الأمريكية فى سوريا
القوات الأمريكية فى سوريا

إلا أن الوضع فى بولندا، أو دول أوروبا الشرقية يبدو مختلفا إلى حد كبير، سواء من الجانب الاقتصادى، خاصة مع إعلان ترامب أن كافة التكاليف المترتبة على إنشاء القاعدة العسكرية الأمريكية فى وارسو سوف تتحملها السلطات البولندية، وهو ما يعنى أن واشنطن لن تتحمل تكلفة اقتصادية تذكر جراء وجودها العسكرى هناك، من جانب بالإضافة إلى الوضع الأمنى المستقر هناك، مقارنة بدول منطقة الشرق الأوسط الملتهبة، بنار الحروب والتنظيمات المتطرفة، التى طالما استهدفت القوات الأمريكية المتواجدة على أراضيه، من جانب أخر.

 

هدية مسمومة..

يبدو أن الوجود العسكرى الأمريكى فى أوروبا الشرقية يحمل أبعادا مختلفة تماما عن منطقة الشرق الأوسط، فى المرحلة الحالية، حيث يأتى فى إطار المساعى الأمريكية لفرض نفوذها فى إحدى المناطق الحساسة فى العالم، والتى من المفترض أن تحظى بهيمنة الخصم التاريخى لواشنطن، فى الوقت الذى تبقى فيه المخاطرة الاقتصادية والعسكرية معدومة، وهو ما يضفى بعدا جديدا للتحرك الأمريكى، لا يقوم فقط على محاصرة موسكو فى مناطق تمثل عمقا جغرافيا لها، ولكن أيضا السعى نحو استنزافها عسكريا واقتصاديا، فى ظل ضرورة المزيد من التأمينات الروسية لحماية أراضيها مع اقتراب القوات الأمريكية منها، عبر الأراضى البولندية، فى الوقت الذى تتحمل فيه الخزانة الروسية تكاليفا باهظة جراء سياسة الانتشار العسكرى، والتى تبناها بوتين منذ عام 2015، عندما اتخذ القرار بالذهاب إلى سوريا، لدحض الميليشيات المتطرفة، فى خطوة أثارت استفزاز إدارة أوباما آنذاك، فى الوقت الذى ربما لا يحتمل فيه الاقتصاد الروسى الكثير من المغامرات العسكرية فى المرحلة الحالية.

 

ترامب وبوتين
ترامب وبوتين

وهنا يمكننا القول: إن الانسحاب العسكرى الأمريكى من سوريا ليس منحة أمريكية للخصم الروسى، لتوطيد نفوذه فى منطقة الشرق الأوسط، كما يثير قطاع كبير من المتابعين والمحللين سواء فى الولايات المتحدة أو خارجها، وإنما هى بمثابة "هدية مسمومة" تأتى فى إطار محاولة توريطه فى مستنقع جديد، فى ظل توتر الأوضاع بصورة كبيرة على الأراضى السورية، خاصة بعد التهديد التركى باحتلال منطقة شمال سوريا، لتصبح نواة جديدة للتنظيمات المتطرفة، خاصة من بقايا تنظيم داعش المتطرف، وهو ما يضع القوات الروسية تحت ضغوط كبيرة، ويساهم فى استنزاف الإمكانات العسكرية والاقتصادية لموسكو، لتتذوق من نفس الكأس الذى طالما شربت منه واشنطن لعقود طويلة من الزمن جراء سياسة الانتشار العسكرى.

استنزاف الخصوم.. 

النهج الأمريكى القائم على استنزاف الخصوم، أو حتى منافسى واشنطن على قمة النظام الدولى ربما ليس بالأمر الجديد تماما، حيث سبق للرئيس ترامب، وأن تبنى هذا النهج مع الخصوم والحلفاء على حد سواء، وإن كان ذلك على مسارات مختلفة، ففى الوقت الذى تحول فيه الاتحاد الأوروبى إلى قوى اقتصادية مهيمنة، لاحقته واشنطن بسياسة التعريفات الجمركية، والتى كانت بمثابة ضربة قاصمة له، فى حين اتجهت الإدارة الأمريكية الحالية نحو شن حرب تجارية شعواء على الصين، لتحقيق قدر من التوازن مع الولايات المتحدة.

لنجعل أمريكا عظيمة مجددا.. شعار ترامب الانتخابى فى 2016
لنجعل أمريكا عظيمة مجددا.. شعار ترامب الانتخابى فى 2016

ويمثل الاحتفاظ بموقع أمريكا، على قمة المشهد الدولى، أولوية قصوى للإدارة الحالية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والمقررة فى العام المقبل، مع زيادة حملات التشويه التى يشنها خصومها الديمقراطيون، على خلفية أزمة الاتصال الهاتفى الذى أجراه ترامب، مع نظيره الأوكرانى فلاديمير زيلنيسكى حول أنشطة مشبوهة لنجل نائب الرئيس السابق جو بايدن، والذى يعد المرشح الأقوى لتمثيل الحزب الديمقراطى فى الانتخابات المقبلة فى 2020، خاصة وأن استعادة "أمريكا العظيمة"، كان شعار حملته الانتخابية فى عام 2016، وبالتالى فإن خطواته الأخيرة تأتى فى إطار تنفيذ شعاره الانتخابى، تزامنا مع نجاحه فى تحقيق الكثير من الوعود التى قطعها على نفسه، منذ تنصيبه بالبيت الأبيض فى يناير 2017.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة