خالد صلاح

محمود عبدالراضى

سلونا فى الصعيد

السبت، 02 نوفمبر 2019 11:13 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

"سلونا فى الصعيد"، جملة قالها الفنان المبدع محمد فراج الذى جسد شخصية العريف هلال فى فيلم "الممر"، للفنان الكبير أحمد عز، فى أقوى مشهد بالفيلم، عندما قال له: "يا فندم مش المهم إنى أوقع طيارة، المهم إن اللى فى الطيارة يكون شافنى وأنا واقف قدامه مخايفشى وهيروح يبلغ زمايله إن المصريين مش جُبنة واقفين مستنينا ومش هايبينا.. وده سلونا فى الصعيد سعادتك تقف لغريمك عينك فى عينه ويبقى عارف إنك هتاخد بتارك منه مهما عدت الأيام".

وربما لا يعرف كثيرون معنى "السلو"، وهى العادات والتقاليد المتعارف عليها فى الصعيد، بمثابة دستور وقانون مُلزم للجميع، لا يستطيع أحد الخروج عنه، حيث يكون وقتها خارج وشادر عن القاعدة، معظمها عادات طيبة وحسنة، أطفت جانباً من الحب والود والدفء فى الجنوب بسبب اتباع هذه السلوكيات الحميدة.

المبادئ والقيم والأخلاقيات فى السلو الصعيدى، تنظم الحياة بشكل جيد، تلزم الصغير باحترام الكبير، وترسخ قيم مساعدة الصغار واحترام المرأة، والتحلى بشرف الخصومة، وتشدد على قيم الرجولة والكرم والنُبل.

فى "السلو الصعيدى" لا صوت يعلو فوق صوت الكبير، ولا مجال للحديث غير اللائق مع الأكبر سناً، ولا مساحة للخطأ، فيتربى الأبناء منذ نعومة أظافرهم على القيم الحميدة، واحترام الأب، ومعاملة الأعمام مثل الوالد تماماً، فلا يناديه "عمى فلان"، ولكن يقول عنه "أبى فلان"، فلا يجلس وآباؤه واقفون، ولا يتحدث وهم يتكلمون، وإنما ينصب ويصغى ويتعلم، فى مدرسة الحياة، يشاهد النقاش الراقى بين الأعمام، ويرى طقوساً فى ترتيب الجلوس على مائدة الأكل، وتقدم الأكبر سناً فى العزاء، وعدم تدخين الصغير أمام الأكبر سناً.

حكوا لنا عن أحد أبناء عمومتنا ـ المتزوج ولديه اثنين من الأبناء ـ يدخن سيجارة فى الشارع، وعندما شاهد عمه فجأة أطفأ السيجارة فى جسده، وتحمل الألم حتى لا يراه عمه وهو يدخن، وغيره من الشباب الذين يقفون ساعات طويلة حتى لا يجلسوا فى حضرة الآباء والأعمام احتراماً لهم.

"سلونا فى الصعيد"، يصدر للمجتمع نماذج لشباب واعى وراقي، لا يجنح للعنف ولا يميل للاستهتار ولا يعرف "الهلس"، فهم شباب لم تحطمه الليالى ولم يسلم إلى الخصم العرينا، شباب ذللوا سبل المعالى، فلم يعرفوا الخلاعة فى بنات ولا عرفوا التخنث فى بنينا، وما عرفوا الأغانى مائعات ولكن العلا صنعت لحونا، وإن جن المساء فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدينا، وإذا شهدوا الوغى كانوا كماة يدكون المعاقل والحصونا، ولم يتشدقوا بقشور علم ولم يتبجحوا فى كل أمر خطير كى يقال مثقفونا، كذلك أخرج الصعيد بلدى شباباً حراً أمينا وعلمه الكرامة كيف تُبنى فيأبى أن يُقيد أو يهونا.

 

 

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة