خالد صلاح

أحمد أبو على

مستقبل المدن الجديدة فى مصر وتحدياتها

الأحد، 03 نوفمبر 2019 03:26 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
شكل ارتفاع معدلات نمو سكان الحضر تحديا كبيرا أمام العديد من الدول؛ ومنها مصر، حيث إنه من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان المناطق الحضرية حول العالم من 3 مليارات نسمة إلى 6 مليارات نسمة بحلول عام 2045، ويأتى ذلك تزامنا مع عدم قدرة المدن القائمة على استيعاب هذه الزيادة، وهو ما أكسب المدن الجديدة ضرورة فى الدول النامية؛ خاصة مع ما تشهده تلك الدول من حركة نمو صناعى، ونمو اقتصادى صاحبه نمو فى الطبقة المتوسطة، وفوق المتوسطة، وأصبح من الصعوبة على الحكومات القيام بدورها الكامل فى خلق بيئة عمرانية سليمة تستطيع أن تحقق مبدأ العدالة الاجتماعية فى الحصول على سكن لجميع الفئات وبما يحقق تطلعاتهم. وفى سياق كل هذا؛ تعددت تعريفات المدن الجديدة على معيار واحد؛ حيث استُخدم الحجم السكانى والوظيفة الاقتصادية كالمدن الصناعية، ومعيار استقلاليتها عن العمران القائم، فمنها مستقلة بذاتها، وأخرى تابعة تعتمد على الوظائف والخدمات المتوطنة فى العمران القائم.
 
ولاشك أن هذا الاختلاف فى المعايير التى تحدد الفرق بين أشكال وطبيعة المدن الجديدة يعود إلى التغيرات فى السياسات الاقتصادية والإدارية والإسكانية؛ حيث تحول دور الدولة من الداعم الرئيسى للمدن الجديدة بالأخص فى قطاعات الإسكان والبنية الأساسية، إلى دور شريك فى التنمية تزامنا مع ازدياد دور القطاع الخاص والاقتصاد العالمى فى تطويرها ونموها فى العقدين الماضيين من القرن الحادى والعشرين، وظهرت أشكال جديدة من الشراكات بين الحكومات، والقطاع الخاص المحلى والعالمي، والتى انعكست بدورها على القاعدة الاقتصادية بها، ومكونها السكانى والعمراني.
 
 ولا تعد التنمية الصناعية وحدها المحرك لنموها، وإنما ظهرت أنماط جديدة من الأنشطة الحضرية تحاكى أهداف التنافسية العالمية وأنشطة التجارة العالمية واقتصاد التكنولوجيا والمعرفة سريع النمو كانت هى الأخرى سببا رئيسيا فى تطور حجم وأعداد المدن الجديدة، وصاحب ذلك أيضا تطورا كبيرا فى استراتيجيات عمل تلك المدن الجديدة؛ حيث أصبحت المدن الجديدة لا تبنى فقط على فكرة الاكتفاء الذاتى من فرص العمل لسكان المدينة أو الدولة، وإنما أصبحت جاذبة للعمالة الأجنبية والسكان الأجانب. كما أنه فى ظل التوجهات الاقتصادية الجديدة أصبحت المدن الجديدة فرصة ووسيلة لتحقيق التنافسية العالمية، فضلًا عن دخول الدول مراحل تنمية اقتصادية مختلفة، ولم تعد تقتصر فقط على استيعاب الزيادة السكانية.
 
 ولاشك أن فترة الخمس سنوات الماضية فى مصر؛ شهدت جدلا كبيرا على كافة الأصعدة والمستويات، سواء ما بين مؤيد ومعارض حول مدى جدوى وأهمية المدن الجديدة؛ وتمسك أصحاب الرأى المعارض بعدة أسباب رئيسية للتأكيد والتصديق على أرائهم المعارضة؛ بأن تلك المدن الجديدة كلفت الموازنة العامة للدولة المصرية أموالا عديدة؛ كان من الأحرى بناء على قولهم أن توجه إلى قطاعات اقتصادية أخرى منتجة؛ إلا أنه قبل الرد على هذه الآراء التى قد تبدو فى كثير منها إن لم يكن معظمها لا تستند إلى أى معايير علمية أو موضوعية تستدعى تصديقها. 
 
 فعلى الصعيد العالمى، هناك دول لا تؤيد سياسة المدن الجديدة، ولا تعدها بديلًا مجديًا عن تنمية المدن القائمة التى تعانى من مشكلات شتى. بينما تعتبرها دول أخرى الأمل فى تحقيق الاستدامة الحضرية من خلال إدراج المعايير التخطيطية والتصميمية أثناء إعداد مخططاتها. ولعل من يتابع التغيرات الحادثة على الصعيد العالمى فى ذلك الامر؛ يرى أن الموجات الحالية والمستقبلية من المدن الجديدة تقودها دول العالم النامى فى آسيا والشرق الأوسط ومؤخرًا أفريقيا، حيث شُرع فى بنائها ضمن استراتيجية طويلة الأجل بين 30 و50 عامًا. ويأتى ذلك من خلال محاكاة أنشطة الاقتصاد العالمي، والتوسع فى خلق فرص عمل، وتلبية طموحات الطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة فى الدول المزدهرة والنامية، فى الحصول على حياة قد تبدو أكثر تطورا وتماشيا مع التطور التكنولوجى الذى يشهده العالم الآن؛ ولعل هذا ما تحققه مدن الجيل الرابع التى تنفذها الدولة المصرية الآن. وبالنسبة لمصر فلقد خاضت الدولة المصرية تجربة المدن الجديدة على مدار أربعين عامًا، وبدأت فى تنفيذ مجموعة من مدن الجيل الرابع، ليبلغ بذلك عدد المدن الجديدة حوالى 34 مدينة، وذلك بخلاف امتدادات المدن الجديدة، والسياحية، ومدينة شمال غرب خليج السويس الاقتصادية. ولاشك أن تطور المدن الجديدة فى مصر مر بعده مراحل زمنية يمكن إيضاحها كالتالى:-
- مدن الجيل الأول خلال الفترة الأولى (1977-1982):
 
خلال تلك الفترة تم إنشاء المدن الجديدة فى ظهير القاهرة والإسكندرية، بهدف التوسع فى الأنشطة الاقتصادية، والإسكان، فضلًا عن إنشاء مجموعة من المدن فى الصحراء كمصدات للهجرات الداخلية إلى القاهرة والإسكندرية؛ مثل العاشر من رمضان، والصالحية، والنوبارية. أما مدينة السادات، فقد أضيف لها هدف العاصمة الإدارية، بنقل بعض الوزارات إليها، وأولها وزارة الإسكان.
 
- مدن الجيل الثانى والثالث خلال الفترة (1995-2010):
وهى مجموعة من المدن التى تم إنشاؤها حول المدن الجديدة من الجيل الأول، مثل؛ مدينة العبور، ومدينة بدر، ومدينة الشيخ زايد، حيث أطلق على تلك المدن فى ذلك التوقيت المدن التوائم لعواصم المحافظات، وبالأخص الصعيد؛ وكان الهدف من إنشاء تلك المدن آنذاك هو التغلب على مشكلة محدودية الأراضى للامتداد، والتوسع فى الظهير المباشر لوادى النيل.
 
- مدن الجيل الرابع خلال الفترة من (2014 وحتى الان):
ولا شك أن تلك المدن شهدت طفرة متنوعة ومختلفة من حيث تركيبة إنشائها وتنفيذها بحيث تصبح أكثر مواءمة للتغيرات الحادثة فى بيئة التكنولوجيا العالمية؛ حيث إن تلك المدن هى نموذج متطور من المدن فى نظم شبكاتها، والأنشطة الداعمة لاقتصاد المعرفة من الجامعات، ومراكز الأبحاث المتطورة العالمية والخاصة، ويدخل فى تخطيطها، وتصميمها مبادئ المدن الخضراء والذكية، وتضاف أنشطة اقتصادية منافسة لوظائفها كالسياحة العالمية، مثل؛ العلمين، ورأس الحكمة. والتجارة العالمية، ومراكز وخدمات رجال الأعمال، مثل شرق بورسعيد، والعاصمة الإدارية الجديدة التى تقدم شكلًا جديدًا من الأنشطة المركزية للدولة، وخدمات الأعمال الجاذبة للمؤسسات العالمية، وتعد بمثابة الشريان الحضرى المركزى لإقليم قناة السويس الاقتصادي، بما يضمه من مناطق اقتصادية محورية لمصر. 
 
ولاشك أن المدن الجديدة شهدت اهتماما كبيرا من الدولة بالمشاركة مع القطاع الخاص خلال الخمسة أعوام الماضية؛ مما أكسبها أهمية استراتيجية كبرى؛ حيث  توجهت الدولة حديثًا نحو وضع خطط لشبكات نقل عامة، وتم تقديم مقترحات لفصل صلاحية مشروعات وضع خطط النقل العام للمدن الجديدة عن هيئة النقل العام؛ وهو ما تطلب ضرورة وجود هيئة لإدارة النقل فى المدن الجديدة تضع دراسات وخطط متكاملة بين أنماط النقل الداخلى والخارجى للمدن تتلاءم مع احتياجات المخطط، مع الأخذ فى الاعتبار توافر مشروعات نقل خاصة يتم تشغيلها حاليًا لصالح المناطق السكنية الخاصة. ولتعزيز إدارتها وهو ما تدرسه الحكومة المصرية حاليا؛ وكذلك تنظيم عمل الشبكات الاجتماعية: وذلك داخل المدن الجديدة، خاصة فى مستويات الإسكان المنخفض، وفى مدن محافظات الصعيد الجديدة ومشروعات لتساعد السكان الجدد فى التكيف؛ ولاشك أن الربط بين العائد الاقتصادى والاجتماعى على السواء يعتبر من الأمور المهمة والضرورية، خاصة مع تأثيرهما على مدى ارتباط السكان بالمكان. ويتطلب ذلك الأمر مداخل متعددة المستويات من أجل إعطاء فرص مشاركة واسعة لسكان المدينة فى جميع مستويات الاستثمار، والأنشطة، وتقلل من مخاطر الاستثمار الكبيرة التى يصعب تقدير العوائد منها على المستوى البعيد. 
 
ويعد الاستثمار فى البنية التحتية وشبكات التكنولوجيا من أهم المجالات التى تعظم الاستفادة الاقتصادية والمجتمعية؛ لأنها تؤثر بطريقة مباشرة وغير مباشرة على السكان، ليس فقط من حيث الاستخدام الفردى لها، وإنما تستفيد منها الأنشطة الإنتاجية التى تخدم أنماط استهلاكهم المختلفة؛ وهو ما كان سببا أن تتجه الحكومة المصرية إلى وضع حوافز للمستثمرين فى البنية التحتية بمشروعاتهم بمعدلات أعلى من المعدلات القومية فى التصميم والتشغيل، مثل؛ المعدلات البيئية والتكنولوجية لمراقبة شبكات، ومرافق مشروعاتهم؛ لأن هذه الحوافز والتسهيلات من شأنها تخفيض تكاليف الإنتاج. وكذلك التوجه نحو تقسيم المدن الجديدة إلى مناطق مختلفة فى مستويات حوافز الاستثمار فى البنية التحتية والتكنولوجية مع التركيز على المناطق المستهدفة لفئات الإسكان المنخفض والمتوسط، وعلى المناطق المراد الإسراع بمعدلات تنميتها. 
 
وأخيرًا فإنه يجب الإشارة إلى أن العوائد من المدن الجديدة لا تقتصر فقط على المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما تشتمل على عوائد ثقافية وعمرانية وبيئية؛ منها المباشر، وغير المباشر، سواء على المستوى القومى أو الأفراد. وبالتالى فإن قياس العوائد يجب ألا يقتصر فقط على مؤشرات حجم وعدد الوحدات السكنية المقدمة من خلالها، أو مساحات الأراضى التى تم تنميتها أو استغلالها، وهو ما أدركته الدولة المصرية؛ من خلال وضع مجموعة من المؤشرات يمكن قياسها بصفة دورية من أجل تحديد مدى جدوى السياسات النوعية المُطبقة بها؛ أخذه فى الاعتبار أن المدن الجديدة أو التنمية العمرانية الجديدة بصفة عامة وسيلة لتحقيق الانتشار العمرانى خارج الوادى والدلتا، ولكنها لا تلغى أهمية وضرورة معالجة إشكاليات العمران القائم. وذلك يعنى أن العمران القائم والجديد لا يمثلان كيانين منفصلين فى السياسات، وبالتالى فإن نجاح كليهما يؤثر إيجابيًا على تحقيق الأهداف القومية للتنمية.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة