خالد صلاح

محمد حبوشه

أفريقيا .. الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك

الجمعة، 15 فبراير 2019 08:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
رحم الله الشاعر العربي الكبير "محمد مفتاح الفيتوري"، الذي كثيرا ما عرفته إلا وكان يصدح كشمس سمراء حارقة، في أرجاء بلادنا العربية من المحيط إلى الخليج غير مكترث بسمرته الأفريقية، داعياً إلى أنسنة الوجع، وتثويره، والعبور به إلى الحرية، وهو القائل : 
 
أبدا ما هنت يا إفريقيا يوما علينا
بالذى أصبح شمسا سطعت ملء يدينا
ذلك البيت الذي كان ضمن قصيدته الرائعة "إيه يا أفريقيا الكبرى التى تبنى المشارق" والتي كانت تدرس علينا في منهج اللغة العربية بالمدارس الثانوية، وقد تربى علي تلك القصيدة جيلنا الذى انطبع فى ذهنه أن الدائرة الأفريقية هى إحدى الدوائر الثلاث لمصر، بجانب الدائرتين العربية والإسلامية، لتأكيد تلك العلاقات المتراكمة التى ظل الاهتمام بها جزءًا من استراتيجية أمن مصر القومى على مدى العصور.
 
واذا كانت هذه العلاقات مرت بمراحل مد وجذر فى عهود سابقة، فإننا اليوم، ونحن نقف على قمة رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى، لابد لنا من وقفة وقراءة متأنية في مناسبة عودة مصر لقارتها السمراء في لحظة عناق تاريخى شهدنا وقائعه مباشرة على الشاشات، بعد غياب نحو ربع قرن عن رئاسة الاتحاد الإفريقى منذ 1993، لتتحمل مصر شعبا وأرضا مع قيادتها السياسية تلك المسؤولية، وتمتزج وتذوب خطوط الجغرافيا والتاريخ، فترسم صفحة جديدة من إرادة المصير والمستقبل المشترك.
 
معروف أن مصر لعبت دورا تاريخيا على مستوى القارة الإفريقية من أجل تحرير الدول الإفريقية من الاستعمار قديما، وسعت إلى توحيد جهودها لتحقيق نهضة شاملة فى مختلف المجالات من خلال تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، حيث كانت مصر إحدى الدول المؤسسة للمنظمة عام 1963، ولم تكتفي أرض الكنانة بذلك فحسب، بل استمرت مصر فى لعب هذا الدور المهم منذ الخمسينيات وحتى الآن، حيث كان الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر" أحد الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية، ورمزا للنضال والتحرر الوطنى فى إفريقيا وشتى الدول التى عانت من الاستعمار.
 
ومنذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى مقاليد الحكم فى عام 2014، سعت مصر إلى لعب دور أكثر فاعلية، ونشطت بالفعل فى مختلف آليات العمل الإفريقى المشترك، حيث حرص الرئيس على تعظيم الدور المصرى فى إفريقيا من خلال تدعيم التعاون بين مصر والأشقاء الأفارقة فى المجالات كافة، وهو الأمر الذى انعكس فى القيام بالعديد من الزيارات واستقبال المسؤولين الأفارقة فى مصر، وما شهدته تلك الزيارات من توقيع العديد من الاتفاقيات الثنائية بين مصر والدول الإفريقية بهدف دعم التعاون الاقتصادى.
 
واليوم يتوج الأفارقة "السيسي" رئيسا للاتحاد الأفريقي في الوقت الذي يدرك فيه جيدا أن "مصر هبة النيل"، تلك المقوله الخالدة، التي قالها "هيرودوت"، منذ آلاف السنين، لمرور النهر الخالد بأراضيها لأطول مسافة من بين الدول الأخرى، ولكونها هي أيضا دولة المصب، النيل الذي يجري في أراضي عشر دول أخرى ما بين دول منبع و دول مرور و مصب، نعم يدرك الرئيس أنه هنالك ارتباط قوي ووثيق بين مصر والقارة السمراء تمتد جذوره إلى عمق القارة،  كشجرة جذورها في الأرض ممتدة منذ بدء الخليقة، وفروعها في السماء مرتفعة هاماتها في أرجاء المكان.
 
وانطلاقا من أن مصر بموقعها الاستراتيجي شمال شرق القارة الإفريقية، والتي تعد من أقدم القارات في العالم، وتمتد أراضيها لتصل القارة بجارتها آسيا، وتعد حلقة الوصل بين قارات العالم القديم، جعلها بوابة إفريقيا للتجارة والثقافة، وتبادل الحضارات، والثقافات، فقد توجه الرئيس في خطابه المباشر إلى قادة الدول الأفريقية مؤكد على تعزيز أُسس التنمية المستدامة بما يطور من إمكانات مجتمعاتنا، ويوفر المزيد من فرص العمل لشبابنا، ويمهد الطريق نحو أفريقيا المزدهرة القوية، معتمدين في ذلك على علاج جذور الأزمات التي تعاني منها القارة.
 
وبلغة سهلة وبسيطة لكنها تحمل في طياتها دلالات عميقة بوحدة الجغرافيا والتاريخ والمصير الأفريقي المشترك، أكد السيسي على ضرورة دفع مسيرة الاندماج القاري، والعمل على الإسراع من تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، وأهمية استكمال المنظومة الاقتصادية القارية من خلال تطوير البنية الأساسية بالقارة الأفريقية، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف دعا القادة الأفارقة إلى ضرورة إيلاء الاهتمام ببرامج ومشاريع إعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات لنبني على التقدم المحرز على جبهة بناء السلام، والعمل على تعزيز قدرات الدولة الوطنية ودفع عجلة التنمية لتحصين كل تقدم نحرزه على مسار تحقيق السلام من الانتكاس، فضلاً عن تهيئة الأوضاع لعودة النازحين إلى ديارهم في أقرب وقت.
 
ولأن العام الحالي سيشهد استمرار الجهود المبذولة لتقويم الدور الفعال للاتحاد الأفريقي في إطار عملية إصلاح عميقة ودقيقة تقودها وتمتلكها الدول الأعضاء، وهو من شأنه أن تفرز الدول الأفريقية اتحاداً أكثر قوة ومفوضية أكثر كفاءة بما يمُكننا من تحقيق آمال وتطلعات الشعوب الأفريقية، قال السيسي بعزيمة وإرادة قوية: "سنعمل أيضاً خلال عام 2019 على تعزيز أُسس التنمية المُستدامة بما يُطور من إمكانات مُجتمعاتنا، ويوفر المزيد من فرص العمل لشبابنا، ويمهد الطريق نحو أفريقيا المزدهرة القوية، معتمدين في ذلك على علاج جذور الأزمات التي تعاني منها القارة، ومسلطين جهودنا على حل أزمات النازحين والمهاجرين واللاجئين بشكل شامل وجذري، تتكاتف فيه جهود الدعم الإنساني العاجلة مع خطط بناء السلام وإعادة الإعمار، وكذا مساعي تعميق التنمية ووصول عائداتها لكافة ربوع القارة بشكل عادل.
 
لقد شهدت وقائع "القمة الـ 32 " للاتحاد الإفريقي ترسيخ التضامن الأفريقي فيما يتعلق بمواقف القارة الموحدة إزاء العديد من القضايا المطروحة على الساحة الدولية، وفي مقدمتها ضرورة تأمين التمويل الأممي لأنشطة السلم والأمن بالقارة لضمان استدامة السلام، وأهمية رفع الظلم الواقع على القارة الأفريقية، وكذلك فيما يتعلق بعضوية مجلس الأمن الدولي، واستمرار قارتنا في التعبير عن موقفها الموحد تجاه إصلاح مجلس الأمن وفقاً لتوافق "إيزولويني وإعلان سرت"، بالإضافة إلى تأكيد الملكية الوطنية لبرامج ومشاريع التنمية.
 
ومن هنا عاد الرئيس مرة أخرى ليؤكد أننا سنعكف معا في 2019 على تعميق أواصر التعاون مع الشركاء الدوليين من منظمات دولية وتجمعات إقليمية وتكتلات اقتصادية ومؤسسات التمويل ودول فاعلة على الساحة الدولية، للعمل على تعزيز قُدرات القارة الصناعية وتطوير منظومة الاقتصاد الأفريقي، وتنويع مصادر الطاقة، والعمل سوياً على الحد من الآثار الضارة لظاهرة تغير المُناخ، لتتضافر الجهود في إطار من المصلحة المُشتركة لتحقيق الأهداف الأممية للتنمية المستدامة 2030 وأهداف أجندة 2063 الأفريقية، بما يُعزز من صون السلم والأمن الدوليين.
 
لقد لفت نظرى أن كلمة السيسي جاءت في وقت يعيد العالم بأثره اكتشاف القارة السمراء، وخاصة أن جميع الدول الكبرى تعلم علم اليقين أن أفريقيا كنز العالم وهي قارة الأمل والفرص الهائلة غير المستغلة، فضلا عن مواردها الطبيعية التي تظل محط أنظار الطامعين، كما أن أفريقيا قارة غنية بشبابها الذين يشكلون أكثر من 60% من سكانها وثرواتها الطبيعية حيث تمتلك 40% من موارد العالم من المعادن، و60% من أراض القارة الصالحة للزراعة والتعمير غير مستغلة، و90 % من احتياطي البلاتين، و70% من احتياطي الذهب، و76 % من احتياطي الكوبالت، وبها 124 مليار برميل من البترول، و500 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وإمكانات هائلة للطاقة المتجددة سواء الشمسية أو الطاقة الكهرومائية، كما أنه معروف قبل كل ذلك أن أفريقيا غنية بأسواقها الكبيرة التي تمد أكثر من مليار وربع مستهلك سيرتفعون إلى 2.5 مليار نسمة عام 2050.
 
ومن أجل ما مضى يصبح حريا بنا عند الحديث عن تفعيل الدور المصري في أفريقيا بصفة عامة كي ندرك أهميتها الاستراتيجية، أن نستدعي كلمات "الدكتور جمال حمدان" - رحمه الله -  عندما شدد على ضرورة ألا تترك مصر فراغًا سياسيا في أفريقيا؛ حتى لا يشغله الاستعمار الجديد أو القوى العظمى، ويحاصرها به من الخلف مستغلا تفكك شعوبها وتناقضات قادتها، ولعله أيضا أول من نبه إلى ضرورة مواجهة النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا، ومحاصرة أخطبوطه؛ حتى لا يضمها إلى جانبه، أو يؤلب دولها ضد مصر والدول العربية، ومن ثَم تحاول مصر بقيادة الرئيس السيسي الذي يعى خطورة إهمال الشأن الأفريقي في هذا الوقت بالذات، وذلك بمحاولات دعم اتفاقات نوعية بين دول القارة، والدعوة لإقامة قوة دفاع مشتركة من شأنها دفع المخاطر الخارجية عن أفريقيا.
 
لابد لي من الإشادة بوعى الرئيس لأهمية أفريقيا منذ أول يوم تولى فيه قيادة البلاد في عام 2014 حيث دعى إلى ضرورة القيام بدور إقليمي فاعل على الساحة الأفريقية؛ بحكم العديد من الإعتبارات، منها الإيمان بالانتماء الأفريقي لمصر الذي تحكمه عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة، وارتباط مصالحها المصيرية -التي يأتي النيل في مقدمتها- ببعض دول القارة، والتي تعد عمق مصر الإستراتيجي، بل إنه يرسخ في ذهنه الواعي دائما، أن أفريقيا تشكل بمساحتها الشاسعة وثرواتها المتنوعة وكثافتها السكانية سوقًا واسعة للمنتجات المصرية، تلك القارة التي تشكِّل أمن مصر القومي بمعناه الواسع.
 
وكأن لسان حاله يغني قصيدة الراحل الكبير محمد الفيتوري "من أغاني أفريقيا " قائلا :
 
يا أخي في الشرق ، في كل سكن 
يا أخي فى الأرض ، فى كل وطن 
أنا أدعوك .. فهل تعرفنى ؟ 
يا أخا أعرفه .. رغم المحن 
إنني مزقت أكفان الدجى 
إننى هدمت جدران الوهن 
لم أعد مقبرة تحكى البلى 
لم أعد ساقية تبكى الدمن 
لم أعد عبد قيودى 
لم أعد عبد ماض هرم عبد وثن 
أنا حى خالد رغم الردى 
أنا حر رغم قضبان الزمن 
فاستمع لى .. استمع لى 
إنما أذن الجيفة صماء الأذن 
إن نكن سرنا على 
الشوك سنينا 
ولقينا من أذاه ما لقينا 
إن نكن بتنا ولقينا من أذاه ما لقينا 
إن نكن بتنا عراة جائعينا 
أو نكن عشنا حفاة بائيسنا 
إن تكن قد أوهت الفأس قوانا 
فوقفنا نتحدى الساقطينا 
إن يكن سخرنا جلادنا 
فبنينا لأمانينا سجونا 
ورفعناه على أعناقنا ولثمنا قدميه خاشعينا 
وملأنا كأسه من دمنا 
فتساقانا جراحا وأنينا 
وجعلنا حجر القصر رؤوسا ونقشناه جفونا وعيونا 
فلقد ثرنا على أنفسنا ومحونا وصمة الذلة فينا 
الملايين أفاقت من كراها ما تراها 
ملأ الأفق صداها 
خرجت تبحث عن تاريخها 
بعد أن تاهت على الأرض وتاها 
حملت فؤسها وانحدرت 
من روابيها وأغوار قراها..! 
فانظر الإصرار فى أعينها وصباح البعث 
يجتاح الجباها 
يا أخى فى كل أرض عريت من ضياها 
وتغطت بدماها 
يا أخى فى كل أرض وجمت شفتاها 
واكفهرت مقلتاها 
قم تحرر من توابيت الأسى 
لست أعجوبتها 
أو مومياها انطلق 
فوق ضحاها ومساها 
رحمك الله يا فيتوري .. فهكذا أراد السيسي أن تحيا أفريقيا حرة قوية بشعوبها وثرواتها، التي كانت ومازالت مطمع الدول الاستعمارية الكبرى في صراعها المرير على أرضها السمراء، منذ فجر التاريخ وحتى يومنا الحالي.. تحية تقدير واحترام لقائد مصر وزعيمها "الرئيس السيسي" الذي يدرك حقيقة الجغرافيا والتاريخ على أرض المحروسة، ويسعى دوما لتوفير الرخاء والطمأنية وسلامة العيش على ترابها المقدس.
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة