خالد صلاح

محمد حبوشه

48 ساعة حاسمة في تاريخ مصر والعرب

الجمعة، 01 مارس 2019 08:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
تحت شعار "الاستثمار في الاستقرار"، وبحضور رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية 60 دولة عربية وأوروبية، منهم نحو 24 من قادة دول الاتحاد الأوروبي - من أصل 28 عضوًا، ومشاركة 21 دولة عربية، ناقش الزعماء والوزراء المجتمعون أبرز قضايا العالم الشائكة على أرض شرم الشيخ المصرية، وتضمنت تلك المناقشات التي استمرت لمدة 48 ساعة تعد مصيرية في تاريخ مصر والعرب حاليا، استعراضا للتحديات والتهديدات المشتركة التي تواجه العالمين العربي والأوروبي، كتفشي ظاهرة الإرهاب وتفاقم بؤر الصراعات بالمنطقة، فضلاً عن تناول أبرز الخطوط العريضة لرؤية مصر تجاه التعامل مع تلك التحديات وكيفية تجاوزها.
 
مصر بثقلها السياسي والجغرافي وعبر رئيسها عبد الفتاح السيسي ألقت الضوء على الفرص الواعدة لتعزيز التعاون والتكامل بين الشريكين العربي والأوروبي، وتأكيد أهمية انعقاد قمة شرم الشيخ لإيجاد منصة للحوار المباشر والبناء بين الجانبين إزاء القضايا والتهديدات الإقليمية والدولية، وتمحورت المناقشات حول سبل تعزيز الشراكة العربية الأوروبية، وفقاً لمبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة، والتعامل المشترك مع التحديات العالمية، وتأكيد ضرورة توافر الإرادة السياسية لتعزيز أسس التعايش والتفاهم بين الجانبين، والتى يحكمها الامتداد التاريخى والجغرافى والبشرى.
 
تضمنت معظم الكلمات التي ألقيت على مدار اليومين اللذين شهدا فعاليات القمة المنعقدة وسط تحديات كبرى يواجهها العالم العربي والغربي، الإشادة باستضافة أرض مصر لهذا الحدث التاريخى، الأول من نوعه على الإطلاق، والذى يجمع بين لفيف عريض من أبرز القادة العرب والأوروبيين فى إطار جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبى، بما يعكس تقدير مكانة مصر المتميزة دولياً وإقليمياً كجسر للتواصل بين الحضارات، والثقة الموضوعة فيها كمركز ثقل محوري لصون الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، لا سيما في ظل المرحلة الحرجة التي تمر بها المنطقة من توتر واضطراب، وكذلك تنوع التحديات المحيطة، مما يحتم ضرورة تنسيق المواقف المشتركة بين العالمين العربى والأوروبي للتعامل مع تلك التحديات.
 
كما تأتي أهمية عقد تلك القمة في وقت تتولى مصر فيه قيادة الاتحاد الأفريقي، وذلك باعتبارأن مصر أحد الجسور المهمة جدا تاريخيا فى العلاقة بين الإقليمين العربى والأوروبى، وهى بمثابة شهادة دبلوماسية عربية أوروبية لها انطباعا إيجابيا من كافة دول العالم تجاه مصر بأنها عادت لدورها الريادي بالقارة كما كانت عليه في السابق، بل أفضل عما كانت عليه، كما أن ارتفاع مستوى التمثيل فى القمة العربية الأوروبية، يبعث برسالة مهمة، ويعبر عن شيئين، هما: إدراك الطرفين لأهمية هذه القمة، وأهمية التواصل مع الطرف الآخر حول هذه الموضوعات فى هذه المرحلة، ويؤكد أيضا فى نفس الوقت التقدير الكبير للدولة المضيفة مصر ولقيادتها وعمقها الحضارى والسياسى.
 
تأتي القمة العربية الأوروبية في هذا الوقت تحديدا من وجهة نظر الجانب العربى مهمة فى أكثر من بعد، أولا : هى أول قمة تعقد مع طرف يمثل أهمية خاصة للجانب العربى، كتلة الاتحاد الأوروبى، وهى كتلة فاعلة ومهمة على المستوى الدولى، ولعل من أهم الفاعلين الـ 28دولة التي تتحرك فى دوائر عمل فى مجالات مختلفة سياسية وإقتصادية  وتجارية، فهى دوائر مهمة وتتقاطع مع أولويات ودوائر عمل فى المجموعة العربية أو الدول الأعضاء فى جامعة الدول العربية، بجانب أن الاتحاد الأوروبى شريك تجارى واقتصادى مهم للغاية وسط التحديات التى يشهدها العالم حاليا.
 
وهنا أتوقف بكل التقدير والاحترام أمام كلمته في الجلسة الختامية للقمة، فقد وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، رسائل عديدة، للقادة والشعوب المشاركة في القمة العربية الأوروبية، منها: أن النجاح يتوقف على تحويل القمة إلى محطة جديدة لتعميق التعاون الممتد عبر التاريخ بين المنطقتين العربية والأوروبية، وفي مناخ بناء مهد لإحداث تقارب في وجهات النظر بمختلف القضايا، وأوضح "السيسي"، أن نجاح القمة العربية الأوروبية لا يقاس فقط بما تم خلالها من نقاش ثرى، وإنما يقاس بمقدار ما تتحول هذه القمة الناجحة إلى محطة جديدة لتعميق التعاون الممتد عبر التاريخ بين المنطقتين العربية والأوروبية.
 
لقد جاء حديث السيسي بواقعية كعادته دائما، مؤكدا برؤية ثاقبة: أننا أرسينا دورية انعقاد القمة العربية الأوروبية، مضيفين بذلك لبنة أخرى للصرح التعاونى المؤسسى المشترك بين دولنا، ومؤكدين عزمنا على استكمال المسيرة لمواجهة التحديات التاريخية غير المسبوقة التي نعيشها في مطلع القرن الواحد والعشرين، وعن التعاون العربي الأوروبي، أشار "الرئيس"، إلى أن نجاحه يظل في النهاية رهنا لعمل الشعوب، ولن يكتب له الاكتمال إلا من خلال جهود المشاركين في القمة، باعتبارهم أول المعنيين بهذا اللقاء المهم، مشيرا للقادة المجتمعين بأنهم أول من سيجنى ثمار العمل المشترك ، لذا دعاهم بكل ود ومحبة إلى تجاوز كل ما يفرقهم، وأن يتمسكوا بكل ما يجمعهم حتى ننطلق جميعا إلى مستقبل أفضل للإنسانية بأثرها نحو عيش مشترك كريم.
 
وهنا أشيد بتوضيح السيسي، على أنه كان من الطبيعي أن تتنوع وجهات النظر خلال اللقاء الأول على مستوى القمة العربية الأوروبية، بشأن بعض القضايا، والسبل الأمثل للتعاون فيها والعمل على حلها، مضيفًا أن ما يجمع المنطقتين العربية والأوروبية أكبر بكثير مما يفرقهما، وهذا ما تم التوافق عليه خلال لقاءات الـ 48 ساعة الحاسمة في تاريخ مصر والمنطقة والعالم، ومن ثم تطرقت القمة، إلى مسائل تعزيز الشراكة بين الجانبين وسبل التعامل المشترك مع التحديات سواء الدولية او الإقليمية تحت العنوان الرئيسي للقمة في استقرارنا نستثمر، حيث جرت المناقشات فى مناخ بناء يسوده التعاون والصراحة والمودة والرغبة الصادقة في إحداث تقدم ملموس فى شتى الملفات ذات الاهتمام المشترك، وهو ما كان له أطيب الأثر في بناء علاقات جديدة بين القادة من جهة وتعزيز أواصر العلاقات القائمة بالفعل من جهة أخرى. 
 
لقد طرح الزعماء والقادة العرب وجهات نظرهم خلال القمة العربية الأوروبية بكل وضوح وصراحة بشأن أهم القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وهي قضية العرب الأولى المركزية، وسبل مواجهة الإرهاب والضرورة القصوى للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمات المتعددة التي تشهدها المنطقة، وكل ذلك بهدف تعزيز الاستقرار في محيطنا الجغرافي المشترك، وكذلك قضايا التبادل التجاري والاستثمار، والهجرة غير الشرعية، ومواجهة الإرهاب وما يمثله من مخاطر مشتركة تهدد استقرار الكتلتين العربية والأوروبية، وقضايا حساسة أخرى مثل الأوضاع في اليمن وسورية وليبيا، وتبعات ما يسمى بثورات الربيع العربي، وغير ذلك من قضايا محل الاهتمام المشترك.
 
ولقد راق لي أن القادة العرب عبروا عما يجول بخاطرهم مؤكدين على أننا جميعا شركاء في تعزيز ثقافة التعددية والحوار بين الحضارات وثقافة التعايش والتكامل بين الأديان وشركاء في حماية بلداننا من مخاطر الإرهاب والتطرف، وفي الحلول لمشكلات الهجرة وتداعياتها وشركاء في التبادل التجاري والاستثمار والإفادة من خبرات شبابنا وفتياتنا في التحديث والتنمية، وفي التنسيق والتواصل لتحقيق السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، ورفع الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني، ولعل أبرز ما بدا لي هو أن القمة أوجدت أرضية مشتركة واقعية للتعاون العربي - الأوروبي للحد من الصراعات في المنطقة، وعلى أسس واضحة وقوية، ولا تعتمد على تقارير إعلامية تتناقلها وسائل الإعلام أو رؤى تطرحها منظمات المجتمع المدني، التي تتناول أحياناً قضايا غير واقعية أو مبالغاً فيها.
 
كما بات واضحا أن التصور المتكامل للشراكة بين الجانبين (العرب وأوروبا) يتطلب التركيز على بعض الأولويات من بينها الأمن القومي العربي وتحقيق نهضة بالوطن العربي، حيث يقع على عاتق أوروبا مسئولية مساعدة جوارها العربي لبلوغ ذلك التصور وتوجيه الشراكات المستقبلية نحو تهيئة بيئة فكرية وثقافية وإعلامية سليمة للتعايش والتعاون بين شعوب المنطقتين، ومن هنا فقد حظيت قمة شرم الشيخ بأهمية بالغة لدى العالم العربي، حيث أسست لجوار يحتل مكانة متميزة في خارطة علاقاته مع مختلف شركائه من دول وتجمعات ومنظمات إقليمية وقارية، كما أنها شكلت فرصة مواتية لاستحضار تلك الأبعاد الحضارية والإنسانية التي يحظى بها العالم العربي كقاعدة صلبة للانتقال بالحوار إلى مستوى تعاون حقيقي يرتكز على رؤية واضحة وخطط عمل واقعية لخدمة المصالح المتبادلة وتحقيق المنفعة المشتركة بين شعوب العالم على اختلاف وتعدد تلك المصالح.
 
الواقع العملي يؤكد بما لايدع مجالا للشك بأن التفاعل العربى الأوروبى له تاريخ طويل، ولقد أثبت أن ما يجمع العالم العربى وأوروبا أكثر مما يفرقهما، وأن هناك ترابطا بين أمن المنطقة العربية واستقرارها وأمن القارة الأوروبية، وهو ما جعل من التعاون العربى الأوروبى وحل أزمات العالم العربى ضرورة لحماية أمن أوروبا ومعالجة تحدى اللجوء والهجرة المشترك، وهو نفس ما أكد عليه "السيسي" في معرض حديثه عن أهمية تعزيز التعاون المشترك، بهدف البناء على علاقات التعاون العربى الأوروبى فى مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وقد عكس الإعلان الصادر عن القمة الأرضية المشتركة التى نأمل أن يتم البناء عليها خلال اللقاءات المقبلة.
 
وصفت قمة شرم الشيخ بحسب "ما شياو لين" الأستاذ فى جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، بأنها "قمة الفوز المشترك"، و نظرا للقرب الجغرافى بين الوطن العربى وأوروبا يصعب على أى من الجانبين أن يقوم بمفرده بحل مشكلتى الإرهاب والهجرة غير الشرعية اللتين كانتا من أبرز الملفات الحاضرة فى القمة، إذ إن معالجتهما تتطلب تأسيس آلية للتبادل والتواصل من أجل مواجهة هاتين القضيتين اللتين تشكلان تهديدا لاستقرار المنطقة وأمنها، وإن الجانبين العربى والأوروبى تربطهما علاقات وثيقة ومصالح مشتركة، ويحتاج كل منهما للتعاون مع الآخر، وهنا تبرز أهمية قيام أوروبا بضخ استثمارات فى الوطن العربى على نحو يسهم فى انتعاش اقتصادات بلدان المنطقة وتحقيق استقرارها وتحسين معيشة شعوبها.
 
وفي النهاية استوقفتني كثير من أقوال القادة والزعماء الذين حضروا القمة، ولعل أبرزها: أنه آن الأوان ليتحول الشرق الأوسط من منطقة نزاعات لمنطقة نجاحات بالتعاون الصادق بين العرب وأوروبا، وأن خطر الإرهاب بات ينتشر في العالم كالوباء اللعين، سواء من خلال العناصر المتطرفة أو اتخاذ الدول ملاذًا آمنا، ولذا فنحن الآن في أمس الحاجة للوقوف صفًا واحدًا ضد خطر الإرهاب، ولعل هنالك دافع مشترك لجميع الأطراف، وعلينا تفويت الفرصة على قوى التطرف والإرهاب، التي لا تعرف سوى الاحتلال والحروب.
 
فما نراه من بؤر توتر واحتقان في منطقتنا يرجع لتجاهل القضية الفلسطينية وعدم الوصول إلى الحل العادل والشامل، وهذا لا يتأتي سوى بالتقارب بين الدول العربية والأوروبية، كما يتطلب من الجميع مواجهة التحديات المشتركة واغتنام الفرص الحقيقية، وذلك بالتعاون بين الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، لأن العرب وأوروبا في حاجة الآن - وقبل أي وقت مضى - إلى شراكة قوية لمواجهة المشكلات المباشرة التي تشكل مخاطر عديدة مثل الهجرة والراديكالية والإرهاب، خاصة أن الأوروبيون والعرب يتقاسمان التاريخ والكثير من الجغرافيا والكثير من الثقافة، كما أن الاتحاد الأوروبي المستثمر الأول في المنطقة العربية، ومن هنا فإن مثل كل تلك الوشائج من القربي يمكن أن تكفل لكلا المنطقتين العربية والأوربية العيش بسلام على أرض هذا العالم الذي يغلي بالصراعات الآن.. ألم أقل أن تلك الـ 48 كانت حاسمة في تاريخ مصر والعرب والعالم أيضا؟.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة