خالد صلاح

كريم عبد السلام

سيف الرحبى وزمن البدايات فى القاهرة

الخميس، 21 مارس 2019 03:11 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

ما الذى يبحث عنه سيف الرحبى فى كتابه " القاهرة أو زمن البدايات" ؟ سؤال لابد وأن يطفو على الذهن فور أن تنتهى من هذا الكتاب الصغير البديع الصادر عن هيئة قصور الثقافة ضمن سلسلة "حكاية مصر" فى 174 صفحة من القطع الصغير.

 

الكتاب الصغير الذى يتضمن 18 فصلا عن القاهرة المكان والزمان والناس فى بدايات السبعينيات من القرن الماضى، ليس مجرد محاولة لاستعادة فترة زمنية بالكتابة ولا محاولة لاسترجاع الذاكرة بدافع الحنين ولا ينتمى إلى السيرة الذاتية بمفهومها التقليدى، وإنما هو بحث دائب عن الزمن المفقود مع اليقين بأنه ما من سبيل لاستعادته ،لأنه ما من سبيل لاستعادة الذات التى تشظت وتفتت إلى ملايين القطع والنثارات فى أركان الأرض الأربعة، لا سبيل لاستعادة الذات المبتلاة بالمنفى وغير القادرة على السكن فى بقعة من الأرض.

 

نحن هنا وخلال فصول الكتاب الثمانية عشر أمام "كائن المنفى"، ذلك الكائن الذى لا سبيل إلى تصالحه مع الأمكنة أو الزمان الذى يكر كالمسبحة وهو فى قلبه يتماوج ويضطرب وينتقل مرغما من مرحلة إلى أخرى كالمتفرج فى بيت المرايا، كائن المنفى إذ يبحث عن نفسه من خلال أماكن مؤثرة أو لحظات زمنية بارزة، إنما يحاول أن يجمع ما يستطيع من شذرات نفسه إلى حين، وحين يكتشف أن محصلة السعى هى الخسران يكتشف أيضا أنه لا يملك إلا مواصلة السعى والبحث.

 

يقول سيف الرحبى عن كائن المنفى "يصل المترحل إلى نوع من الوضوح الكاسر، ذلك الذى يحمل شفافية اليأس وقوة انكسار الأمل، لم يعد للتجوال فى خرائط الجغرافيا حلم كشف وإشراق لا للرحيل ولا للعودة لا للوطن ولا للمنفى، تهشمت فى مخيلته ووجدانه هذه الثنائيات لتحل محلها خارطة متناقضات داخلية متموجة بجمال وقسوة خاصتين. هذه الخارطة، بستان الداخل هى التى يحاول تعهدها بالسقى والرعاية عبر خيارات جمالية يرتئيها" .

 

كأن سيف الرحبى يردد عبر صفحات الكتاب جميعها أبيات شاعر الإسكندرية كفافيس " ما دمت قد خربت حياتك على هذه البقعة من العالم، فهى خراب أينما حللت"، خراب وهو مندهش أمام سكة القطارات فى بولاق الدكرور أو أمام سينما سفنكس أو فى حديقة الميرلاند أو أمام بحر الإسكندرية، خراب وهو يتأمل مسارات أمل دنقل وحلمى سالم وغالب هلسا وأروى صالح وسارتر ونجلاء فتحى وعرب لطفى ومنى أنيس وشاكر عبد الحميد وجابر عصفور وجرجس شكرى، خراب وهو يحاول استعادة العشق الأول مع سوزان الفتاة الشامية المسيحية فى شارع الأزهار بالمهندسين، تلك الفتاة التى نادته بعد ثلاثين عاما ليقطن فى منزل بالحى نفسه .

 

ثمانى سنوات قضاها سيف الرحبى فى قاهرة السبعينيات وقبلة العرب والدارسين الأفارقة وعاصمة الفن، مدينة الأحلام، أحلام الثورة والتحرر وأحلام الأيديولوجيات الكبرى والزعماء والتحولات الكارثية، كانت كفيلة بأن يحملها فى ذاته أينما حل، لكنه كان يحمل الأحلام ونهاياتها الفاجعة معا، يحمل الأماكن وانهياراتها، الأزمنة وأفولها، والأشخاص ورحيلهم المباغت، ويتساءل" حين تنمحى المدن وتسحقها النكبات، هل يبقى زمن يتجول من غير مخلوقاته وضحاياه ؟ ولماذا على أن أفكر على هذا النحو القاسى الذى يحجب عنى الحياة التى أحب أن أعيشها حتى آخر قطرة فى ظلام الصحراء رغم كل خرابها وحقارتها وغثيانها؟"

 

الملفت فى كتاب سيف الرحبى أو محاولته المستميتة للإمساك بالزمن المفقود، تنوع الفصول بين السرد الحياتى والتأمل الفلسفى والدراسة النقدية والقصيدة الشعرية أو اليوميات المباشرة أو التعليق على الأحداث، وبين هذه الفصول يستحضر وجوها ناصعة لا تغيب رغم الرحيل الجسدى، "أمل دنقل الذى دفع بالعبارة الشعرية العربية ذات الهاجس التاريخى والميثولوجى إلى مشارف جديدة ولم تغره تلك التهويمات اللفظية التى أخذت فى الانتشار والتى تتوسل الإدهاش البرانى وما يحتويه من فقر روحى ودلالى" و على قنديل وديوانه الوحيد "كائنات على قنديل الطالعة"، حيث كل صورة كل جملة شعرية تفيض بدلالات مناخ المعاناة المخصبة بذلك الحلم الذى يتجول وحيدا فوق تراب النيزك ويتحد أخيرا بالنهاية المؤلمة، وحلمى سالم "القادر على سرد الحكايات بصورة أكثر إدهاشا ونضارة ومرحا والذى يحيل أكثر المشاهد مأساوية إلى ضحك ولكنه ضحك كالبكاء" وغالب هلسا الذى يلتحم الشخصى الحلمى الهلوسى فى رواياته بالتاريخ والواقع الموضوعى على نحو معمارى وأروى صالح التى تشرق بين سطور قصيدة تحمل اسمها.

 

كتاب سيف الرحبى يستحق أن نقف أمام تنوعه وأفكاره وإحالاته فى حيز أكبر، نستقصى فيه المنافى التى تسكننا والأماكن التى نعود إليها كلما ابتعدنا والذاكرة التى تمتلكنا وتسيرنا نحو غايات لا نحيط بها.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة