خالد صلاح

محمد حبوشه

على حافة "الجولان الشهيدة" يشدنى الحنين!

الجمعة، 29 مارس 2019 08:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
"أرجو من كل قلبى أن يتمكن كل العرب، بل سكان العالم من زيارة هذه المدينة الشهيدة، ليروا بأم أعينهم كيف يحقد الإسرائيليون على الحجارة العربية، وعلى البقاء العربى، وعلى الأشجار العربية•• إنهم أعداء الحضارة بكل معنى الكلمة".. ظلت تلك الكلمات تطارد رأسى منذ اللحظة التى غادرت فيها السيارة التى تقل وفدنا الصحفى المصرى المكون من أربعة فقط "عبد الوهاب مطاوع - مصطفى بكرى - إحسان بكر - والعبد لله" من فندق الشام فى قلب العاصمة السورية دمشق حتى حدود القنيطرة، التى كتب فيها هذه الكلمات العماد "مصطفى طلاس" وزير الدفاع السورى، فى صدر كتاب بعنوان "القنيطرة•• المدينة الشهيدة".
 
كان الخيال الصحفى يتلاعب بالصور والمشاهد التى جرت على أرض هذا الجزء من الوطن العربى الكبير طوال رحلة الذهاب، لكن المشاهد الحية التى تجسد آثار الدمار والخراب الذى حل بتلك المنطقة كانت أكبر وأصدق وأعمق بكثير من أى خيال حتى لو كان لشاعر أو روائى احترف الكتابة منذ سنين.
 
فى هذه الصفحة من التاريخ الممزوج بجغرافيا غاية فى الروعة والجمال، تدرك على الفور لماذا اختار "بنو صهيون" تلك المنطقة، التى تحتوى سفوح جبل الشيخ "حرمون" فى النصوص القديمة، الذى هو جزء من جبال لبنان "الجبل الأبيض" المذكور فى النصوص الكنعانية والأكادية.
 
ونحن تعلمنا من التاريخ أن جبال لبنان لها دور مهم فى التاريخ القديم، أى منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، نظرا لثروتها الثمينة التى كانت مطمع ملوك العراق وفراعنة مصر آنذاك.
 
وليس الأمر هكذا فحسب، بل تلك الطبيعة الساحرة والوافرة بالخير، حيث "بحيرة طبرية" التى أقيمت حولها زراعات وصناعات كثيرة، تعد أكبر مطمع لأبناء الصهيونية فى هذا المكان من خارطة عالمنا العربى، وليس كما يدعون دوما بأن تلك المناطق ما هى إلا جبال وتخوم تمثل مناطق أمان لإمبراطوريتهم القائمة على السلب والنهب والاغتصاب لحقوق زعموا يوما ومازالوا بأنها أرض لأجداد لم تنس خطاهم يوما هذا التراب.
 
من بين تلك التخوم والتلال والجبال تسكن أوراق الزيتون والكرز والتفاح قصص وملاحم إنسانية تظللها أوراق الصنوبر، هنا يرقد شهيد ما زال جراحه نازفة، ترفرف حولها روحه لأنه أبى أن يغادر بيته ومزرعته، وهنا مدرسة ما زالت تطن فى بهوها وفنائها الفسيح أجراس تفصل بين الدرس والدرس، فى المكان تشتم رائحة المسك والعنبر التى هى بقايا لدم صبى لم تجف بعد، كأن دمائه انسكبت مع محبرة أقلامه، ولم تجففها شموس قد أشرقت منذ عام 1967 حتى الآن، ولم تسلم المساجد والمصاحف والكنائس بأجراسها العتيقة، والأشجار التى تحيطها فى مهابة من دنس الصهيونية.
 
لا يبدو منطقيا أبدا لزائر "المدينة الشهيدة" أن تكون تلك الآثار هى لإنسان يدافع عن الحضارة باعتباره ابنا شرعيا لها قدم من مناطق الصقيع الأوروبى، وليس ثمة علاقة لممارسات أصابت الأرض والزرع والبيوت التى مازالت تحتفظ ببعض زخرفها العربى الإسلامى والمسيحى كشاهد على إنسان عربى بناها بتؤدة، وضرب أروع الأمثلة فى صفاء النفس والروح، لكن الأيدى الغادرة والوحشية والهمجية والحقد الأعمى الإسرائيلى، قد حدا لخيالهم المريض أن ينتهكوا المحرمات فى المساجد والكنائس ويتغوطوا بها ثم يمسح قذارتهم بورق المصاحف والأناجيل.
 
أى عقل ذلك الذى يقبل بأن تكون هناك صلة بالأديان السماوية لأفعال هؤلاء البشر، لقد صنعت الصهيونية فى جولان سوريا لوحة تشكيلية بألوان داكنة تشهد وستظل شاهدا على ضمائرهم الخربة، إن من يدخل مقبرة ويعبث بالجثث ويقتلع الأسنان الذهبية ويسلها، لا يمكن أن يمت إلى الإنسانية والحضارة بصلة، إن أقل ما يمكن أن يطلق عليه أنه وحش فى صورة إنسان.
 
إنه لا بد أن يكون عدو الإنسانية اللئيم، ولصها الأثيم، إن من يجعل من المستشفى ميدانا للرمى على اختلاف أنواعه، ليس سوى إنسان تخلى باختياره عن كل ما يربطه بالإنسانية .. أليس كل الذى ذكرته مازال يحدث فوق تراب فلسطين بنفس الدقة؟، والغريب أن هناك أطرافا فى عالمنا ما زالت تتشدق بحق إسرائيلى فى العيش على هذا التراب؟
 
ما مضى من سطور هو بعض ما علق بذاكرتى الحية ليشدنى الحنين للوقوف على حافة الجولان الشهيدة قبل 15 عاما من آخر زيارة لها، وتحديدا فى 13 نوفمبر عام 2004 فى مناسبة احتفال سوريا بذكرى "الحركة التصحيحية الكبرى"، تحضرنى المشاهد ذاتها ونحن الآن كشاهد حى على فقدان الجولان إلى الأبد بمباركة أمريكية فجة، وهى التى على الرغم من غيابها عن الجسد السورى منذ عام 67 من القرن الماضى لا تزال هذه القطعة الذهبية من الأرض السورية تمثل عنوانا مركزيا فى الصراع مع الاحتلال الإسرائيلى. 
 
اليوم، يعود الجولان إلى الواجهة من جديد، لكنها تأتى على جناح السلب الكامل وانتزاعها بوحشية من جسد الأم سوريا فى ظل حالتها المتردية تلك من جانب الكيان الصهيونى، والذى أباد قبل 52 عاما الحجر والبشر فى هذا الجزء الغالى من ترابنا العربى، وللعلم إسرائيل أيها السادة كانت تخطط منذ اللحظة الأولى لاحتلال الجولان، بل كانت تريد منذ اللحظة الأولى إقامة حزام أمنى هناك فيما تبقى من الجولان، ولكن تعثر هذا الأمر فى البداية، وهو ما يؤكد أن الجولان ليس مجرد قطعة أرض محتلة منذ العام 1967، ولا معلمًا سياحيا للتزلج، أو نقطة رصد استراتيجيّة مشرفة على مساحات واسعة من سوريا.
 
الجولان يمثل الحد الفاصل بين معسكرين، وهو الخاصرة الرخوة التى سعت منها إسرائيل للتغلغل فى الداخل السورى عبر حلفائها فى الجماعات المسلحة، ورغم أن الجولان يشكل نحو واحدٍ فى المئة من مساحة سورية، إلا أنه يختزن أكثر من أربعة عشر فى المئة من المخزون المائى السورى، ويوفر رافدا يوازى ثلث مياه "بحيرة طبريا" المصدر الرئيسى للمياه فى إسرائيل.
 
كما يبدو واضحا فى المنظور الأمنى أن الجولان يمكن إسرائيل من رصد كل ما يحصل جنوب سورية من مراصدها المنتشرة من "جبل الشيخ" إلى الجنوب، إضافة إلى أن الموقع الجغرافى للجولان المحتل يعطى القوات الإسرائيليّة تمركزًا استراتيجيًا على بعدٍ لا يتجاوز خمسين كيلومترا من العاصمة دمشق، وهذا هو الهدف الأسمى من طمس هوية الجولان وضمها للكيان الصهيون فى ظل حالة التراجع العربى وانشغال معظم دوله بقضاياها الداخلية.
 
والواضح أن قضية الجولان عادت إلى الواجهة مع تفجر الأزمة السورية، ومن ثم أدى ذلك اتساع رقعة الخروقات الإسرائيلية من هذه المنطقة، وتصاعد خشية تل أبيب من انطلاق أعمال مقاومةٍ فى هذا المحور حتى بات الجولان بحق ساحة الصراع كى تقلب معادلات المنطقة، وربما غزى هذا الشعور التدخل الإسرائيلى غير المعلَن فى الأحداث السورية، والذى بقى مجهولا شكلا وتوقيتا ومضمونًا لكثيرين حتى إعلان ضم الجولان رسميا لإسرائيل قبل أيام، لكن المعلَن منه كان لا يخفى على أحد، فالتدخل أخذ بداية شكل مساعدةٍ إنسانية، واتسع ليشمل أشكالاً من التعاون العسكرى والأمنى واللوجستى كانت ساحته منطقة الجولان السورى على طرفى الحدود.
 
وزير الأمن الإسرائيلى "موشى يعالون" كان شديد الوضوح والصراحة عندما أعلن فى مقابلة مع صحيفة هآرتس فى 15 أكتوبر 2014 أنه ليس سرًا أن الجماعات المسلحة تتمتع بمساعدة إنسانية بشرط ألا تسمح لمنظماتٍ متطرّفة بالوصول إلى الحدود مع الجولان المحتل، وربما كان "يعالون بن ديفيد" الذى يعد من أهم المحللين العسكريين فى القنوات الإسرائيلية، بل فى النخبة الإسرائيلية، قد قال وقتها بوضوح: ليست هناك خصومة أو عداء بين إسرائيل وبين جبهة النصرة.
 
يعالون أيضا قال فى أواخر أكتوبر 2014 بوضوحٍ فى صحيفة "هآرتس"، لم يعد سرا أن ميليشيات المعارضة السورية المعتدلة تستفيد من مساعداتنا، عودوا إلى هذه الصحيفة، حيث يقول بوضوح، لم يعد سرا أن ميليشيات المعارضة السورية المعتدلة تستفيد من مساعداتنا، إن إسرائيل تقدّم مساعدات لمن اعتبرها بأنها معارضة معتدلة، كى تحول دون وصول من سماهم المتطرفين إلى منطقة فصل القوات فى الجولان.
 
يبدو لنا أيضا فى ذات الإطار أن هناك تواطؤا بين إسرائيل وبين هذه الجماعات، الأمر الذى مهد لضم الجولان إلى إسرائيل بدعم عربى وإقليمى قبل إعلان ترامب المشئوم، لكن يبقى الموقف المصرى اللافت شوكة فى ظهر العدو الإسرائيلى وأمريكا فى ذات الوقت، فحسبما ذكرت "يديعوت أحرانوت": مصر تقف حجر عثرة فى ملف حل الدولتين، بل وأجبرت بعض الدول العربية على اتخاذ مواقفها، وكذا "يو إس إيه توداى": نحن لانتفهم استمرار معوناتنا لمصر وهى تقف أمام خططنا بل وتؤلب جميع الجيران العرب ولايعنينا ماجاء فى كامب ديفيد فقد فرغت من مضمونها والجيش المصرى بعتاده الثقيل وطائراته فى سيناء حتى الخط الأحمر..فلماذا المعونات؟، كل ذلك جاء كردة فعل لما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسى: الجولان سوريه والحقوق الفلسطينيه غير قابله للمساومة، كما أن كل الاراضى التى احتلت ١٩٦٧ اراضى عربيه محتله لا تفاوض فيها ولا استسلام.
 
ويبقى الهدف الأسمى للكيان الصهيونى بضم الجولان، إن 21 فى المائة من منتجات الكرمة الإسرائيلى تأتى من هذه المنطقة، و40 فى المئة من لحوم البقر، والتفاح الذى يغطى 30% من السوق المحلى الإسرائيلى، والكرز الذى يغطى 50%، والنبيذ الذى يغطى 21%، ويشكل 38% من صادرات النبيذ، ومن المهم التنويه بأن 20 % من هذا الإنتاج يصدر إلى 25 دولة منها الولايات المتحدة الأميركية وكندا واستراليا ،إلى جانب دول أخرى فى أوروبا وأفريقيا وشرق آسيا، والأهم من كل ذلك المياه المعدنية المعبئة التى تغطى 50%، من احتياجات الإسرائيليين.
 
كما تتمتع هضبة الجولان فى الأساس بأهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة لمن يسيطر عليها، إذ تسمح جغرافيته الفريدة وقممه المرتفعة بالإشراف على العاصمة دمشق شرقاً، وعلى سائر المدن وسط وغرب إسرائيل، كما تطل على مناطق فى الأردن ولبنان، ومن يسيطر عسكرياً على الهضبة يمكنه أن يطال أى مكان حتى بأبسط الأسلحة التقليدية، فضلا عن أن أنشطة التنقيب عن النفط الجارية من جانب شركات إسرائيلية وأمريكية فى المنطقة، تؤكد وجود ثروة نفطية هائلة فى هذه المنطقة.
 
"لم يعد الاكتفاء بالإدانة أو استصدار قرار من الجمعية العامة موقفاً ذا مصداقية فى نظر الرأى العام العربى، ولا فى نظر المجتمع السياسى العربى، بل أصبح مدعاة للسخرية".. تلك هى العبارة الصادقة الوحيدة التى قالها عمرو موسى فى 3 يناير الماضى، منوها بضم الجولان إلى إسرائيل وفق تصريحات معلنة لنينياهو آنذاك، لكننا لم ننتبه كعادتنا.
 
فقط اكتفينا بأن نردد: "يا الجولان ويا اللى ما تهون علينا.. ردادينك من إيد المحتل انطرنا"، وهى الأغنية السياسية شبه الوحيدة التى اشتهرت شعبياً فى سوريا وتتغنى بالجولان، ومع كل ذكرى استقلال كان السوريون يتقاطرون إلى موقع "عين التينة" ليلوحوا من هناك لأشقائهم الرافضين حتى اليوم للهوية الإسرائيلية، وليخاطبوهم عبر مكبرات الصوت: "مجدل شمس ويا عزتنا وأخبارك يا ما هزتنا.. ياللى ما رضيت الهوية إلا عربية سورية.. هذا كل ما بقى لنا أن نقدمه للجولان التى ضاعت فى غيبة العقل العربى.
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة