خالد صلاح

كريم عبد السلام

أزمنة الشعر 17 - مهاب نصر .. هل يمكن أن تكون الكلمات بديلا للعالم؟ وما العالم؟

الجمعة، 12 يوليه 2019 04:23 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

دائما ما أرى الشاعر مهاب نصر وهو يحمل حقيبة جلدية ثقيلة على كتفه ، وبنصف التفاتة ، يغادر "دولة الشعراء" ليقيم على أطرافها البعيدة معسكرا أو واحة أو مزرعة من الكلمات والصور والالتفاتات والمقولات الفلسفية ، مزرعة للوعى الجمالى والأفكار التى تنمو بحرية ، لتصنع سياجا لنفسها ، ولكن مهاب يتدخل دائما ويضع أحجارا حول المزرعة يمكنها الإضاءة فى الليل ، كما يحرص أن يصنع "ممراً" يصل بين معسكره أو مزرعته أو واحته وبين " دولة الشعراء" المكتظة بجماهير تتوقع دائما ما لا تجده ، وبفنانين هاربين من أدوارهم ، وبشخصيات روائية اكتست لحما ودما لكنها مازالت محشوة بالأوراق الصفراء والحروف المطبوعة بالحجر ، وبكلمات تتدفق بتلقائية من الأفواه ، كلمات تندفع منفصلة عن قائليها ، أو لنقل بصراحة " كلمات لقيطة"  ومقولات شائعة تسبح فى الهواء بعد أن تحول إلى بحيرة شفافة من الحيرة والغموض والأوهام

 

دائما ما أرى مهاب نصر ، مبتسما ، ليس من السعادة ، ولكنه فى منتصف الطريق بين الضحك لمواجهة مأزق وجوده وكر السنين دون إرادته أو إجابة عن سؤال الجدوى ، أو ردا على افتراض ، ماذا لو أننا غير موجودين حقا ، وأننا مجرد أوهام فى ذهن ما ؟ ماذا لو كنا مجرد ذكريات فى زمن متجمد على كوكب مات منذ ملايين السنين ؟ ، لكنه بدلا من ذلك ، يأخذ بأيدينا ، نحن ضيوف واحته أو معسكره أو مزرعته ليعرفنا على ما أنجزه خلال السنوات التى عمل فيها كشبح رائحا غاديا فى " الممر" بين دولة الشعراء وخلاصه الشخصى المتعين فى أعماله الشعرية الثلاثة " أن يسرق طائر عينيك -1997" ، " يا رب أعطنا كتابا لنقرأ- 2012" ، " لا توقظ الشعب يا حبيبى-2018"

 

عندما تدلف إلى معسكر مهاب نصر ، أو بمعنى آخر عندما تنصت جيدا إلى قصائده باحثا عن مجالاتها المعرفية والنفسية ، ترى كيف وضع تمثالا لـ"برديائيف" على الجانب الأيمن من المدخل ، وطالما وقعت عيناك علي هذا التمثال، فلا يمكنك الإفلات من تأثيره ، فهو تمثال حى يعيش بين السطور ويمكنه أن يتحرك ويوجه إليك الأسئلة ، مكتشفا تلك "الجراح الروحية" التى تسعى لأن تطمسها بأن تضع عليها طبقات من الكلمات والأصوات والصور ، لكن "برديائيف" لا يتوقف عن الشجار معك ولا يستسلم لمحاولتك إبعاده ، فما دمت قد لاحظت وجوده فلابد وأن تصلك أسئلته عن معنى وجودك أنت، عن تلك الدائرة الفوضوية التى تحيا فيها والغبار الذى تبتلعه راضيا ، وعن الخواء الرهيب الذى تظن أنك نجحت فى تجاوزه دون طرح أى أسئلة على نفسك ، ودون مراجعة التاريخ الحى لأيامك وكتاباتك ، من أنت وماذا تفعل وما قيمة ما تفعل وما معنى ما تفعل وماذا تريد مما تفعل ؟ وعندما يلاحظ "مهاب" احتدام الاشتباك يتدخل ويقرأ " يارب /أعطنا كتباً لنقرأ..كتباً برائحة الصمغ /وصفحاتها كالسكاكين /كتباً تسعل في وجوهنا بالغبار/لنعرف أن حياتنا مقبرة...../ لأننا كتب أيضا يا رب / تتطوح عمياء علي فراش الحب /آه... آه / لأننا محشورون في مكتبتك / ننظر إلي معجزاتك / ملائكة علي الحوائط/خاسرون يمزقون أوراق المضاربة /يأس أيادٍ تضرب / وأياد تنام مجروحة علي الصفحات نفسها- يا رب أعطنا كتابا لنقرأ"

 

تترك المدخل الأيمن وبرديائيف الذى يواصل طرح الأسئلة وبناء الجسور بين العدمية الخالصة والإيمان ، فترى راسكولينكوف خارجا من "الجريمة والعقاب" مضطربا تنتابه الحمى والهذيان محاولا تبرير جريمته بأن الشر موجود مثل الخير تماما وأنه كان يسعى لتحرير نفسه، و"ميشكين" وقد ترك رواية الأبله باحثا عن السعادة فى العالم الذى يمتلئ بالوحوش والأشباح ، و الأخوين إيفان وإليوشا من "الأخوة كارامازوف" ، حيث يقرأ إيفان الملحد قصيدة لأخيه إليوشا المؤمن قاصدا إصابته بأكبر قدر من الألم ، ما الذى يحدث ؟ وكيف تحضر هذه الأصوات بحمولة أفكارها وتصوراتها ؟ من استدعاها ؟ أم أننا بالفعل لم نغادر تلك الحقبة الزمنية التى شهدت إدراك الإنسان لخوائه وفقدانه لكل معنى ، فترة الحيرة العظيمة والبحث عن الوجود الإنسانى فى مسارات متعددة لكنها كلها تؤدى إلى التيه والضياع؟

 

كيف يعيدنا مهاب نصر عبر آلة الزمن المضمرة فى قصائده إلى هذا المشكل الوجودى الذى تصور المفكرون والنقاد أنهم تجاوزوه ما داموا قد قفزوا إلى الأمام بتصورات متعسفة عن العالم وتفكيكه والاستغراق فى بنياته الجزئية وتفاصيلها وعلاماتها وتأويل ما يصدر عنها من إشارات ؟ عندما تغرق فى تفاصيل جزئية ، وتركن إلى إنكار كل ما يحيط بك من مآزق وتنفى ما يواجهك من قبح وعنف ولا إنسانية ، فهل تحتفظ عندئذ بإنسانيتك ؟ ألا تكون مثل راسكولينكوف الحائر الباحث عن تحرره من أزمة الفقر بالقتل ، وبدلا من أن تقتل المرابية العجوز تقتل ذاتك نفسها وتقيم لها المآتم وتبكى عليها مستجديا تعاطف الآخرين؟ هل بذلت أى جهد فى سبيل استعادة روحك من نثار الفوضى والعدم والعشوائية واندفاع القطيع؟ هل ناضلت النضال الأسمى فى اتجاه تحرير ذاتك وحمايتها من الكليشيه ، من الكيتش؟ وماذا فعلت حتى تستخلص صوتك من اختلاط أصوات القعقعة والصراخ والضجيج والتفاهات الرائجة والنغمات المشاع ؟

"ويصرخ أحدهم: ما يحدث هناك؟ / مكاتب رؤساء مصفوفون علي هيئة "الأعمال الكاملة" / ثعابين ودببة / صلبان ومجلات حائط /قرف وخبز عفن / صوت مزلاج بعيد /لم فتحته يا رب؟ /ضائعون بأفكار علي عجلات / ضائعون في البيت وفي الشوارع/غير مرئيين لك و لا لأنفسنا / وحيدون أمام رؤسائنا الوحيدين أيضا/وحيدون مع صوت مزلاج بعيد / لم فتحته يا رب؟ - "قصيدة يارب أعطنا كتابا لنقرأ" 

" هل تصدقين؟ / لا أستطيع هنا أن أقول يدي وذراعي وفمي / كل هذا يُصنَع في الأسفل / يُصنع ويغلف بالكذب / هل تعتقدين أن باقة من الورد هي شيء حقيقي؟ /تعبير عن حب مثلا؟ / هل تفهمين أين الخدعة؟ / أن ما هو حقيقي مات في الكلمة /أن حبا هو لا شيء /حشو من الألوان والروائح – "قصيدة عن الطبيعة"

 " تعرفين كيف وجدتك؟ / مثلما تسقط على الأرض زهرة / الزهرة ليست أنت / ولا أنا بالطبع، /شيء يضطر الواحد الى الانحناء

/وبدلا من أن يكمل السير / يتوقف لحظة /ويتذكر حياته كلها- قصيدة انحناءة"

 

لا ينطلق مهاب نصر  فى كتابة القصيدة من دفقة شعورية تجذبه مثل موجة عملاقة وتقذف به على الشاطئ محملا بالأعشاب والأصداف، رغم أن التلقى المنصف لا يفتقد مشاعر الألم والمرارة بين عبارات القصائد ، وهو لا يتحرك لبناء مشهدية بصرية محكمة انطلاقا من تزاوج الفنون وهيمنة السينما على المتن الشعرى فى السنوات الأخيرة، وان كانت قصيدته لا تخلو من دراما ناتجة عن تعدد الشخوص والأصوات والخطابات ، وتعتمد على الانتقالات السريعة داخل النص من السرد إلى الحوار وتوجيه الخطاب ثم تعود إلى لغة تقريرية أو التساؤل أو إطلاق العبارة المركزية التى تستند إليها القصيدة ، كما لا ينطلق  "مهاب"  كذلك من السعى لإيجاد فرجة مسرحية رغم أن الحوار فى نصوصه أحد أعمدة الارتكاز الأساسية وكذا تعدد الشخوص أو اللجوء إلى المونولوج حيث القصيدة فرصة لمحاكمة الشاعر لذاته أو محاورتها أو الاعتراف لها ، مما يمكن أن ينسحب بالطبع على ذوات أو شخصيات أخرى تظهر وتختفى داخل النصوص

 

ومع ذلك يمكننا القول إن قصيدة مهاب نصر تنبنى وتتأسس على الفكرة اللامعة أو الشذرة الفلسفية أو الإشراقة المعرفية أو الملمح النقدى النافذ لمظاهر اجتماعية أو أدبية أو حتى ظواهر رائجة . نعم يمكن القول إن الفكرة أسبق فى قصيدة مهاب من التدفق العاطفى ، والجملة المفتاحية التى تتردد فى ذهن الشاعر ساعات أو أياما يمكن أن تكون مهادا صالحا لقصيدة ، هل يعود ذلك للتكوين الفكرى والنفسى للشاعر ؟ ربما ، وربما لأن رؤية الشاعر للعالم تقوم على حدوس نقدية جذرية ، لا تقبل بما هو رائج لأنه رائج ، وبما يحوز الإجماع لمجرد أن هناك إجماعا مرحليا بشأنه

فى قصيدة " عن الطبيعة" مثلا ، نقرأ  عبارة تقول : " ما هو حقيقى مات فى الكلمة" ، ومثل هذه العبارة المفتاحية الناصعة ، لابد وأنها أخذت ساعات لتنمو وتنضج فى ذهن الشاعر وفى خياله وتستدعى معها سيال من الصور والمشاهد والشخوص والمواقف الحياتية ، حتى أخذت الفراغات ما قبلها وما بعدها تكتسى باللحم والدم ويكتمل المخلوق الشعرى المعنون بـ " عن الطبيعة " ، وربما جاءت عفويا فى نقاش لكنها وحدها ما تبقى منه ليتحول إلى كائن مكتمل.

 

عبارات مثل " نعرف أن حياتنا مقبرة " أو "ضائعون بأفكار على عجلات"  أو " لأننا كُتبٌ أيضا يا رب" ، بقصيدة " يا رب أعطنا كتابا لنقرأ" ، هى أيضا المفاتيح التى مضى بها الشاعر فى أمسيات عديدة وهو يرددها أو يحملها على كتفيه ، أو يهرب منها  ليجدها تضغط على ذهنه فور استيقاظه من النوم ، أو تواجهه فى المرآة وهو يحلق ذقنه ، أو تفاجئه بينما يستعد للانهماك فى العمل اليومى، فلا يجد مفرا من إثباتها بمحيطها من العبارات المساعدة على ورقة ، كمن ينتزع ورما بما يحيط به من أنسجة حتى يتخفف من الشعور بالألم ، لكن هذه العبارات الناصعة أو مفاتيح القصيدة تتطلب وجودها المستقل وتكاملها بالمواقف والإحالات والالتفاتات السريعة والحوارات المفاجئة ، بما يعنى أن تتحقق فى النص المكتوب.

 

لم نغادر واحة مهاب نصر أو معسكره بعد ، فلا يسعنا مغادرتها دون المرور بالمقام الذى يتوسط الساحة ، مقام العارف هنرى ميشو ، هو أيضا اعتزالى يرعى وحدته وغرابته على تخوم المتن الشعرى الفرنسى فى القرن العشرين ، غرائبى مولع بإعادة قراءة وتفسير العالم من زاويته الفكرية والنفسية ، شاعر الانتقالات السريعة والفكرة اللامعة ، شاعر الخلط بين الخيال والواقع بدقة وتوازن لا يقدرهما غيره ، شاعر الحدس والإسرار العميق وأيضا شاعر الهروب من العالم إلى عالم داخلى يصنعه من مشاهدات وتأويلات وخيالات ومخاوف من سعادات عابرة وكوابيس مقيمة ، من هاجس الموت ، مع قدر كبير من السخرية ، التى تبتعد عن الفكاهة وتعكس رؤية مأساوية للعالم وعجزا مزمنا عن التكيف مع الوحوش والكائنات التى تدب على الأرض .

 

لدى مهاب نصر ، السخرية أيضا أكثر من كونها تكنيك كتابى ، بل هى طريقة فى النظر والتلقى ، ما يشبه الحدس باللاجدوى ، بعبثية الأوهام التى ننسجها باستمرار لنطرحها على أنفسنا فى صورة مسلمات ، لا نتوقف عن ترديدها وإعادة إنتاجها ، وهى أيضا منهج فى النقد متأصل لدى الشاعر سواء فى كتاباته الشعرية أو النثرية ، بها يحاكم العالم ويقتص منه ، ومن خلالها يعيد تبديل الأدوار والشخصيات ليخرج بالدلالة النهائية للمشاهد الرائجة من حولنا .

 

 

سخرية مرتبطة بالفانتازيا أحيانا وبالحياة الداخلية لفكرة ما فى ذهن الشاعر تنمو وتتمدد فى اتجاهات مختلفة كنبات اللبلاب تحت الشمس ، وفى هذا النوع من الفانتازيا الساخرة ، كما الأمر بالنسبة لهنرى ميشو ، ربما تكتفى القصيدة بغرابتها حتى تعكس الحالة النفسية التى عليها الشاعر ،أو بهذيانها الإيقاعى حتى تصل إلى نهاية أو مفترق طرق ، وفى أحيان أخرى تمنحنا مفتاحا مضيئا نلملم تحت ضوئه الخافت المرتعش نثاراتها المتوزعة ،وحضور عناصر الطبيعة والكون كأعضاء كأنداد للشاعر الذى يضفى على هذه العناصر صفات بشرية ويعاملها كما لو كانت أصدقاء قدامى أو خصوم محتملين ، يقول" مهاب نصر " فى قصيدة بعنوان " النوم" :   "جبل في هذه الغرفة/كنت أسميه النوم / فوق سنامه سيجارة مشتعلة /صديقي كان يراها من بلاد بعيدة جدا /جارتي كانت تسعل/الطبيب كان يضع سماعته على السفح / وفي جيبه يدس عينة من الصخور/ـ لم أعد أحلم/ كما لو في حلم/زرت بلدا يقظا/في الليل يطير الناس كفراشات مضيئة/ويغطون الجبل كله"

وفى قصيدة بعنوان " أمطار" ، يقول :لا علاقة لي بالأمطار/ وحين تتقدم  السماءَ غيمةٌ/أقول لأصدقائي:/لست أنا.. صدقوني/إنني أجفل حتى من قطرة/إن قطرتين منه يمكن أن تدمرا حياتي/أما ما يحدث الآن فهو الجنون بعينه./يسألني أحدهم/ماذا تريد الأمطار منا؟"

وفى القصيدة الرئيسية بديوان " لا توقظ الشعب يا حبيبى" والتى تحمل عنوان الديوان ، يؤسس مهاب خطابه على السخرية بما تتضمنه من تشويه ، عند تصديه لحادث جلل شغل كل المصريين وأعنى به الثورتين الأخيرتين ، يقول :

" الشعب نائم..لا توقظ الشعب يا حبيبي  / هكذا كانت تقول له /كلما طرقع أصابعه في الشرفة /كلما لمعت عيناه وراء باب / مثل كلمة السر /كلما انسحب بخفيه الى المطبخ /متأملا طاقم السكاكين /كلما اندس تحت مقعد / أو تكور حول نفسه مثل فتاحة العلب / كلما أراد التعبير / حاملا أفكاره على طبق /كلما أراد أن يضرط ..باحثا عن الاتجاه الصحيح، / عن الإيقاع الذي يبقيه متوازنا / بدون أن يجرح الشعور/ الشعب نائم يا حبيبي / هكذا كانت تقول له"

هكذا يمضى مهاب نصر فى إعادة النظر فى المسافات والإحداثيات والقيم والتصورات ، ليصور الأوضاع فى سنوات ما قبل الثورة ، تصويرا فريدا كأن البلد بيت من حجرة واحدة وكأن الشعب طفلا رضيعا يمكن أن يستيقظ لأقل حركة من السيد الحاكم الذى يستمر فى حكمه طالما الشعب نائم فى طفولته التعسة ، ومن ثم عليه أن يدير كافة شئون الحكم والبلد فى صمت تام وبدون أية جلبة ، لأن جلبة الحكام توقظ الشعوب وويل للحكام من مثل هذه اليقظة"

وفى القصيدة نفسها يقول:  " هو أيضا كان حريصا ألا يوقظ الشعب /أن يحتمل أحلامه / مثل رفسات طفل /أن يقلد لثغته كأبله /أن يحبو أمامه على أربع /ليحكي له قصة الخلق /نعم.. كان يحب الشعب /حتى انه كان يقسم لأصدقائه: لقد غير حياتي / وطبعا كانوا يؤيدونه تماما"

 

السخرية هنا بنائية ، ناتجة عن قدرة الشاعر على حرف العلاقات بين الحاكم والمحكومين فى بلاد العالم الثالث ليضعها فى إطار فكرى وتعبيرى جديد كما يفعل رسامو الكاريكاتير ، بمبالغاتهم وأفكارهم الناتجة عن تفسيرهم الخاص لجوهر العلاقات الإنسانية أو لدواخل الشخصيات التى يتصدون للتعبير عنها .

 

أخيرا ، لو أردنا أن ننسحب فجأة بهدوء من معسكر مهاب نصر أو واحته  ، لابد وأن نردد معه قصيدة دولة الشعراء ، التى تتأسس أيضا على  تلك السخرية العميقة الكاشفة لفساد العلاقات فى الواقع بل ولا معقوليتها، يقول : " في بلادي أرصفة خاصة بالشعراء/– صباح الخير/– صباح الخير/إنها حياة مثالية. أحيانا يتقدم طفل يجتاز الطريق بأعجوبة ويمسك بكم شاعر/خذوني معكم/ليس لدينا أطفال، لكننا آباء الجميع. الدولة تعرف ذلك. الموظفون أيضا الذين يقولون: دعوا الأطفال يشدوكم من أكمامكم./أحيانا نثور. هذا ضروري جدا، لأن هناك ظلم؛ ظلم مروع وكئيب، ونحن يجب أن نتحدث عن الظلم، عن الانسان والظلم، عن الدولة والظلم، عن الفقر، يا الله!، ولكن من خلال رموز. لا، أحيانا ندعس الرموز.. واضحين كالوسخ./أحيانا نخلع أحجار الرصيف، ونصنع صخبا هائلا. أحيانا نهدد. ماذا يعني الشعر، يا رب، إن لم يهدد؟! للأسف لا يفطن أبناء بلادي إلى هذا إنهم يهددون أيضا ولكن بطريقة أخرى./ نحن لا نفهمهم وهم أيضا لا يفهموننا. إنهم أبناؤنا في النهاية، لكنهم حمقى وماكرون وشعراء بطريقة تثير التقزز، شعراء متنكرون يجعلون من وجودنا أضحوكة، شعراء جبناء وانتهازيون، شعراء أفسدوا اللغة نهائيا حتى إن الدولة عاجزة عن مطاردتهم./ الدولة؟! الدولة أيضا شاعرة./ الموظفون أنفسهم شعراء متدربون. وثائق الحكومات ليست أكثر من استعارات."


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة