خالد صلاح

كريم عبد السلام

أزمنة الشعر 23.. ياسر عبد اللطيف و" قصائد العطلة الطويلة " .. جسر جمالى بين كفافيس ودون كيشوت

الإثنين، 29 يوليه 2019 07:04 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
منذ عرفته فى أوائل التسعينيات من القرن الماضى ، كان الشاعر ياسر عبد اللطيف  يبنى جسرا جماليا بين كفافيس وثرفانتيس وتحديدا مؤلفه الأشهر دون كيشوت باعتباره علامة ومنهجا فى التعامل مع العالم ،هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يحاول أن يصل هذا الجسر بالعالم المعيش فى حى المعادى الهادئ حيث تكونت ذاكرته وقضى طفولته وصباه ، ثم لم يعد الحى هادئا بفعل تحولات النزوح والعشوائية التى قلبت العمران فى الواقع المصرى مما جعل من الذاكرة القريبة للبعض عالما سحريا .
 
 كفافيس آلة زمن قادرة على الرؤية وعلى إزالة الحواجز بين ما كان وما يكون ، يمكن أن نكتشف معه إمكانية العود الأبدى للأحداث وكيف تتشكل الأماكن من انطباع ذكرياتنا عليها ، وتتناسل الشخصيات من وعينا بها وبحركتها ، كما يمنحنا ضوءا لنكتشف ما يمكن أن يوضع إلى جوار بعضه من قطع البازل المسماة بالتاريخ ، أما ثرفانتس فيمنحنا القدرة على السخرية المريرة من أنفسنا ومن العالم،وكأنه يحدد وظيفة جديدة للفلسفة ، بأنها تعيين الانتصار الإنسانى فى الاعتراف بالهزيمة.
 
كفافيس علمنا القدرة على أن تكون الكلمات مثل سطح بحيرة ، يبدو هادئا ساكنا محايدا فى المستوى الأول منه ، بينما يمور بتيارات عنيفة فى الأعماق ، حيث تتصارع كائنات تنتمى لحقب زمنية متفاوتة ، ولا تكشف عن نفسها إلا بالإنصات العميق واستعادة النص بالقراءة بعد القراءة ، وثربانتس أرشدنا إلى الدروس المستخلصة من محاولة تغيير العالم ، لنكتشف الأوهام المريحة التى نعتمدها عن أنفسنا وعن إرادتنا وقدرتنا على الفعل ، لننتهى إلى شرفة تطل على منظر طبيعى أو على شارع سكنى أو حتى على فراش الموت، نتأمل صيرورة الحياة والزمن وهو يمضى فى خطوط متعرجة ، وكلما حاولنا أن نمسك بلحظة منه تنفلت بين أيدينا وتبقى ذكراها فقط عالقة بأصابعنا.
 
ياسر عبد اللطيف يقف فى زاوية بمفرده على الأرض الرحبة لقصيدة النثر المصرية الحديثة ، قصائده منذ أول أعماله " ناس وأحجار -1995 " وما تلاها من قصائد ديوان "جولة ليلية- 2009" تشى بالكتابة داخل العزلة وبحمولة فلسفية كامنة تجعل نصوصه مختلفة عن المجموعات الأكثر قربا منه داخل الانفجار الشعرى الكبير لقصيدة النثر التسعينية ، فهو ابن أمين للتأمل والاستبطان وعدم التورط العاطفى والصوت الهامس والقصيدة التى تشبه تعقيبا على الحياة فى لحظة الموت ، هو المولع بدروس التاريخ وعبر الماضى ولعه بالأماكن والتفاصيل التى تخزنها الذاكرة لتستدعيها فى اللحظة المناسبة.
 
"قصائد العطلة الطويلة 1991- 2009" كتاب يجمع ديوانى ياسر عبد اللطيف " ناس وأحجار" و" جولة ليلية" بالإضافة إلى بعض القصائد المتفرقة ، وكأن الشاعر أراد بهذا الكتاب الصادر عن دار الكتب خان ، أن يلملم قصائد مرحلة القاهرة فى عمل واحد فيما يشبه فعل التذكر ، الذى يحرص عليه كثيرا فى مجمل أعماله ، قبل أن ينطلق ليرى العالم من مخبئه الجديد فى الشمال البارد لكندا ،ولا أدرى إذا كان استطاع كتابة الشعر فى مخبئه الكندى أم لا ، هو الأمين لقراءة تجاربه المعيشية بصرامة كاتب الحوليات ولكن بتصرف ، يسمح بدخول اللحظات والأماكن الشبيهة والعوالم الموازية من النافذة كما يستخدم التأويل المفرط لحركته الذاتية وما تتضمنه من مراجعة بدلا من الخيال المجنح .
 
"بداية أعلم أننى قد أبدو أخدعك /لكن ما العمل إذا وجب عليك إيجاد مصالحة مع الموجودات / فالعيون التى طليت بها الجدران سترقبك /على طريقة وخز الضمير / حينئذ لن تجد سوى الفرار-  من قصيدة " آخر زهرة ستشتعل بالنافذة".
 
الجلوس فى شرفة والنظر إلى العالم والزمن وهو ينثال كما فى لوحات سلفادور دالى ، يمكن أن يكون مدخلا لقراءة قصائد ياسر عبد اللطيف ، فالعين التى تشبه الكاميرا فى فيلم وثائقى والعلاقة الوثيقة بالمكان وتفاصيله ، والتشبث بالذاكرة على اعتبار أنها حدود العالم المعروف ووراءها بحر الظلمات ، والنظر للعالم باعتباره وهما أو على وشك التلاشى ، واللغة الوصفية الأمينة للمشهد دون أى تورط ظاهرى من الشاعر ، لا تعنى ألا يتدخل الشاعر بالإشارة أو صناعة المفارقة أو بناء سرد يقود إلى السخرية والابتسام المرير بدلا من استخلاص الحكمة النهائية وتعليبها فى عبارة أو مصكوكة ، وربما تمثل عبارة " المصالحة مع الموجودات " حمولة فلسفية من سنوات الدراسة والتخصص ، لكنها أيضا تمثل مفتاحا أساسيا لوعى الشاعر بالقصيدة وبحركته فى العالم .
 
كانت نائمة على سرير مقابل لسريري /على جانبها ورداء نومها ينحسر عن باطن ساقيها/ وقدميها اللتين لملاك أسمر /صارت المسافة بين السريرين/ كمسافة بين مدينتين يفصلهما نهر /الماء يصل لركبتيّ /وعرض النهر متران /وليسهل القدر إمكانات سخرياته مني جفف ماء النهر / وفرش أرضه ببساط صغير /وبالرغم من ذلك لم أستطع العبور/الآن أرى هيكل الجمال نائماً /وبيننا المسافة بين الواقعة وذكراها- قصيدة " التذكر علم... النسيان جهل"
 
فى الكتابة يتضح هذا التأمل لفعل التأمل نفسه الذى يحظى بقدر كبير من الأهمية فى قصائد ياسر عبد اللطيف ، وهو ما يربطه ربما بكفافيس كما يمنحه حرية الحركة والخفة ليتحرر من مرارة النوستالجيا أو العاطفة الجياشة فى استحضار ما كان و انقضى من أيام وأحداث ،أثرت فى نفسه وتركت ندوباً أو مظاهر للفرح .
 
وفى الكتابة أيضا يتضح لدى الشاعر هذا النزوع للمصالحة بين الحلم والواقع ، دون إضفاء الحقيقة على أى منهما ، بل التعامل مع وجودهما معا على قدم المساواة والقبول بما يجرى داخل كل منهما باعتباره واقعا أو  إمكانية مفتوحة ، فقد يضفى غلالة من الشك على وقائع وأحداث وتفاصيل معيشية أو يستكمل ما بدأه فى حلم ويستشهد به فى حلم ثان أو قصيدة ، وهذا الوعى يجعل القصيدة مفتوحة على نوع من الخيال الواقعى المغلف بروح تاريخية أو أسطورية حديثة وهو ما يمنح القصيدة امتدادها وفضاءها المختلف.
 
" اجتزت قبوين / بقرميدهما وأحجارهما../قدمي تتلمس في الظلام كل بلاطة تتعرفها /كي لا تزل، فأسقط في هاوية الأوحال../وفي الصحو كما في الحلم /السابعة صباحاً بشارع السيارات المُكفنة /أغطية كالحة من الدمّور والدَبَلان /تقي السيارات البردَ، وغبار الأيام- قصيدة شارع الموت المؤجل".
 
"لماذا لا آكل حزباً شيوعياً /أو مدينة بأكملها ولتكن دمشق  الشام /لماذا لا آكل شيئاً كقاعة سيد درويش التي بأكاديمية الفنون /لماذا لا آكل شيئا نسيته بأحد الأحلام /وبحثت عنه سدى في حلمي التالي- قصيدة جوع".
 
 
التناص أو الحوار مع النصوص الأخرى يتسع لدى ياسر عبد اللطيف ليشمل الأغانى والأساطير والمشاهد التلفزيونية والأفلام التى شكلت الذاكرة فضلا عن النصوص والأعمال الأدبية الأخرى ، وهو فى نصوص ياسر لا يأتى كحجر كريم يرصع السياق أو يزينه ، بل هو إحالة كاملة لعالم مواز ، ففى قصيدة العطلة مثلا ، يقول:
 
عجوز تنقل السكر من العلبة الى الكوب فى رحلة  الملعقة/ وعندما تتناثر بعض الحبيبات على الطاولة كاحتياط غذائى للنمل/سترتج الجدران لذلك الحدث/حينئذ ستعرف العجوز جيدا أنها ليست الينور ريجبى وأنها لن تخلد فى أغنية/ولن يقام لها تمثال فى أحد الميادين /تلك العجوز فكرة ظننت أنها ستنفخ فى من روحها/ فاستعارت لذلك منفاخ دراجة ولد الجيران/ الذى فر من المدرسة رمزا للتمرد/ أرايت خطورة تجسد الأفكار/ تعلم إذن أن بين هذا الركام تتوالد الهلاوس الكافية لصنع نبى- قصيدة العطلة.
 
التقاطع هنا ، مع الأغنية الشهيرة لفريق البيتلز الإنجليزى "إلينور ريجبى " والتى تحكى عن شخصية السيدة" إلينور" الفقيرة الوحيدة التى تجمع حبات الأرز الملقاة على العروسين فى الكنيسة ، وكيف تموت وحيدة فى الكنيسة ، وسط تساؤل أساسى فى الأغنية عن الناس الوحيدين من أين يأتون وكيف امتلأ العالم بهم وإلى من ينتمون ، وهو العالم الموازى لقصيدة ياسر ، جلبه بكل شحناته العاطفية والدلالية وكانته فى وجداننا ليضيئ به شخصية المرأة الوحيدة العجوز التى تصنع له الشاى فى لحظة ما ، وكيف أنها لن تكون بشهرة شخصية إلينور التى خلدها البيتلز فى أغنيتهم.
 
وفى قصيدة " أركيولوجى " ، محاولة لاستدعاء قصة موسى والمصرى المقتول ، عندما وكزه موسى وفر إلى أرض مدين حيث تزوج ابنة النبى شعيب ومكث هناك عشر سنين قبل أن يعود إلى مصر مرة أخرى ، يقول :
سأخرج الى الصحراء كهارب/وتحت شمس تذيب الجماجم / ستنصهر حياتى الماضية/فأرى مستقبلى كسراب /أو كفتاتين تردان الماء لأبيهما من بئر سوره من طين/سأحرسهما من خلف/وأرقب انعكاس الشمس الغاربة على حرير ثيابهما/الأزرق والنبيذى ، بقعتا لون فى بحر الرمال/فرجتان أسفل الثوبين فى حركة بندولية/ تنفرجان عن السيقان البدوية/ أبوهما الشيخ سيحادثنى فى الميتافيزيقا /فيزوجنى الصغيرة صاحبة القدمين الصغيرتين / وسرا أضاجع الأخرى – قصيدة أركيولوجى" .
 
لكنه فى القصيدة لا يعيد إنتاج النص المقدس أو الأسطورة بقدر ما يعيد ترتيب الأحداث ويتصرف فيها ويملأا فراغاتها بالنواقص ليضفى على الشخصيات مزيدا من الإنسانية والواقعية وكأنه بصدد صناعة صورة سينمائية بما تشتمل عله من أزياء وديكور وتفاصيل حياتية.
 
"وفي المنطقة المظلمة من معرفتك بالمدينة /فيما وراء الشارع الذي خلت صغيراً أن العالم ينتهي بعده /إشارة مرور قديمة وشبح شرطي مسن على مفرق تجتازه /لأضواء ناعسة في ليل ندي /هناك... مسرح منوعات منسي /حيث الفقرات تُعرَض على خشبة ضيقة /اصطف المتفرجون في مدرجين على جانبيها /أنت متفرج وناشط بالكواليس /تراوح وجهة نظرك بين المكانين /من إشارات لحيوات صاخبة /ووعود بملذات مستدامة /إلى حيث السلامة أهون من الندم / الذي هو في خفة رغاوي البيرة- قصيدة جولة ليلية".
 
أيان ما ذهب ياسر عبد اللطيف يحمل شرفته معه وعينه التسجيلية وذاكرته التى تتدخل للربط بين مختلف الأزمنة وروح كيشوت التى بدل أن تواجه العالم تسعى إلى ترتيبه وإضاءة علاقاته لإثبات قوس الوهم العريض الذى نحيا داخله ، فهو يسعى من خلال المراجعة الذاتية أو الكتابة عموما إلى إنجاز هذا السلام الخاص الذى يقر فيه بأنه لا سلام على الأرض أو داخل النفس الإنسانية ، وعادة ما أتخيله يقضى الساعات محدقا فى نقطة من الفراغ حتى يتوصل إلى المعادلة التى تتحرك فيها النفس نحو امتلاك حدس ما أو اكتشاف الرابط الجوهرى بين سيدة هامشية صادفها بطرف عينه وبين بطلة أغنية لفريق البيتلز مثلا ، أو بين بيته القديم الذى غادره وواجهة دير للراهبات .

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة