خالد صلاح

محمد حبوشه

العلمين.. عراقة الماضى وقبلة صناعة المستقبل

الجمعة، 16 أغسطس 2019 03:44 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
من الواضح أن الدولة المصرية عازمة على تحويل مدينة "العلمين الجديدة" إلى مقصد للسياحة العالمية على غرار مدينتي "الغردقة وشرم الشيخ"، وهو الأمر الذى يجعلها مدينة جاذبة بقوة للاستثمار المحلى والعالمي، ولا سيما من جانب المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين خصوصا، والخليجيين عموما، لذا يواصل الرئيس عبدالفتاح السيسي، إصراره على تنفيذ التوجه الذي انتهجه منذ توليه الحكم قبل نحو 5 سنوات، وذلك بالتخلي عن المركزية في العاصمة، وذلك عبر أدائه صلاة عيد الأضحى، الأحد الماضي، بمدينة العلمين الجديدة "شمال البلاد" للمرة الأولى.
 
"السيسي" انتهى من صلاة عيد الأضحي وذهب إلى العمل مباشرة، حيث اطلع من خلال زيارته للعلمين على سير وتطور العمليات الإنشائية للمدينة وحجم الإنجاز الذي تم بمنتجع الماسة، بما فيها الأبراج السكنية والمول التجاري والمسجد ، فضلا عن أكبر فندق بالساحل الشمالي ومنطقة مارينا اليخوت، وقبلها  بأيام افتتح السيسي مجمعا ضخما للأسمدة الفوسفاتية بالعين السخنة، شرقي البلاد، وقال في كلمة على هامش الافتتاح: "إن استكمال مخطط إعادة بناء مصر الجاري تنفيذه حاليا في شتى المجالات، هو حائط الصد الأول لمحاولات جماعات العنف والإرهاب التي لا تسعى إلا للتخريب والتدمير".
 
ظنى أن الرئيس يرى أن "العلمين"، التي يطلق عليها "أيقونة البحر المتوسط"، أحد أبرز مشروعات المدن الكبرى التي تدشنها الحكومة المصرية في إطار سياسة توسع عمراني شامل، وهذا الأمر يشير إلى أن القيادة  السياسية المصرية تتبنى استراتيجية تعتمد على الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، وذلك بالتوجه نحو إنشاء المدن الجديدة، والتي هى بالتأكيد تساهم بشكل كبير في تغيير خريطة العمران في مصر، وأظهار الوجه المشرق لمصر أمام العالم، ويبدو واضحا إن الحكومة المصرية في استرتيجيتها الطموحة تمتلك رؤية ثاقبة في وضع قطاع التشييد والبناء بوجه عام والقطاع العقاري بوجه خاص على قائمه أولوياتها،
فتوجه مصر نحو إنشاء المدن الجديدة كالعاصمة الإدارية والعلمين والجلالة والمنصورة الجديدة ساهم بشكل كبير في تغيير خريطة العمران في مصر.
 
واللافت للنظر أن ما تم تحقيقه حتى الآن في مصر وعلى مدار 5 أعوام في قطاع التشييد والبناء يعد إعجازا تنمويا بكل المقاييس، ما يؤكد لنا أن قرار القيادة السياسية في البدء نحو تنفيذ تلك المدن يعد خطوة جريئة واقتحاما غير مسبوق لمشكلة التكدس السكاني في مصر؛ حيث إن تلك المدن ستشكل منعطفا استراتيجيا مهما يسمح للشعب المصري بالسير قدما نحو تحقيق تطلعاته لحياة أفضل، وما يؤكد النظرة الثاقبة للقيادة السياسية المستقبلية بشأن هذه المدن الجديدة ، إن خلال اجتماع الحكومة الأول قبل أكثر من أسبوعين، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي : إن "العلمين" لن تكون موسمية خلال فصل الصيف فقط، بل ستشهد عقد اجتماعات أخرى في هذا المقر، في رسالة واضحة بأن المدينة مجهزة للحياة اليومية وليست للتصييف فقط".
 
وبفضل جهود الدولة المصرية في سعيها نحو صناعة مستقبل أفضل لأبناء مصر على كامل الخارطة فإن "العلمين الجديدة" ستتحول لقبلة الاستثمار السياحى والعقارى بالساحل الشمالى، خلال أعوام قليلة، وذلك لكونها المشروع الأكثر تميزا بالساحل الشمالى حاليا، ويعد جزءا من خطة تطوير الساحل الشمالى الغربى التى أعدتها وزارة الإسكان بالتعاون مع كبرى مكاتب التخطيط العمرانى المصرية والعالمية، حيث تعد الشكل النهائي لملامح المدينة حاليا على مساحة 50 ألف فدان، وتستهدف إنشاء 30 ألف غرفة فندقية وأول مجمع ترفيهي، فضلا عن شاطئ بطول 14 كيلومترا به ممشي سياحى متميز، بالإضافة إلى تمتعها بمناخ جيد طوال فصول العام وخاصة فصول الصيف.
 
والتاريخ بالتاريخ يذكر، خاصة إذا كانت العلمين تحظى بعراقة تاريخية، فهي بقعة ساحرة تتوسط الساحل الشمالي لمصر، أجبرت على الحرب مع الحلفاء، وخضبت رمالها بالدماء، وزرعت في باطن تربتها الألغام؛ إنها المدينة الوادعة التي كان أزيز الطائرات يقض مضاجع سكانها ذات يوم في أربعينيات القرن الماضي، وأفزعت أهلها القنابل المدمرة، وتسببت المعارك التي دارت رحاها تحيديا في عام 1942 في جرح ومقتل 80 ألف جندي على أرضها، لكنها الآن وبفضل رؤية القيادة السياسية المصرية الحكيمة باتت حلم راغبي الاستجمام والاستمتاع بالهدوء والطبيعة الساحرة، بعد أن أصبح للمدينة هيبة غريبة مشوبة بالغموض الأخاذ، تلك الهيبة التي ربما استمدت من هيبة الموت والمقابر المتراصة في وداعة وسكون بين جنباتها، وأفضل وصف لها هو الذي أطلقه الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد قائلا هى :"أرض قتل إلهية".
 
تبعد العلمين نحو 106 كيلومترات عن الإسكندرية، ورغم وعورة تضاريسها الملغمة يقصدها الملايين باعتبارها الوجهة المفضلة لقضاء الإجازة الصيفية والاستمتاع بالمنتجعات والقرى السياحية الممتدة على مئات الكيلومترات ما بين الإسكندرية ومرسى مطروح، وسنويا يزورها المحاربون القدماء أو أسرهم، من إنجلترا وفرنسا وكندا واليونان والهند وألمانيا وإيطاليا، للمشاركة في حفل التأبين السنوي لضحايا الحرب، حيث تودع أكاليل الزهور، وتطلق الأبواق العسكرية، وتقام الصلوات، وتقرأ الترانيم، ليتذكرو تلك الحرب رغم أنه لم تيبقى منهم سوى رفات أو مقابر لجنود اقتتلوا فيما بينهم، لكن جمعتهم أرض العلمين، وأصبحت مقابرهم مزارات سياحية تعطي العبرة بأن الحروب لا جدوى منها، وأن السلام خير وأبقى من الحرب.
 
تبقى "العلمين" عصية على الخضوع لعوامل الجغرافيا التي فرضتها الحروب على أرضها، فقد نفضت عن نفسها غبار الحرب العالمية وأهوالها منذ تسعينات القرن الماضي، وبدأت تنمو تدريجيا، وفق خطة جهاز تعمير الساحل الشمالي، وشيدت القرى والمنتجعات، وباتت نقطة ارتكاز السياحة الداخلية، لكن "العلمين الجديدة" على وجه الدقة تنشد الآن الرواج العالمي، خصوصاً في ظل وجود مطار العلمين، وقربها من محطة الضبعة النووية وعدد من شركات إنتاج وتكرير البترول، فضلاً عن أنها من أكثر المدن تأميناً، حيث تقع بالقرب من قاعدة "محمد نجيب العسكرية"، أكبر قاعدة عسكرية مصرية.
 
في أثناء زيارتي للعلمين قبل أسبوعين وبمروي على كافة مواقع المدينة الجديدة، وجدت العمال والشاحنات تجوب الصحراء وكأنها خلية نحل لا تهدأ، بل تصارع الزمن من أجل صناعة مستقبل هذه المنطقة من جديد لتتحول من مجرد صحراء جرداء لمناطق عامرة بالمنتجعات والفنادق الفخمة، وهو ما تمناه أهل العلمين الذين وجدوا الدولة المصرية أخيراً تهتم بتطوير مدينتهم، وخلق فرص عمل لهم، حيث يقطن نحو 11 ألف نسمة في مدينة العلمين القديمة، لكن ما يبعث حقاً على التأمل والدهشة في أثناء تجوالي في المدينة، هو أنه على الرغم من أن تلك البقعة في الصحراء الغربية المصرية تبعد عن المدن القديمة، كالقاهرة والإسكندرية، مئات الكيلومترات، فإنك أثناء التنقل عبر طريق الساحل الشمالي ستلمح آثارا لأعمدة ذات تيجان رومانية، تقع تحديدا ما بين "مارينا 3" و"مارينا 4"، مما يثير لديك تساؤل الملح: كيف وصل الرومان إلى هنا؟ ونحن نصل إليها بسيارات مكيفة ونعاني من عناء السفر؟.. تلك هى المعجزة.
 

عناء السفر؟.. تلك هى المعجزة.

بعد أن تستجم وتستمتع بأجواء العلمين الرائعة، حتى فى عز قيظ الصيف، فهناك كثير من المزارات السياحية والتاريخية التى توثق لمعركة العلمين، والتى كانت نقطة تحول لمصلحة قوات الحلفاء بقيادة الجنرال "مونتغمري"، على قوات المحور بقيادة ثعلب الصحراء "روميل"، وقد قمت بتلك الجولة عن طيب خاطر، ووجدت شغفى بها يزداد لحظة تلو الأخرى، والأسئلة التى تدور فى رأسى حول أسباب الحرب والاقتتال تكبر ثم تكبر حول من انتصر، وأنواع الأسلحة، فضلاً عما تثيره الملابس العسكرية الحقيقية والعتاد والصور من فضول لدى ولدى زائرى تلك الأماكن التاريخية العتيقة، خاصة الأطفال الذين تصحبهم الأسر فى تلك الرحلة كما شاهدت بعين رأسي.

حتما فإن مثل تلك الزيارات ستجعل لدى هؤلاء الأطفال تصورا مغايرا تماما لما سوف يقومون بدراسته فى كتب التاريخ، فمن المؤكد إنه سوف تتداعى صور ولقطات من ذاكرتهم وتتضافر مع ما سيشاهدونه من أفلام تسجيلية عن الحرب العالمية الثانية، سوف تمنحهم أعمارا إضافية لأعمارهم، عندما توقفوا بمزيد من التأمل لمبنى المقابر الحربية الألمانية الذى يشبه قلاع العصور الوسطى، حيث يرفرف عليها العلمين المصرى والألماني، وتتوسط المقبرة ما يشبه المسلة كنصب تذكاري، كتب عليها "هنا ينعم 4300 جندى بالراحة الأبدية"، كما سيرسخ فى ذهن هؤلاء الأطفال عبارة "كرس لمثوى 4600 جندى وبحار إيطالي... الصحراء والبحر لا يعيدان الـ3800 المفقودين"، فبهذه العبارة المؤثرة تستقبلك المقابر الإيطالية، وهى تقف كبرج أسطوانى ضخم أبيض اللون، وقد قام بتصميمها المهندس الإيطالى "باولو كاشيا دومينيوني"، وهو نبيل إيطالى شارك فى معركة العلمين، وقام بافتتاح المقابر رئيس وزراء إيطاليا "أمينتورى فانفاني" فى ‏9‏ يناير (كانون الثاني)‏ 1959‏‏، وتقع المقابر على مسافة 5 كم غرب العلمين، وتتميز بالفخامة وفن المعمار.

وتبقى "مقابر الكومنولث" هى أشهر المقابر وأكبرها بين مقابر العلمين، وهى التى تم تصوير عدد من الأعمال السينمائية العربية والأجنبية فيها، وقد قام بتصميمها النبيل البريطانى السير "هيبير ورثينجتون‏"، وافتتحها "برنارد مونتغمري" فى أكتوبر‏ 1954‏، مصطحباً معه عددا من جنوده وعددا كبيراً من المدنيين، وعلى جدران البوابة التذكارية نقشت أسماء 11945 من الجنود الذين لم يتم العثور على أشلائهم، وتضم المقابر رفات 7367 ضحية من (بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا وجنوب أفريقيا وفرنسا والهند وماليزيا)، والذين لم تزد أعمارهم آنذاك على 20 عاما، وقد شارك من الهند وحدها نحو 25 ألف جندى وضاب بحسب ماهو موجود فى السجلات.

انتهت زيارتى بالمتحف الحربى الذى يعد بمثابة بانوراما تاريخية للحرب العالمية الثانية، وهو يلقى الضوء على الدول الأربع الرئيسية (بريطانيا وألمانيا وإيطاليا ومصر) التى شاركت فى معركة العلمين، وتعرض مقتنيات المتحف فى عدة لغات، هي: العربية والإنجليزية والألمانية والإيطالية، فيما تضم حديقة المتحف عدداً من الدبابات والمدافع وغيرها من المركبات العسكرية، ويتضمن المتحف أيضاً مهبط طيران ومكتبة وقاعة فيديو، كما أنه فى حد ذاته يعتبر استراحة مفعمة بالمعلومات والتماثيل الشمعية للجنود فى حلة جديدة بتصميم متحفى منظم مقسم وفقاً للدول التى شاركت فى الحرب.

وفضلا عن كل ماسبق يضم المتحف الحربى بالعلمين الجزء الخاص بتاريخ مصر الحديث، وبه تأريخ لتاريخ الجيش المصرى منذ عهد محمد على باشا، ودور مصر فى الحرب العالمية وصولاً إلى حرب أكتوبر المجيدة، أما أكثر المعروضات التى تترك أثرا طيبا فى الوجدان، فهى عبارة عن مجموعة قصاصات وخطابات وصور ومقتنيات شخصية التقطت أثناء الحرب، وهى مهداة من أسر الجنود والقادة الذين شاركوا فى معركة العلمين؛ يوثق بعضها انطباعاتهم عنها، ومن فقدوهم من أصدقاء كانوا ضحايا لتلك الحرب الضروس التى وقعت على رمال العلمين.

اعتقد بأنه ما لايدع مجالا للشك فإن "العلمين" باعتبارها شاهدة على التاريخ سواء فى عصر الحروب وأوقات الحرب العالمية الثانية، أصبحت الآن شاهده على التاريخ الحى وصانعة للمستقبل القادم هنا على تلك الرمال المقدسة، ومن ثم يصبح ذلك زريعة قوية لتدشينها كى تكون أول مدينة من مدن الجيل الرابع تشهد اهتمام كبير من قبل القيادة السياسية، وعلى رأسها "الرئيس السيسى" أسوة بمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، بل أصبح تشيدها الآن أمرا واجبا من أجل الأجيال القادمة فى مصر الحب والسلام.

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة