خالد صلاح

محمد حبوشه

شبر مية .. "لايت كوميدي" قدم لنا متعة حقيقة

الجمعة، 10 يناير 2020 02:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

الخيال هو أول الخطوات التي نخطوها في مفهوم الإضحاك، وكثير من خبراء الدراما  يطلقون على هذا الخيال اسم "ماذا لو" إذ أن هاتين الكلمتين هما أهم ما تنطوي عليه القدرة الإبداعية في انتاج عمل فني لافت للانتباه، فضلا عن أنهما تشكلان أهم الحوافز التي يحتاج إليها كاتب الإضحاك كي يبدأ عمله، يقول (جورج سكايلابا George Scialabaa) إن الخيال هو الذكاء المشوب بالفكاهة والظرف"، وهنا يقصد خيال الكتابة للأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية خاصة منها الكوميدية أو "اللايت كوميدي" المصنوع بحس اجتماعي.

وكلما كان الخيال في موضوع المسلسل مختلفا وغير نمطي أومكرر كان جذابا للجمهور بصورة كبيرة، خاصة إذا كان يبعث على الضحك مطعما بحس اجتماعي، ذلك اللون الذي افتقدناه لفترة طويلة في الدراما المصرية، وهو ما يريد المشاهدين أن يروه في عمل فني مختلف بعيدا عن التيمات المكررة في السينما والدراما، ويمكن تحقيق ذلك وتعويضه في الدراما في ظل ما يعرض حاليا من مسلسلات في موسم الشتاء منذ مايقرب من 3 سنوات، لذلك يمكن أن نقدم موضوعات مختلفة وغير تقليدية تناقش قضايا اجتماعية مختلفة تهم الجمهور حتى لو كانت في قالب كوميدي خفيف، تماما كما هو موجود في مسلسل "شبر ميه".

ومن أجل تحقيق هذا الهدف يأتي مسلسل "شبر ميه" بطريقة سرد مختلفة تماما، حيث كان يتشاجر أبطال العمل منذ المشاهد الأولى بشكل كوميدي يحمل المفارقة والموقف الطريفة، وربما كان ذلك سببا جوهريا في تحقيق أكبر نسب مشاهدة، فلقد لجأ صناع المسلسلات إلى تحرير الدراما من القالب العائلي منذ سنوات، بعدما أصبح يشاهدها فئات مختلفة من الأعمار، وهو ما أدى بالضرورة لوجود نوعية جديدة من المسلسلات تعتمد على خلط الكوميدي مع الاجتماعي عبر حوار جذاب وأداء تمثيلي سلس، كما جاء في "شبر ميه" الذي لفت أنظار الجمهور من أول مشهد حتى النهاية، حتى أن الجمهور شعر وكأن الـ ( 45 حلقة ) مرت عليه كطيف ناعم عبر لحظات الضحك العفوي، وحتى التراجيديا التي غلفت كثير من الحلقات التي شهدت أزمة حرمان "أكرم" من ابنته "جميلة" بفضل تعنت الجد "نبيل".

والحقيقة أنني ومنذ البداية كنت منحازا إلى هذا العمل الدرامي البسيط في أهدافه ورسائله ، لأنه ببساطة نجح كمسلسل ينتمى إلى الـ "لايت كوميدي" في أن يمس مشاعرنا جميعا، ومن حلقة إلى أخرى كان يدفعنا كي نتعاطف مع موضوعه وشخصياته، وذلك وسط دراما العبث التي تقدم أحيانًا ويكون الهدف منها إبراز صورة البطل أو البطلة، فقد قفز بنا هذا العمل إلى مناطق أخرى، حيث لم يكن الخط التقليدي المتعارف عليه في الدراما بوجه عام هو المحرك الرئيسي للأحداث في سيرها الطبيعي، وما أعنيه هنا تيمة "الخير والشر" المستهلكة في غالبية المسلسلات التي تقدم حاليا، ومن سينتصر في نهاية الحلقات، أو حتى "الميلودراما" التي اعتدنا عليها في السينما، خاصة أفلام المبدع الكبير "حسن الإمام" على أهميتها في رصد كثير من الظواهر المجتمعية.

ولأن الفن التمثيلي هو جوهر هذا المسلسل وغيره من أعمال موسم الشتاء، حيث إنه يعد تجسيد كامل لواقع شخصية ما بأحاسيسها ومشاعرها وطبيعتها، بسلبياتها وإيجابياتها دونما إفراط ومبالغة أو تفريط وإجحاف في الحس والأداء، ولذا فإن عمل الممثل كفنان من أكثر الأعمال مشقة وأوفرها مجهودا فكريا وبدنيا بل وحتى نفسيا!، وهو ما تجلى واضحا عندما تم إسناد أداء شخصية "ياسين" لـ "أحمد صلاح السعدني" الذي أقول أنه "فنانا حقيقيا وليس متفننا"، فقد تجلت قدرته على تجسيد شخصية هى في رأيي من أصعب شخصيات المسلسل "ياسين"، ذلك الزوج الذي يظل طوال الأحداث في موضع الشك هل "زياد" أو "سمبة" ابنه أم لا؟، ومن هنا كان حديث البيوت المصرية بموهبته في أداء المشاعر المرتبكة في الدراما، علما بأنه ليس من السهل على أي ممثل أن يحتفظ بمعدلاتها طوال أحداث مسلسل من 45 حلقة، لكن "السعدني" نجح في أن يجعل المشاهد متجاوبا معه في هذه المشاعر، يشفق عليه تارة، ويلومه في مواقف أخرى.

بدأت ملامح شخصية "ياسين" بالظهور كنتوءات بسيطة في مخيلة "أحمد السعدني" ثم سرعان مالبثت أن تكبر شيئا فشيئا حتى تستبين الملامح وتتضح الرؤيا، لذا قام "السعدني" بكل ما أُوتي من قدرات إبداعية "وهنا تتجلى الموهبة" بالتجرد من شخصيته الحقيقية وارتداء شخصية أخرى ارتداء كاملا بتناغم وتجانس وانسيابية، فنسى أنه "أحمد" ولا يذكر إلا "ياسين" الذي هو بصدد تجسيده، فتتبدل نفسيته وتتغير طبيعته وتختلجه أحاسيس ومشاعر جديدة لرجل آخر "شخصية أخرى"، فانبثق منه ذلك الحس الفطري واقعا حيا، وخرجت منه الكلمات بأسلوب التلاعب بالألفاظ بحس كوميدي بسيط سهل صادق وطبيعي مؤثر دون تصنع أو تكلف، فأبدع وأدى أداء متقنا للشخصية في كل مراحلها وتحولاتها من حالات الاستهتار وعدم الاكتراث إلى حالة من الجدية في تحمل مسئولية الأب، مضافا إلى ذلك شحنة عاطفية بعد أن  أثبت تحليل الـ DNA  أن"زياد" ابنه، والذي أداه ببراعة الطفل "أدهم التهامي".

ربما تكون الصورة الجميلة التي قدمها المخرج المتميز "طارق رفعت"، كانت نابعة من أن من وضع الرؤية الدرامية للمسلسل هو المبدع "شريف بدر الدين" وشاركه في ورشة الكتابة أكثر من ستة أشخاص، لكن لأن المخرج أصبح في العصر الحديث حاملا للفكر والوعي والتصور للعمل الدرامي، لذا فإن هذا الأمر هو الذي ساهم إلى حد كبير في خلق هذه الحالة الدرامية، وتلك الروح الأسرية في كل خط من الخطوط الدرامية داخل السياق العام للمسلسل، ما جعل حفنة أخرى كبيرة من الممثلين قد برعوا في أداء أدوراهم، أذكر منهم من كان لافتا للانتباه على نحو جيد، سواء خط "أحمد السعدنى" الذي يخلط الجد بالهزل، أو ذلك الخط المعقد لـ "نجلاء بدر ومراد مكرم"، حيث تعاملا  ببساطة شديدة للغاية مع شخصيتي "نجوى وأنس" وبجدية كبيرة قدما دويتو درامي ثري جدا لهما.

بدت "نجلاء" في شخصية نجوى ممثلة ناضجة، متطورة على مستوى الشكل والمضمون، لتؤكد لنا أن فن الممثل أو التمثيل لم يعد يعتمد على الموهبة فقط، إنما هناك الارادة القوية للانسان الممثل، والتي ترتبط في عملية الابداع الفني وعمل الممثل نفسه ونشاطه الذي يعتمد على الجسد والحركة، بالإضافة إلى جهده والبحث عن ماهو أفضل من خلال عملية الاستعداد والإمكانات التي يتمتع بها والتي تتطور و تنمو عبر مفهوم التدريبات والتمارين المستمرة - للجسد - لاتقان الحركة وما يصاحبها من أفعال وردود أفعال سواء في حالاتها العصبية أو لحظات الانكسار والهزيمة التي منيت بها جراء زواجها من "جلال حرب" والتي من خلالها استطاعت أن تبهر المتفرج وتثير أسئلة كثيرة لديه.

أما "مراد مكرم" فقد تألق بشكل خاص في هذا المسلسل ليقدم لنا قدراته في التركيز والانتقال في الخيال إلى أماكن بعيدة ليتمم في ذلك عملية التواصل مع عوالمه الخارجية ويجسدها في الحركة والجسد والصوت وتقنياته الأخرى التي اكتسبها بالفطرة، أوربما بالدراسة والموهبة معا ليثبت أن الممثل الجيد هو ذلك الذي يستخدم جسده بشكل مقنع ورائع، ولابد له أيضا أن يكتشف ما هو مجهول من خلال الطبيعة الإنسانية التي يتمتع بها حتى ينمي حركته بشكل جيد، ما يصبح جسم الممثل في هذه الحالة عبارة عن تيار من الاندفاعات التي تتدفق بشكل ساحر، كما رأيناه في أداء "مكرم" الذي بدا متالقا بوصوله الى حالات الصدق والإحساس التي تحتوي على إنسانية تشعر بكل ماهو محسوس، ويتم ذلك عبر الدخول في الأعماق الداخلية لشخصية "أنس" وسبر أغوارها .

وشيئا من هذا القبيل نراه في خط المبدع "محمد أبو داوود" الزوج والجد القاسي وقد أداهما بحرفية شديدة، و"حنان سليمان" الزوجة والجدة الحنون التي انفرط من بين يديها عقد لم شمل أسرتها بوفاة ابنتها الكبرى وإدمان الصغرى، فضلا عن علاقة مضطربة بين الأب وزوج الكبرى الذي قدمه ببراعة "محمد علي رزق"، دون أي نوع من التكلف في إشارة واضحة من جانبه بأن التمثيل لديه يتسم بواقعية وطبيعية لسلوكية الانسان اليومية، وأيضا أظهر أن التقمص والاندماج والانتباه هى أدواته الأساسية التي استطاع من خلالها الدخول تحت جلد شخصية "أكرم" المقهور بفعل صلف وجبروت جد ابنته "نبيل" الذي حرمه من العيش معها.

ولقد برع المخرج في إدارة الصراع الدرامي من خلال الخطوط التابعة في أدوار "محمد جمعة" في شخصية "معتصم" صديق "ياسين"، والتي قدم من خلالها كوميديا رائعة بأسلوب تمثيلي مقنع للغاية، حيث برع في أن يعبر عن أوجاع وسعادة لا متناهية للبشر، وكذلك الحال مع "نهى عابدين وثراء جبيل، وندى موسى وإيناس كامل"، وكلهن برعن في أداء أدورهن على نحو يشهد لهن بالكفاءة، وكذلك المبدع إلى حد العذوبة "سامي مغاوري"، وحتى ضيوف الشرف "إنعام سالوسة، رجاء الجداوي ولطفي لبيب، وإسماعيل شرف"، ولقد كان "شرف" رائعا جدا في ظل اختفائه خلف قناع خاص، وهذا القناع هو الذي خلق صورة غير متوقعه لشخصية رجل الأعمال "جلال حرب"، مما خلف جوا حواريا بين ذات الممثل الساكن خلف القناع وأدائه الذي لعب فيه الكلام و"تون الصوت" دورا جوهريا مدعوماً بحركة الأيادي والإيماءات الدالة، هذا ما أكد صفة التلاحم بين الذات والأداء، ما جعل الممثل هو صانع الحدث وواهم الصورة بقوة الأثر، لذا نجد تمازجا واضحا جدا بين ذات الممثل وأدائه على نحو احترافي.

صحيح أن الغلبة كانت للطابع الكوميدي الارتجالي الذي اعتمد على أداء بعض الشخصيات، وهو مطلوب ولكن بحذر، خاصة في شخصية محمد جمعة "معتصم" وأمجد الحجار"بشير" ونجحا فيه إلى حد كبير، لكن بدت "نجلاء بدر" رغم دقتها في الأداء وكأنها في امتحان صعب أحيانا كثيرة، ولعل مشهد صفعها بالقلم على وجه ابنتها قد كشف هذه الصعوبة إلى حد ما، بعد مواجهة كاشفة لعيوبها كأم، أما أداء البقية الباقية من جانب كل من شارك في هذا العمل فقد منح المشاهد فرصة سانحة للاستمتاع بالأداء التمثيلي الهادئ، بعيدا عن دراما العبث المشحونة بمشاعرالغضب في كثير من المسلسلات الحالية.

ورغم أن المسلسل مأخوذ عن "فورمات أجنبية"، لكن ودون أية مباشرة وصلت رسالة واضحة للمشاهد، مفادها: أن "التماسك الأسري هو سر سعادة البيت المصري"، ولهذا فقد نجح كل أفراد فريق العمل في توصيل حالة إنسانية، من خلال تجارب أسرية هى موجودة بالضرورة في أي مجتمع، بل نلاحظها داخل أسر مصرية كثيرة، وقد جاءت موسيقى "تامر كروان" معبرة بصدق وواقعية ، بحيث أضفت سحرا على حلقات المسلسل طوال الـ 45 حلقة، ما جعلنا نستمتع بكل لحظة تمر علينا عبر كافة مشاهد "شبر ميه" الذي سجل نوعا من المتعة الحقيقية لجمهور يتوق إلى نوعية أعمال "اللايت كوميدي" بعيدا عن العنف والعشوائية.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة