خالد صلاح

ناهد صلاح

يا تبر سايـل بين شطيــن يـا حـلـو يـا أسمـــر

السبت، 10 أكتوبر 2020 04:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
كل الآذان في بلدنا تربت على صوت أم كلثوم، وأذناي كذلك تربت وتدربت على سماعها يومياً في الخامسة مساءً؛ حيث اعتادت أمي أن تجمعني مع شقيقاتي وأحياناً بنات خالاتي وأخوالي، نشرب الشاي ونأكل معه الكعك أو فطيرة الذرة في هذا المكان الهاديء المطل على شاطيء الترعة؛ فرع من فروع النيل يسري أمام منزلنا الريفي بقريتنا الصغيرة في دلتا النيل.
 
يقولون في التاريخ أن البلاد التي تبدأ بكلمة كوم لها أصل فرعوني وأن قدماء المصريون أطلقوا اسم (كوم) على العديد من مدنهم وقراهم الموروثة والمليئة بالحدائق وكروم الفواكه، وبالتالي فإن قريتي (كوم الأطرون) هي أرضنا الفرعونية الموروثة عن الأجداد، بل أنها أقدم من مركز ومدينة طوخ (البندر الذي تتبعه) والتي وردت في المعاجم باسم طوخ مجول واحتفظت بهذا الاسم حتى سنة 1808 م حتى عُرفت فيما بعد باسم طوخ الملق لوقوعها في وسط الأراضي الزراعية، يعني هي أرض زراعية بُنيت عليها مدينة اسمها الآن مركز طوخ، أما كوم الأطرون فهي كما المدينة الأم "أتريب"، عاصمة المقاطعة العاشرة في عصر الأسرة الرابعة وقد أسسها الفرعون سنفرو منذ أكثر من 4500 سنة، وتوافد عليها البطالمة والرومان والقبطي والإسلامي،" أتريب" هي" حت - حرى - إب " أو "قصر الإقليم الأوسط"، وكوم الأطرون تنتمي إلى أتريب ورمز أتريب هو الثور الأسود العظيم أحد أشكال الإله حورس ابن إيزيس وأوزوريس ومعبود أتريب المفضل، وأنا أنتمي إلى كوم الأطرون الابنة الوفية لأتريب وبالتالي فإنني بكل بساطة حفيدة إيزيس، المعادلة سهلة والمعطيات تؤدي إلى النتائج؛ الأسطورة تقول إن فيضان النيل مصدره دموع إيزيس، حين كانت تبكي حزناً علي موت زوجها، وعلى هَدْي هذا الكلام فإن شعار محافظة القليوبية (تقع شرق النيل عند رأس الدلتا) التي تنتمي إليها أتريب وكوم الأطرون: سنبلتان والقناطر وترس، يعني الزراعة ومياه النيل والصناعة، وهو الأمر الموروث عن أتريب القديمة مسقط رأس المهندس المبدع (أمنحتب بن حابو ) معجزة عصره في فن العمارة وفي حل المشكلات الفنية في الميكانيكا والرياضة والحساب التي كانت تواجه الفرعون، وقد تم تقديس هذا الرجل العظيم، وكانوا يحتفلون بعيد ميلاده سنويا ، وبالرغم من مسئولياته الضخمة في طيبة فإنه كان شديد الولاء لمسقط رأسه في مدينة أتريب في الشمال.
 
شجر الزنزلخت في مدخل قريتي كأنه يحرسها ويفيض مع رفاقه من أشجار الكافور والتوت بظل يلجأ إليه السائرون ويختبئون من لهيب الشمس المشاكسة في نهارات الصيف، بينما يستسلم الأحبة للقمر في الليل، شجر وهدهد وغراب وممر ترابي طويل بين الغيطان والزرع، ترعة هي فرع من النيل الكبير وبيوت معظمها متناسق في شكله الفقير، لم تكن أبداً كالصورة السياحية كما في فيلم "زينب" (1952) للمخرج الكبير محمد كريم أو حسب أغنية محمد عبدالوهاب الشهيرة التي كتبها بيرم التونسي: "محلاها عيشة الفلاح/ متهني القلب ومرتاح/ يتمرغ على أرض براح/ والغيمة الزرجا ستراه"، الصورة التي لا تُقدم تصورات حقيقية عن واقع الفلاحين بما يحمله من القسوة والإهمال وشظف العيش، لكن الصورتين: الخيالية في السينما والمعاشة في الواقع لم تنزعا النيل وترعته من القلب.
 
  كنت صغيرة جداً عندما سمعت لأول مرة أم كلثوم تغني أغنية "النيل" من كلمات أحمد شوقى وألحان رياض السنباطي:
 
من أي عهد في القرى تتدفق وبأي كف في المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم فجرت من عليا الجنان جداولا تترقرق
وبأي عين أم بأية مزنة أم أي طوفان تفيض وتفهق
وبأي نول أنت ناسج بردة للضفتين جديدها لا يخلق
 
  قصيدة تتبع مسار النيل وطريقه عبر البلاد والمدن والغابات من منابعه في إفريقيا حتى يصل إلى مصر، وتفيض بالكثير من الدلالات على مستوى الكلمة واللحن، كنت كما قلت أصغر من أن أدرك المعان ومقام الحجاز الذي ينتهجه اللحن، لكني شعرت في تلك اللحظة بقلبي يعتصر حنيناً لجغرافيا لا أعلمها ولتاريخ لم أكن قد وقفت على بابه حينذاك، ظل هذا الإحساس يشاكسني في كل مرة أستمع إلى أغان مماثلة بمزيد من الارتباط بنهر لم يقنعنا أحد بحبه، لكننا وجدناه نبضاً في دمنا وعصباً رئيسياً في وجداننا، ونردد وراء عبد الحليم حافظ وهو يغني شعر أحمد شوقي على إيقاع ألحان محمد عبد الوهاب :"حياة بلدنا يارب زيده"، كذلك أغنيته الشهيرة "يا حلو يا أسمر" في بداياته كلمات سمير محجوب وألحان محمد الموجى:
يا تبر سايـل بين شطيــن يـا حـلـو يـا أسمـــر
لولا سمارك جـوّا الـعيـن مــا كانــش نـوّر
يا حلو يا أسمـــر
الدنيا مـن بـعـدك مــرة يا ساقي وادينا الحيـاة
دا للـي يدوق طعمك مــرة بالمستحيل أبداً ينساك
يا نعمة من الخلاق يا نيل دي مـيتـك ترياق يا نيل
  يشتعل الخيال أكثر مع صوت عبد الوهاب نفسه حين يغني من ألحانه وكلمات محمود حسن إسماعيل:
مسافر زاده الخيال/ والسحر والعطر والظلال/ ظمآن والكأس في يديه/ والحب والفن والجمال
  هذه الأغاني علمتنا أيضاً أن نعيش ونقاوم، فتغني أم كلثوم نشيد الجامعة مثلاً من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي: يا شباب النيل/ يا عماد الجيل/ هذه مصر تناديكم فلبوا
دعوة الداعي إلي القصد النبيل..
 كما تغني نجاح سلام من كلمات محمود حسن اسماعيل وألحان رياض السنباطي:
أنا النيل مقبرة للغزاة أنا الشعب نارى تبيد الطغاة
أنا الموت فى كل شبر إذا عدوك يا مصر لاحت خطاه
يد الله فى يدنا أجمعين فصبوا الهلاك على المعتدين
قد رفعنا العلم للعلا والفدا في عنان السماء
  لعل هذه الأغاني إضافة إلى نشأتي على ضفاف ترعة هي واحدة من بنات النيل في قرية هي نتاج جغرافيته وتاريخه، كانت دافعي الخفي حين كتبت "محمد منير حدوتة مصرية"، كتابي الذي يحكي عن المطرب المصري الشهير؛ حيث كان لابد من التوغل في النوبة مسقط رأس محمد منير، على شاطئ نهر الحياة تحت الشمس الساطعة؛ في هذا الموطن الصغير، كان الصمت يواجه الريح، والسماء المفتوحة تسكب اللازورد على سطح النيل العفي، حيث وُلد من رحم هذه الطبيعة، وكما للنيل عاداته لقريته أيضاً طقوسها التي تصنع من الحزن إبداعاً وتحتفي بالحياة رغم صعوبة العيش. دينامية حياة استثنائية على أرض النوبة، رواق إفريقيا كما وصفها وليام آدامز أستاذ علم الإنسان في جامعة كنتاكي الأمريكية في كتابه الضخم" Nubia, Corridor to Africa" الذي حمل نفس العنوان ونال عنه عدة جوائز كأهم وأشمل كتاب عن تاريخ الممالك النوبية القديمة منذ نشأة الحضارة الإنسانية.
   حياة استثنائية على أرض النوبة، فهي مصقولة بنور الشمس، تأتيها الرياح من الجهات الأربع، وكل شيء هناك يكمل مهمته كما أرادت الطبيعة وكما يسرح الخيال، ووسط هذه الجغرافيا ولد محمد منير وتشكلت ملامحه وتنوعت تضارس تكوينه بين الشلالات القاسية والنهر الذي يتهادى في مجــراه، وأسراب من الطيور المهاجرة، وأشجار النخيل، والسواقي، والرمال الممتدة، وقوس قزح يلون السماء الرحبة بألوان الطيف، والأهم من هذا كله سيمفونية الصمت والهدوء إلا من موسيقى الطبيعة، والأغاني النوبية التي تنتمي للموسيقي الفرعونية والأفريقية بسلمها الخماسي ‏والآلات الموسيقية القديمة‏ مثل الكنارة الأصل الطبيعي لآلة السمسمية الحديثة، والطنبورة والهارب، والعاطفة الساخنة التي تشحن الأغاني بسحر الحياة، رددنا وراء منير "يا عروسة النيل يا حتة من السما"، وسمعناه يغني بشجن:
ولا بيوصل ولا بيتوه ولا بيرجع ولا بيغيب/ النيل سؤال ومازال ماجاش عليه الرد
   وكما حمل الخيال الشعبي قصصاً عن نداهة النيل وعرائسه، كان النيل أيضاً محوراً في أفلام سينمائية كثيرة منها: "ابن النيل" (1951)، "الناس والنيل" (1964)، "الأرض" (1970) ليوسف شاهين، "صراع في النيل" (1959) لعاطف سالم، "شيء من الخوف" (1969)، "النداهة" (1975) لحسين كمال، "عروس النيل" (1963) لفطين عبد الوهاب، كل فيلم ظهر فيه النيل بحضور مختلف يلائم القصة، هذا غير حضوره عابراً أو أساسياً في مئات الأفلام الأخرى، تعددت الأغاني إذن والأفلام والخيال الشعبي وتنوعت الحواديت تحتفي بالنيل وتكرسه شرياناً للحياة في مصر، والمصريون يلتفون حوله بمزيد من الحب والتحدي والصبر، فكما تناثرت الأساطير حول وفائهم للنيل وحكايات عروس النيل كدلالة وقربان؛ كان النيل هو الأب والمعلم والنور الذي على هديه عاشوا وتعلموا وزرعوا وحصدوا، حيث صنع إيقاعاً مميزاً للمصري الذي يكفيه أن يردد ما قاله الشاعر الفلسطيني محمود درويش: أنا ابن النيل وهذا  الاسم يكفيني.
 
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة