خالد صلاح

ناهد صلاح

فريد الأطرش.. كان أحلى همسة فاكرينها لسّـة زي النهار ده

الإثنين، 19 أكتوبر 2020 11:33 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
في مقابلته مع برنامج "نجوم ولقاء" على شاشة التليفزيون اللبناني، استفاض فريد الأطرش الذي تحتفل جوجول اليوم بذكرى ميلاده الـ 110، وراح يحكي عن الأفلام الاستعراضية وآلية صنعها والمجهود الكبير والتكاليف الباهظة التي تُكبدها لصانعيها، فقال:" الأفلام الاستعراضية عايزة مجهود كبير؛ موسيقي وغناء ورقصات وملابس وديكورات ومؤديين.. لازم كله يكون في إطار ناجح من إخراج وقصة ومؤديين، يعني الباليه اللي بيرقص؛ الفرقة الاستعراضية اللي بتؤدي لازم تكون جيدة؛ مدرب الرقص، الفيديت ستار أو البريمادونا يعني الفتاة الأولى والفتى الأول لازم يكونوا بيرقصوا حلو عشان يكون العمل متكامل، وأنا بكل تواضع ربنا وفقني وقدرت أقدم ده لأني لقيت اللي قدرت أكتشف فيها المواهب اللي ممكن تساعدني ونقدر نعمل مع بعض العمل الاستعراضي ده.. وهي سامية جمال..".
 
من خلال كلامه في هذه المقابلة التليفزيونية، نكتشف أن فريد الأطرش شخص يفيض بالجدية كلاعب يهتم بالتفاصيل ويحب لعبته دون أن يرتكن على هدف الربح فقط، يعبر الدروب الوعرة مستنداً على خلفية تاريخية صاغت روحه وشكلت وجدانه الدقيق الذي ينحسر فضاؤه عن وترين هما أساس حياته: الوجع وهو النسق الذي رسم مشواره الفني والإنساني، والعود؛ هذه الآلة الوترية الكُمَّثرية الشكل التي تتجمع أوتارها في مسارات متوازية كما مسارات الأمير ابن "آل الأطرش" إحدى أعرق عائلات جبل العرب فى جنوب سوريا، جبل الدروز أو جبل حوران؛ تلك الامتدادات الجبلية التي تمتد جغرافياً في محافظة السويداء وتاريخياً إلى الحضارات الرومانية والبيزنطية - اليونانية والنبطية، وفيها اشتدت الثورة العربية السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي على سوريا؛ فهربت والدته الدرزية اللبنانية الأصل والسورية الجنسية علياء المنذر به مع أشقائه إلى القاهرة من ملاحقة قوات الاحتلال الفرنسي التى استهدفت اعتقالهم لكسر شوكة والدهم المناضل فهد فرحان إسماعيل الأطرش شقيق سلطان الأطرش قائد ثورة جبل العرب ضد الغزو الفرنسي. 
 
  صنع فريد نجوميته بنفسه، معتمداً على موهبته وحدسه؛ لكن لا شيء يحدث هكذا بالمصادفة، فكان لوالدته تأثير في توجيه دفته نحو الموسيقى والغناء، كذلك كان لبيئته ونشأته الأولى وقع الصدى في تكوينه الفني والطابع الشرقي الذي روّض خياله بألوان عدة: مقامات وموشحات وطقاطيق وميجانا وعتابا ومواويل، جذوره التي وسعت له المدى ليستنطق إيقاعه الخاص ويبزغ على ألوان أخرى في الموسيقى الغربية: تانجو ورومبا وفالس، على أنغام الـ"تانجو" قدم أغنيته (بحب من غير أمل) كلمات يوسف بدروس : "بحب من غير أمل وقلبى راضى سعيد/  وإن طال عليه الأجل إنت الحبيب الوحيد"، حققت نجاحاً كبيراً عبر الإذاعة وكانت شرارة التنافس بينه وبين محمد عبد الوهاب، وإن لم تمس صداقتهما والود الذي أحاط علاقتهما حتى النهاية، كان إيقاع "تانجو" اللاتيني هو الموضة الموسيقية في الثلاثينيات من القرن العشرين، فالتجأت إليه السينما الغنائية في مصر وقدم عبد الوهاب "سهرت منه الليالى" في فيلم "دموع الحب" (1935)، ولفريد الأطرش تجربة كبيرة مع هذا اللون الموسيقي سبقت عمله بالسينما وترسخت في أفلامه فيما بعد مع إيقاعات غربية أخرى حيث تمكن من تطويع الآلات الغربية لخصوصية الموسيقي الشرقية.
 
      عمله في كازينو بديعة مصابني ربما كرس لديه فكرة المزج بين الشرقي والغربي ومنحه الخبرة في الموسيقى والتعامل مع الجمهور، ما ساعده إلى حد كبير حين عمل بالسينما ونقل إليها من الأوبريتات والاسكتشات الغنائية والإيقاعات الراقصة فيما عرف بالمدرسة التعبيرية التي  استحوذت على الشاشة الكبيرة عبر فنانين خرجوا من "صالة بديعة"، منهم: إبراهيم حمودة، محمد عبدالمطلب، محمود الشريف، محمد فوزي، عبد الغني السيد، عبد العزيز محمود، أما فريد الأطرش الذي كان يتم التعامل معه كعازف عود في أغلب الأحيان، فقد بدأ صعوده الأكبر بعد خروجه من صالة بديعة وجنوحه نحو السينما بموضوعات أفلام يكون البطل فيها هو سيد فرصته، كما في أول أفلامه هو وشقيقته أسمهان "إنتصار الشباب" (1941) إخراج أحمد بدرخان، حيث يأت الموسيقي الشاب وحيد مع شقيقته المطربة نادية من الشام بالقطار إلى القاهرة  للبحث عن فرصة لتقديم فنهما، تتصاعد الأحداث تتخللها قصة حب ومشاعر وأحلام أبطاله التي تصطدم بالواقع وعثرات عدة يصادفونها لكنها تتذلل بالإصرار. 
 
لم يكن فريد الأطرش يكترث سوى بما يتجلى بداخله، ومن هذه النقطة سارت حياته بدون خطة منظمة تطوّق دربه، وإنما وفق وتيرة متأرجحة بين حلمه في أن يطور فنه ويصنع مساحته الخاصة، وحسب الجانب المقامر في شخصيته  أحدث الأطرش بموسيقاه نقلة نوعية في أفلامه التي وصلت إلى 31 فيلماً، فمن "انتصار الشباب" إلى "أحلام الشباب" (1942) إخراج كمال سليم و"جمال ودلال" (1945) إخراج ستيفان روستي و"شهر العسل" (1945) وفيلم "ما اقدرش" (1946) إخراج أحمد بدرخان، أفلام لم تعتمده ممثلاً جيداً يعرف كيف يتعامل مع آلية التمثيل وحرفيته أمام الكاميرا، لكنها كانت فرصته ليترجل من خلالها في الساحة بألحان تنوعت بصوت تدرج بين الفرحة والتفاؤل والحزن والمرارة؛ المرارة التي لازمته طويلاً بعد خسارته شقيقته وشريكة أحلامه أسمهان في 14 يوليو 1944 إثر حادث إنقلاب سيارتها، لم يتغلب فريد بسهولة على هذه الخسارة حتى ساندته سامية جمال وصارت عنوان حياته الجديدة وبطلة فيلمه "حبيب العمر" (1947) إخراج هنري بركات، الفيلم الذي حقق نجاحاً منقطع النظير وقفز بسامية جمال إلى القمة، وعوّض فريد عن كل خسائره المادية السابقة حتى أصبح هذا النجاح هو مقياساً للأخرين، وترددت أغاني الفيلم "حبيب العمر" في الإذاعة يومياً، ومنها:  ياللا توكلنا على الله، أحبابنا يا عين (بيرم التونسي)، آنست، حبيب العمر (مأمون الشناوي)، يا زهرة في خيالى (صالح جودت) هذا اللحن الذي صار أشهر تانجو في الموسيقى العربية، كما اعتبر من أهم ١٧ تانجو في العالم، عزفته كبريات الفرق الأوركسترالية العالمية ومنها فرقة ( تانجو أورينتال) في الاتحاد  السوفييتي !! 
 
       كان نجاح فيلم "حبيب العمر" مغرياً، لذا عاود فريد الكرة وأنتج خمسة أفلام أخرى بمشاركة سامية جمال: أحبك أنت (1949) إخراج أحمد بدرخان، وفي نهاية نفس العام جاء فيلمهما الثالث عفريتة هانم (1949) إخراج هنري بركات، في العام اللاحق قدما آخر كدبة (1950) إخراج أحمد بدرخان ، ثم تعال سلم (1951) إخراج حلمي رفلة ، وآخرها ما تقولش لحد (1952) إخراج هنري بركات، في الأفلام الستة صنع فريد حالة فنية خاصة جددت في القالب الموسيقي الذي مزج فيه الغربي مع الشرقي وأدخل مع العود الأورج والجيتار، كما نقل الأوبريت من المسرح إلى السينما بطريقة استنزفت كل تأويلات التجديد ونالت حصتها الكبيرة من الدهشة والترحيب، كما استطاع عبر فن الأوبريت أن يلتقط لمحة من كل بلد عربي، محققاً وحدة النغم العربي في مواجهة وحدة سياسية في الواقع لا تحدث، نرى ذلك مثلاً في "بساط الريح" من فيلم "آخر كدبة"، كذلك في"غناء العرب" الذي قدمه بمشاركة صباح في فيلم "بلبل أفندي" (1948) إخراج حسين فوزي، لمحة أخرى عن الوحدة العربية ظهرت في أغنيته الثنائية مع شادية  "إحنا لها" في فيلم "ودعت حبك "( 1956) إخراج يوسف شاهين، على خلفية لوحة تجمعت فيها أعلام الدول العربية يرفعها أربعمائة جندي من الجـيش المصري، وحينما تحققت الوحدة بين مصر وسوريا في أول فبراير 1958، قدم أجمل أغاني الوحدة وأخلدها على الإطلاق: "م الموسكي لسوق الحميدية ـ 1958" و"حموي يا مشمش ـ 1959"، كتبهما مرسي جميل عزيز وغنتهما صباح ورددتهما الشعوب العربية المشتاقة في هذه المرحلة الحماسية في تاريخ العالم العربي.
 
       موضوعات الأوبريتات ليست وحدها حافز فريد الأطرش للعمل وإنما شكلها أيضاً، لم يمتثل لأشكال موجودة ؛ فقام بتوسيع مداها وغيّر في الصورة المتاحة  بـ "خلطة" الرقص المجمعة من شرقي وغربي التي قدمتها سامية جمال في استعراضات الأفلام، تماهى جسدها مع ألحان فريد وكانت كل حركة تؤديها هي ترجمة لنغماته وللتطور والتجديد الذي يصنعه في ألحانه، جسد تعامل مع العود والمقامات الموسيقية بعلاقة مُحب لا هارب من واقع مؤلم، كانت ترقص مثلما أرادها فريد أن تكون صدى لموسيقاه، رافقها في رقصها ذلك الإحساس بالمرح، إحساس مستل من الموسيقى التي بدت أنها نتاج وهج الحب، هذه الحالة انسحبت حتى على شكلهما، في كل الصور أو المشاهد التي جمعت بينهما، تجد لفريد نظرة حانية، تبدو مستلبة تجاهها، نظرة وافية وطيبة وغامضة في ذات الوقت يملؤها حزن وتأثر شديد، فيها الكثير من الرجاء الكاشف لهواجسه الشخصية، أما سامية فتبدو واثقة، حرة، حيناً تكون كالمستبصرة بحالتها ومتكيفة معها، وحيناً تحدق هي وابتسامتها في الفراغ.
 
  الفراغ الذي أربك فريد الأطرش بعد انفصاله عن سامية جمال وتناوبت عليه الهواجس أكثر جموحاً، حتى صار عناده أكثر شراسة وهو ما ساعده في مواصلة رحلته الجديدة التي التزمت بوتيرته القديمة في التأرجح بين الحلم والمقامرة، مشوار طويل ومكتتظ بالقصص والموسيقى حتى آخر أفلامه "نغم في حياتي" (1975) إخراج هنري بركات، تكرست فيه علاماته المضيئة على خارطة السينما، لم تدل عليه كممثل محترف ومتمكن من أدوات التمثيل وإنما كموسيقي صانع ومؤثر في تطوير الفيلم الغنائي العربي، وابتكار ما يمكن أن نسميه بالأغنية السينمائية، فمن ينسى على سبيل المثال أغنية "الربيع"  كلمات مأمون الشناوي التي قدمها في فيلم عفريتة هانم وصارت أيقونة موسيقية؛ ملحمة غنائية شرقية والعود بطل فيها يتوثب من دقة لأخرى في أقصى حالات الإمتاع دون رتابة أو ملل، أو أغنية "بنادي عليك" كلمات مأمون الشناوي في فيلم لحن الخلود (1952) إخراج هنري بركات، وإذا لم يتخذ طريقاً للسينما ما كانت تلونت الشاشة بإيقاعاته التي شكلت الوجدان ودربت القلب على أن الحياة فعلاً أجمل في السينما ونشعر بها من أول همسة، كما أغنيته الشهيرة :" وكان أحلى همسة لأحلى وردة فاكرها لسّـة زي النهار ده".
 

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة