خالد صلاح

عباس شومان

الإساءة للإسلام من التأييد السكوتى إلى الصريح

السبت، 07 نوفمبر 2020 11:32 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا أظن أن تكرار الإساءة إلى ديننا، من آنٍ إلى آخر، من قبيل الصدفة، أو الإبداع، أو حريَّة التعبير كما يبرر الفاعلون، ومن يقفون خلفهم ويدعمونهم، وإنَّما هى حملات ممنهجة فى سلسلة حملات تستهدفنا كمسلمين، بدليل أنها تتطور ولا تتكرر بنفس مستواها الأول الذى ظهرت به، وبدليل هذا الدعم السكوتى فى المراحل السابقة، حيث اكتفت الدول الكبرى، حامية الحريَّات، ومحركة الجيوش بزعم الدفاع عن حريَّات وأمن الشعوب، لتدمير بلاد المسلمين تذرعا بحجج واهية، وربَّما لأسباب مصطنعة لا أساس لها، أقول اكتفت بدور المتفرج دون أن تذكر شخصيَّة معتبرة كلمة منددة بأكبر الجرائم التى يمكن أن ترتكب فى حق دين وأتباعه.
 
 وسكوت هؤلاء يعنى الموافقة الضمنيَّة على استمرار الاستهزاء بديننا، والاستهانة بمشاعر أكثر من مليار ونصف المليار من أتباع هذا الدين، الذى لا يتوانى أتباعه من القادة والمؤسسات الدينيَّة والمفكرين عن الجهر بوجوب احترام كافَّة الأديان والإيمان بها، واحترام حق أتباعها فى اختيارها والسير على هديها «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»، و«فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، و«لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، ولم نتذرع نحن بالحريَّات مثلهم، فنغض الطرف عن الإساءة لهم، لأن ديننا الذى نتبعه يجعل سكوتنا معصية، ويوجب علينا النهى عن المنكر، وقد علمنا منه أن الإساءة لدين من الأديان كالإساءة لدين الإسلام.
 
 وليت الأمر اقتصر عند حد سكوت القيادات والمؤسسات والمنظمات الكبرى والصغرى فى الغرب على ما يوجه إلى ديننا ولرسوله ولعامة المسلمين، بل تطور وانتقل، على ما يبدو، إلى مرحلة من مراحل تطوره الممنهجة، وهى التأييد الصريح، وكان قائد هذه المرحلة من مراحل استفزاز المسلمين هو رئيس دولة طالما رفعت راية الحريَّات، وأوهمت الناس أن عاصمتها عاصمة النور، فإذا براياتها تسقط فى الهاوية، وإذا بأنوارها تنطفئ بضغطة زر من رئيسها، وليس من فرد أو جماعة متشددة، إن تكرار الإساءة بعد الإساءة من «ماكرون» لديننا واتهام المسلمين بالانعزاليَّة والانغلاق، ثم تأييده الواضح والصريح لمجلة «شارلى إيبدو» المجرمة، هى ومَنْ يقومون عليها، والتهديد بتكبير الصور المسيئة وتعليقها على الحوائط، لا يمكن لعاقل أن يُصَدِّقَ أنه غير مقصود، ولا أصدق شخصيَّا أنه فعله تطوعا من عند نفسه، ولا لمجرد دعاية سياسيَّة، وإنَّما هو انتقال من مرحلة الدعم الصامت للإساءة إلى الإسلام إلى مرحلة التأييد المعلن، بدليل أن بريطانيا سارعت إلى إعلان تضامنها مع فرنسا، حين طالب بعض أتباع الدين، المُعْتَدَى عليه، بمقاطعة البضائع والسلع الفرنسيَّة، ويتوقع أن تتوالى حركة التأييد العلنى بعد أن قص «ماكرون» شريط مرحلتها.
 
 ولا أستبعد أن يكون مقصود هذه الحملات، وتأييدها الصامت ثم الناطق، من قبيل استدراج المتحمسين من شباب المسلمين ليبادروا بممارسة بعض الجرائم الانتقاميَّة، كما حدث فى فرنسا بعد انطلاق المرحلة الأولى فى يناير 2015م، حيث قُتل العديد من الأشخاص فى الهجوم على مقر «شارلى إيبدو» بعد نشرها الرسوم المسيئة، وما حدث بعد تصريحات «ماكرون» من اعتداءات متبادلة بين مسلمين وغير مسلمين، ولعله لم يرق لهؤلاء مرور فترة طويلة لم نسمع فيها عن اعتداءات من مسلمين ضد غير مسلمين فى الغرب، والجهود المضنية التى تبذلها المؤسسات الإسلاميَّة، وفى مقدمتها الأزهر الشريف، فى دعم التعايش المشترك، ونبذ العنف بين أتباع الأديان، فهذا لا يصب فى مصلحة من يستهدفون ديننا ويحاولون دائما إظهار الإسلام بأنه دين دموى، وأتباعه مجموعة من القتلة المجرمين، وللأسف الشديد لا ينتبه كثير من المسلمين إلى هذه الخطط الممنهجة التى تُرسم لنا من قبلهم، فننطلق إلى تنفيذها من غير تفكير فى عواقبها.
 
 وأعتقد أن عمليَّات الطعن والقتل ستذهب بكثير من التأييد الذى أبداه البعض لتحركات المسلمين المستنكرة والمستهجنة لمواقف «ماكرون»، حيث أعلن بعض إخواننا من المسيحيين وقادة الكنائس، دعمهم وتأييدهم لما أعلنه شيخ الأزهر، رئيس مجلس حكماء المسلمين، من مقاضاة مجلة «شارلى إيبدو»، وكان الأولى العمل على تنمية هذا الدعم ليبقى «ماكرون» وأمثاله فى دائرة الجناة المنعزلين والمنبوذين وليس المجنى عليهم، لكن وقوع هذه الحوادث المؤسفة من طائشين مندفعين سيُلقى بطوق نجاة لهؤلاء الجناة، وسيجعلنا نحن فى دائرة الاتهام.
 
إن الإساءة لديننا من قبل المتهورين الذين يرتكبون جرائم ضد غير المسلمين، زاعمين الانتصار لدينهم ورد الإساءة، لهو أكبر بكثير من تأثير الإساءة التى وجهها هؤلاء لديننا، وإن صيحات التكبير التى رددها الطاعن والقاتل فى نيس، وظل يرددها حتى بعد القبض عليه، بمثابة السهام الموجهة لديننا وشريعته، وكان علينا أن نحافظ على التحضر، والرقى الذى هو سمة ديننا، ونحن نجابه هذا العدوان الغاشم على مقدساتنا، فنعلن بوضوح وجلاء رفضنا القاطع للمساس بمقدساتنا، وإدانتنا لمن يقفون خلفها، ويدعمونها من دون نظر إلى مواقعهم التى يشغلونها، أو دولهم التى ينتمون إليها، وأننا لن نقع فى فخ استدراجهم، وأن المسىء سنتعامل معه بتحضر، فنقبل اعتذاره إن اعتذر، أو نسلك مسالك سلميَّة موجعة نملك منها الكثير، ولعل الجميع لاحظ هذا الرعب الذى أصاب القيادات الفرنسيَّة لمجرد مطالبة البعض بمقاطعتهم التجاريَّة، فهؤلاء يؤمنون بمقولة: «عض قلبى ولا تعض رغيفى»، لكننا لا نحسن للأسف لا عض قلوبهم ولا أرغفتهم، بل نعض ديننا وقيَّمَه بما يرتكبه بعضنا من جرائم وتصرفات طائشة، من حقنا المناداة بالمقاطعة للبضائع الفرنسيَّة، وللدول التى تنضم إليها فى عدوانها على ديننا، ويبقى الأمر متروكا لقناعات الناس بجدوى المقاطعة دون فرضها عليهم، ومن حقنا تحريك دعاوى قضائيَّة، وإن كانت نتائجها متوقعة سلفا، لكن خسرانها لا يخلو من فائدة، وهو تأكيد وَهْمِ حريَّاتهم واختلال عدالتهم، ومن حقنا أن نطالب بتشريع يجرم الاعتداء على المسلمين ودينهم كما أعلن إمامنا الأكبر، مع علمنا بأن قانونا كهذا لن يصدر، ولو صدر فلن يطبق، ولكن بكل تأكيد سنربح بكشف تحيُّزهم وتعدد مكاييلهم، حيث يعاقبون من تلفظ بلفظ غير مقصود ضد يهودى أو مسيحى، بل وحتى ضد من لا يتبعون دينا من الأديان بتهمة الازدراء وانتهاك الحريَّات، ولقد رأيت فى دولة خوف الناس من النظر إلى الشواذ نظرة تحتمل ازدراء أفعال هؤلاء، وأخبرنى مرافقى من مواطنى هذه الدولة أن هذا الشاذ الذى يفعل فى عرض الشارع ما يصيب بالغثيان والقرف يستطيع أن يسجن أى شخص، فما عليه إلا أن يتهمه بأنه نظر إليه نظرة احتقار واشمئزاز! أما حق المسلمين فى تشريع يحمى دينهم من سفه السفهاء، فأعتقد أنه عند هؤلاء سيتعارض مع حريَّاتهم الشَّلَّاء، وساعتها نربح بسقوط ما بقى من الأقنعة الزائفة.
 
فلنكن كما أراد لنا ديننا، حكماء عقلاء، لا نرضى الدنيَّة فى ديننا، وفى الوقت ذاته، لا نُسْتَدْرَج، فيُؤْتَى ديننا من قبلنا بأفعال بعضنا. 
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة