أكرم القصاص

عباس شومان

اللغة العربيّة أمُّ الاجتهاد

الأحد، 27 ديسمبر 2020 08:17 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
من المعلوم أنَّ القرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول بلا خلاف بين العلماء، تليه السنَّة المشرفة فهى المصدر الثانى، ثم إجماع علماء الأمَّة، ثم القياس على ما ثبت من أحكام للمسائل المجمع عليها من العلماء، ثم بقية مصادر الاستدلال الأخرى التى تفاوت الفقهاء فى الأخذ به، ولما كان كتاب الله وسنة رسوله وكذا مصادر الاستدلال الأخرى بلفظ عربى، كان من الطبيعى أن تكون اللغة العربيّة شرطًا حتميًّا من الشروط التى تؤهل الفقيه للاجتهاد، فمن المعلوم أنَّ غير العارف للغة من اللغات لا يفهم عبارات تنطق أو تكتب بها، والفقيه هنا ليس مجرد مريد لفهم الآيات من كتاب الله، أو سنة رسوله الأمين، أو الأحكام التى أجمع عليها السابقون، إذ عمل المجتهد أبعد بكثير من مجرد فهم النص ومعرفة معناه، فالمجتهد يغوص فى النص وما وراءه مصطحبًا نصوصًا وقواعد وضوابط أخرى، فإذا ما عاد من أعماق غوصه عاد بجوهرة التقطها وهى الحكم الذى توصل إليه بعد هذا الاستغراق فى سبر أغوار النص، والفهم الدقيق لحروف النص وكلماته من حيث الإعراب والعلاقة بالمعنى من عدمه، والاستعمال عند أهل اللغة من حيث الترادف والتضاد، والحقيقة والمجاز، ودلالة النص من حيث القطعيَّة والظنيَّة، بل إنَّ المجتهد لا يتوقف عند ظاهر النص، بل بعد فهم ظاهره يلزمه معرفة مفهومه الموافق والمخالف، ولا يمكنه الوصول للمفهوم بنوعيه إلا بعد تيقنه من المعنى المستفاد من النص مباشرة، لذا كان من البدهى أن يكون المجتهد حاذقًا فى اللغة العربيَّة بكل مباحثها ومسائلها وطرق مدارسها النحويَّة والصرفيَّة، والبلاغيَّة، وليس مجرد قادر على فهمها، لذا كان من المنطقى اتفاق العلماء على اتقان المجتهد للغة الاستدلال بين الشروط التى يلزم أن يمتلكها المجتهد، بالإضافة إلى شروط أخرى كثيرة تحتاج إلى جهد غير عادى وعقل عبقرى لتحصيلها، كمعرفة آيات الأحكام فى كتاب الله، والقراءات المتعددة فهى مرتبطة بالأحكام حتى إنَّ بعض الفقهاء اعتبروا قراءة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ..}، بخفض (أرجلِكم) بمثابة الآية المستقلة التى تدل على مسح القدمين مع غسلهما التى أفادته قراءة فتحها عطفًا على الوجه المغسول، فقالوا: طهارة القدمين مسحًا وغسلًا، حيث كل قراءة منهما أفادت حكمًا فوجب الجمع بينهما، وهو ما لم يقل به جمهور الفقهاء القائلين: بأنَّ طهارة القدمين هى الغسل لا غير عطفًا على الوجه، كما يلزمه معرفة الناسخ والمنسوخ من آياته، حتى لايفتى بحكم منسوخ كتحريم الربا المتضاعف فقط الوارد فى قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} حيث إنَّ حكمها نسخ بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وأسباب النزول. 
 
ومن السنة تلزمه معرفة: أحاديث الأحكام ومباحث كثيرة متعلقة بها كتلك المتعلقة بكتاب الله، وكما يلزمه إتقان علوم القرآن يلزمه إتقان علم مصطلح الحديث بكل مباحثه، كما تلزمه معرفة المسائل التى أجمع السابقون على أحكامها حتى لا يفتى على خلافها أو يجتهد فيها، كما يلزمه إتقان علم أصول الفقه إذ هو المعنِى بالأدلة وكيفيّة الاستدلال، وهو علم يحتاج إلى عقل أكثر من راجح لإتقانه، وهذه الشروط التى تبدو فى ظاهرها قليلة، إلا أنَّ المتمعن فيها والواقف على تفاصيلها فى كتبها المتخصصة، يعلم أنَّ هذه الشروط قد يعجز واهب حياته للعلم المتفرغ له عن تحصيلها وإن تجاوز عمره المألوف من أعمار مَنْ يطلق عليهم لقب معمرين، وكفى أن تعلم أنَّ كثيرًا من نوابغ العلماء فى تاريخنا الإسلامى ممن نهرع إلى كتبهم للوقوف على فصل الخطاب فى مسألة شغلت أذهاننا على سبقهم وطول باعهم فى علوم شتى لم يكملوا تحصيل هذه الشروط المؤهلة إلى رتبة المجتهد المطلق «صاحب المذهب»، ومن هؤلاء الإمام النووى صاحب المؤلفات فى علوم كثيرة والتى قيل: إنها جُمِعت فقُسِّمت على سنى حياته القصيرة فكان نصيب كل يوم من أيام حياته ما يعادل ملزمة فى نظام الطباعة المعاصرة، هذا الإمام الجليل رتبته «مجتهد فى مذهب الإمام الشافعى»، وهى رتبة عظيمة ولكنها الثانية فى مراتب المجتهدين وليست الأولى، وقد كان النووى عالماً فى الحديث واللغات والأنساب والفقه، وغيرها من علوم يكفى المرؤ فخرًا وتيهًا لو أنَّه أتقن منها علمًا واحدًا قريبًا من إتقان هذا العالم الذى قلَّ أن يجود الزمان بمثله، وكفى أن تعلم أنَّ هذه الشروط على ما ذكره المحققون لم يمتلكها عالم بعد ابن جرير الطبرى، صاحب التفسير المعروف، وهو مع امتلاكه لها إلا أنَّ رتبته من المجتهدين فى المذهب التى تلى رتبة صاحب المذهب، حيث لم يضع لنفسه طريقة خاصة به كما صنع أئمة المذاهب، حيث كان يجتهد على طريقة إمام مذهبه الإمام الشافعى.
 
 وهنا يجب أن يتوقف هؤلاء الذين لا يحسنون القراءة الصحيحة ربَّما لآية أو حديث أو حتى بعض عبارات ما يكتبه أرباب اللغة نثرًا وليس شعرًا، ولا يعرفون الفاعل من المفعول به، ولا المبتدأ من الخبر، ولا عمل حروف الجر الإعرابى أو تعلقها بالمعنى المستفاد من اللفظ الذى التصقت به من عدمه، عليهم أن يعلموا أنَّهم ظلموا أنفسهم حين اقتحموا ميدان الاجتهاد ومنحوا أنفسهم سلطة إصدار الأحكام والفتاوى، اعتمادًا على عقولهم القاصرة عن إدراك الفارق بين القطعى والظنى، فضلًا عن إدراك الفارق بين الواجب والجائز مندوبًا أو مباحًا، أو بين المكروه والحرام، أو بين الحمل على الحقيقة أو المجاز، أو بين المكرِه بكسر الراء وبين المكرَه بفتحها، لكنهم يحسنون التطاول على أئمة الاجتهاد ومن تبعوهم بإحسان، والذين لولاهم لضللنا وإن حفظنا كتاب الله وسنة رسوله لافتقادنا لبقيَّة شروط الاجتهاد.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة