خالد صلاح

محمد حبوشه

ختم النمر".. دراما رومانسية بطابع صعيدى ناعم !

الجمعة، 20 مارس 2020 07:55 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

"تكلم هامسا عندما تتكلم عن الحب".. حقا لم يُخطئ "وليام شكسبير" فى تلك المقولة الشهيرة له، فالحب شعور راقى يبعث بداخلنا الأمل فى الحياة، ويقتل الإحساس بالوحدة، وهو هدية العالم لنا، ولذلك ليس غريبا أن نجد عددا كبيرا من الجمهور يعشق الدراما الرومانسية، ويبحث عنها من أجل العيش فى تلك القصص الخيالية، والهروب من مرارة الواقع، ولا شك أن فى حياة كل واحد منا لحظات رومانسية، لحظات يشعر فيها أنه ملك متوج على عرش الحياة، ويحس وقتها وكأنه طائر يحلق بجناحيه وسط سحب السعادة والحب وكل المعانى الجميلة، ولكن للأسف هذه اللحظات الجميلة أصبحت نادرة بحيث أصبحنا نحاول البحث عنها، فى محاولة للهرب من ضغوط الحياة العصرية.

وفى هذا السياق حرصت دراما الموسم الشتوى لهذا العام أن تركز على الجانب الرومانسى فى محاولة لاستعادة التوزان فى شكل حياتنا التى تتهددها كثير من المخاطر، ومن هنا جاء أحداث مسلسل "ختم النمر" فى شكل رومانسى شديد العذوبة بفضل أداء احترافى للنجم "أحمد صلاح حسني" فى أول بطولة مطلقة له، وخاصة أنه قد شاركته هذه البطولة النجمة العربية "نسرين طافش" التى أشعت كثيرا بطاقتها الإيجابية على أجواء المسلسل، خاصة أنه يشهد لها بالبراعة والتفوق فى هذا اللون من قبل فى مسلسلات "جلسات نسائية - فى ظروف غامضة - شوق" تحديدا، وغيرها من أعمال أخرى كان بها طيفا بسيطا من الرومانسية فى قالب كوميدى خفيف.

ويظل أجمل ما فى "ختم النمر" أن الكاميرا كانت تنطلق عبر المشاهد فى خفة ونعومة لتغوص فى استعراض مبهر للبيئة الأسوانية، لتعكس لنا جمال الطبيعة وروعة المناظر التى تختلط فيها مشاهد نهر النيل بالبيوت بطرزها وألوانها الزاهية البديعة لتقدم لنا كاميرا "أحمد سمير فرج" لوحات تشكيلية بديعة غاية فى الروعة والجمال مع لحظات صافية من الرومانسية ودفء المشاعر بين بطلى العمل "أحمد صلاح حسني" و"نسرين طافش".

وكأن لسان حال هذا المخرج المبدع يقول: "إذا كنت تبحث عن الهدوء، والسكون النابض بالأمن والأمان والمودة، وإذا كنت تسعى للتعرف على السحر المصرى، وأن تتذوّق الشغف العربى الإفريقى الأصيل.. فما لك سوى خيار، وهو الإقامة بمدينة أسوان عبر مشاهده الـ "كلوز آب" التى تركز على جمال الطبيعة الفاصلة بين المشاهد، وفى نهاية كل موقف درامي، فى بلاغة آسرة لعرض التضاريس الجميلة للنهر العظيم وهو يشق الجبال والصخور فى تحد وإصرار على البقاء ودفع المياه فى شرايين الحياة المصرية عبر الأزمة والقرون.

أما السيناريست محمد عبد المعطى فقد قدم لنا جوانب من المتعة والتشويق فى إطار الالتزام بمعايير الجودة للعمل الدرامى خلال الـ "30 حلقة" الأولى - قبل أن يجنح نحو الاضطراب فى الحلقات الـ 15 الأخيرة - ونجح بالفعل فى صنع لون من الدراما الرومانسية بطابع صعيدى ناعم، وسارت الأحداث فى البيئة الأسوانية بشكل بعيد عن النمطية فى تقديم أهل الجنوب الذين يتمتعون بنفوس راضية وصفاء روحى نادر، رغم ما يتعترى بعض المشاهد من صراعات عائلية تعود إلى أعمال محرمة قانوناً كالتنقيب على الآثار، وربما عمد "عبد المعطي" إلى خلق حالة من التشويق والمفاجآت فى كل حلقة لمناقشة قضايا عديدة تخلق حالة من التعايش والمتعة بهدف الوصول إلى أسباب تلك الخلافات والعمل على معالجتها بمنظور مختلف وغير تقليدى.

ولقد نجح المخرج "أحمد سمير فرج"، باعتباره صاحب القصة فى خلق نوع من الانسجام فى شكل العلاقات الرومانسية الذى يخدم القضية، ويؤكد على وجود الحب بصورة قوية وسط كل تلك الصراعات، ما جعل هذا المسلسل عملا دراميا بعيدا كل البعد عن النمطية لدراما الصعيد، ولقد فعلت الكاميرا فعلها حين أضفت نوعا من السحر على الكثير من مشاهده فى امتزاج الأضواء بمياه النيل، والسماء الصافية المرصّعة بالنجوم كفيلة بأن تسلب منك عقلك فى استعرض حى لأجمل المناطق السياحية والمنازل المقامة على الطراز الأسوانى، ليكون العمل انعكاساً لصورة مصر التى تتمتع بروح المحبة والسلام، ورصد ذلك الارتباط بين "عمر ومريم" بتيار عاطفى دافئ على غرار "روميو وجولييت" لإبراز علاقات غرامية شبه مستحيلة، ذات دلالة مغرقة فى المثالية الحالمة.

فعلا قدمت لنا كاميرا "فرج" الصعيد بشكل مختلف هذه المرة، وأكد فى الوقت ذاته على أنه أصبح جزء مهم لا يمكن تخصيص لون درامى له، خاصة بعد أن تطورت قضاياه شكلاً ومضمونا، وهو الأمر الذى انعكس بالضرورة على زيادة الإقبال السياحى على أسوان للاستمتاع بدفء المكان وتنوع عناصر الطبيعة المريحة للأعصاب، وذلك على شاكلة المسلسل التركى "نور" الذى كان له عظيم الأثر فى زيادة معدلات التدفق السياحى لتركيا، ما جعل الكثيرين يفكرون بجدية لاختيار "اسطنبول" لقضاء الإجازة بين الطبيعة الساحرة بالمطاعم التى كان يتردد عليها "نور" و"مهنَّد"، تماما كما يسعى رواد أسوان حاليا للاستماع بالأماكن التى تواجد فيها "عمر ومريم" طوال حلقات المسلسل.

وهذا بالطبع يقودنا إلى الكيمياء الخاصة التى تجمع بين الثنائيات فى المسلسل " أحمد صلاح حسنى ونسرين طافش، إسلام جمال وميرهان حسين، أمير صلاح وهدى الإتربي"، فصحيح أن الدراما فى السينما والتليفزيون امتلأت بوجود كثير من الشركاء "فنان وفنانة"، لكن عنصر الجذب ربما يكون من النادر حدوثه، كما جاء فى "ختم النمر" الذى أصبح له بصة مميزة فى تلك الثنائيات الرومانسية، وتلك معادلة مهمة، فالانبهار بوجود الثنائيات من الجماهير تصب فى مجملها لصالح تعلقهم وحبهم لكل فنان على حدة فقط، ويكون الحدث بتواجد الاثنين معا، هذا بالإضافة إلى تكرار وجود بعض النجوم معاً لأكثر من مرة يزيد من محبة المشاهد فى رؤيتهم معا فى مشاهد رومانسية تقرب المسافات فى سلاسة واضحة جمعت بين أداء كل نجمين معاً، بحيث لا تشعر بأن جاذبية أحد منهما متفوقة على الأخرى، بل الاثنان لهما طريقة فى خطف المشاهد وحرصه على متابعة العمل.

ولقد تميز الأداء الرومانسى لدى "أحمد صلاح حسني" بالهدوء وعدم الغلو فى تصوير العاطفة عن طريق الحركة الأكثر حرية، والإلقاء الأقل التزاما بالمنهجية من طريقى الحركة والإلقاء الكلاسيين، ويمكن اختزال أسلوب أداء "حسني" فى أنه كان دوما يبحث عن الدقة فى اختيار الأزياء المناسبة، حيث تعامل كممثل محترف مع أزياء تتناسب مع الشخصية بصيغ غير مبالغ فيها، واعتماد المعادل الموضوعى للذات الإنسانية ومعاناتها مع المؤثرات الدرامية التى تدعم تصوير معاناته فى البعد قسرا عن "مريم"، ولقد أعجبتنى جدا لحظات خضوعه لإضاءة خافتة فى بعض المشاهد كى تعزز العزلة والتفرد، لاسيما فى مشاهد المونودراما، وسط ديكور لا يخلو من الممازجة الواقعية والتخيلية الجمالية، وتلك براعة المخرج فى اختيار أماكن وزوايا التصوير، وضبط حركة ممثليه داخل الكادر، فضلا مؤثرات صوتية كانت تخدم الأداء الانفعالى لـ "عمر" وكشف دوافعه النفسية فى مراحل تحوله المختلفة حتى نهاية الحلقات.

إجمالا يمكننى القول بأن "أحمد صلاح حسني" نجح فى أول بطولة له بتقمص الشخصية فى بعدها النفسى والاجتماعي، ومحاولة محاكاتها على أرض الواقع وتجسيد ملامح وصفات تلك الشخصية، وهو الأمر الذى يعكس مقدرته على فهم الشخصية والدور الذى يلعبه وامتلاكه لطاقة خلاقة قادرة على تفهم الدور، ما جعله متمكنا وقادرا على التفاعل مع المتلقي، ليؤكد فى النهاية أنه رسول الاتصال والتواصل بين جماهير المشاهدين على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم، وهو أساس العملية التمثيلية بكل مقوماتها، ولابد أن يتصف الممثل هنا بصفة الموهبة والثقافة ، وهذا ما تمتع به بالفعل.

أما نجمة الأداء الساحر فى براعة واحتراف "نسرين طافش" فقد كانت طيفا جميلا، سليمة العقل والجسد، ومخارج حروفها غاية فى العذوبة، ولعل الأبرز فى أدائها أنها بدت للمشاهد ملمة بالعواطف والمواقف والدوافع الإنسانية، ما مكنها من القيام بدورها على نحو جيد، فضلا عن امتلاكها قدرة فائقة على التعبير، وأثبتت أنها ممثلة قادرة على الزج بنفسها فى مواقف خيالية لحجب جميع المؤثرات الخارجية عنها، موهمة نفسها بأنه لا تمثل بل تقوم بدور حقيقي، وحتى يتسنى له فعل ذلك لاحظت  تركيزها الجيد والاندماج الكامل، كما ظهر فى عينيها المعبرتان بشكل خرافي، والاستماع للممثلين الآخرين فى المسلسل والاستجابة لما يقولون بشكل جيد.

إن الممثل الجيد عادة ما يبنى فى نفسه عادة ملاحظة الآخرين، وتذكر طريقة تصرفهم فلو قبلت ممثلة دور سيدة عجوز كما فعلت "نسرين" مع شخصية "ست الحسن" فى مسلسل "مقامات العشق" - على سبيل المثال - حيث قامت بالتحضير للدور جزئياً بملاحظة كيف يمشى المسنون؟، وكيف يقفون؟، وكيف يجلسون؟، وبعدها تمكنت من تطبيق هذه الحركات لتتماشى مع الشخصية التى أدتها بعفوية مطلقة.

أما هنا فى "ختم النمر" فقد تعلمت التفاعل الجدى مع أناس مختلفون لنفس العواطف مثل "السعادة والحزن والخوف" بطرق متعددة، وطورت ذاكرة عاطفية تمكنها دائما من استرجاع الموقف الذى أوجد عندها رد فعل عاطفى مماثل لذلك الذى الموقف الذى تؤديه، غير أن هذه طريقة تمثيل معقدة، ولا يجب استخدامها إلا بعد أن يطور الممثل فهما شاملا وعميقا لها، ويتعلم الممثلون فهم الآخرين بفهم ذواتهم وقدراتهم العاطفية قدر المستطاع، إنهم يصورون الآخرين باستعمال معلوماتهم عن أنفسهم وتطوير نوع من التحكم بالاستجابة بعواطفهم .

وعلى مستوى الأداء الجيد لباقى فريق مسلسل "ختم النمر" فلابد لى من التوقف أمام القديرون: "رشدى الشامي، عفاف شعيب، جميل برسوم، تميم عبده، إبراهيم فرح" والذين نجحوا جميعا فى فى تحليلهم العميق لخصائص الشخصيات التى لعبوها على مستوى المظهر والوظيفة والمكانتين الاجتماعية والاقتصادية والسمات العامة، وكذلك طريقة مشى الشخصية وقامتها وإشاراتها ومميزاتها الجسمانية الخاصة، صحيح أن المخرج يعرض إطار حركة الشخصية العام، لكن يبقى أن الممثل هو المسؤول عن إخراج هذا النموذج التجريدى إلى حيز الوجود، وذلك بقدرته على فهم هدف كل دافع عاطفى وراء كل حركة تقوم بها الشخصية، وهو ما نجح فيه هؤلاء الخمسة الكبار فى أدائهم على نحو احترافى عكس جوهر العمل.

ولابد لى من الإشادة بكل من "ميرهان حسين"، فى دور "هنادي"، خاصة فى الحلقات الأخيرة، حيث اتسمت بهدوء الأداء، واستطاعت أن تعكس الانفعالات الداخلية لامرأة مهزومة بفعل تصرفات والدها الشرير، على العكس تماما من عصبيتها المفتعلة فى كثير من الأحيان فى النصف الأول من المسلسل، ويحسب حسن الأداء فى هذا المسلسل أيضا لـ"أمير صلاح" فى دور "فاروق"، الذى كان يعنى طوال الوقت  بالإحساس بالتناغم والترابط اللذين ينتجان عن جهد الممثلين التعاونى الشامل من جانب" هدير الإتربي، وحسنة سليم"، بحيث بدا لنا أن هناك عرض فردى مؤثر من جانبه منسجمًا تماما مع العروض الفردية الأخرى، وهنا يأتى دور المخرج "أحمد سمير فرج"، فضلا عن الموسيقى التصويرية الرائعة لـ "مصطفى الحلواني" ليتأتى الأداء الموحد عندما تأقلم كل ممثل مع حاجيات العمل ككل، ويكون فى نفس الوقت على بينة من طرق تمثيل زملائه الآخرين ومواطن ضعفهم وقوتهم، وتلك قدرة فائقة فى فهم وظيفة التمثيل.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة