خالد صلاح

محمد حبوشه

ليالينا 80 .. "نوستالجيا" اجتماعية تبعث على الشجن

الجمعة، 08 مايو 2020 12:05 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
يرى أرسطو بأن الدراما لا تقلد الناس ولكنها تقلد الحركة أو الحياة، وبحسب مفهومه : "تقلد سعادتهم وشقائهم وكل سعادة وكل شقاء لابد أن يتخذ صورة من صور الحركة، فالغاية التى من أجلها نعيش هى نوع من أنواع الحركة لا الدخول في صفة من الصفات، إن الشخصية المسرحية  - أو الدرامية -  تمثل لنا الصفات، ولكننا لا نسعد ولا نشقي إلا بالحركة، أي بالأعمال والأحداث، والشخصية تفهم من خلال الحركة وهي متضمنة فيها، والمأساة لا يمكن أن توجد دون حركة، أي أعمال وأحداث، فقد نستطيع أن نجمع أزهي مجموعة من أحسن الشخصيات، وأن نجعل هذه الشخصيات تتفوه بأرقي أنواع الكلام من حيث النطق والأداء فلا نظفر بمأساة، لابد في المأساة من حركة، أي لابد من حادث أو موضوع تلتف حوله سائر الحوادث لتبرزه وتؤكده".
 
بالتأكيد فإن جانبا من هذا المفهوم عند "أرسطو" ستجده ممثلا بشكل يتطابق مع الوقائع والأحداث في مسلسل "ليالينا "80 الذي يجنح نحو لون الدراما الاجتماعية فائقة الجودة على مستوى الحدث وتركيب الشخصيات وتطور الحركة والأداء، كما أن للمأساة أو الميلودراما وجودا حيويا في حياة تلك الشخصيات من خلال علاقة جديلة تتشكل رويدا رويدا مع الواقع الحياتي الذي يعيشونه، والذي يعبر بالضرورة عن مأساة حقيقية لكل واحد منهم في اشتباك حتمي وشبه يومي مع مجريات الأحداث التي تتطور بفعل درامي يميل أحيانا إلى لون الميلودراما، سواء كان ذلك الاشتباك مع بعضهم البعض أو مع محيطهم من الشخصيات الأخرى، من خلال حدوتة صنعها "أحمد عبد الفتاح" بحرفية عالية تلجأ إلى النوستالجيا في غالب الأحيان لتضفي نوعا من الشجن والحنين لفترة الثمانينات من القرن الماضي.
على جناح أحداث واقعية عاشها جيالنا الذي ولد في الستينيات، أمكننا تذكر كل ماهو جميل في ثمانينات القرن العشرين، بداية من التتر الذي جاء بصوت "وردة" قائلا: وتاهت بينا ليالينا .. وقولنا نرسي .. نرسي على مينا .. وتاهت بينا تاهت" ..وانطلاقا من تلك الحكمة الغنائية جاءت أحداث مسلسل "ليالينا 80"، في رؤية درامية لحالة المجتمع المصري الذي تاهت به السبل كثيرا، وربما تاهت أيضا الليالي تحت تأثير التجريف الممنهج لهويتنا الثقافية والاجتماعية منذ حقبة السبعينات، وربما لم يجد الموسيقار"هاني مهنى" الذي وضع الموسيقى التصويرية للمسلسل أفضل من موسيقى أغنية "ليالينا" الرائعة لحنا وكلمات لاستهلال تلك المرثية الفنية، في تتر يبدو في جوهره كموكب جنائزي لذكريات المصريين، ومن ثم فقد ساهم ذلك في تسلل تلك الحالة إلى مشاعرنا التواقة للدفء، محمولة على إيقاع لحن عبقري القرن العشرين في الموسيقى بليغ حمدي وكلمات سيد مرسي، كواحدة من أغاني فيلم "آه ياليل يازمن" بطولة وردة ورشدي أباظة في عام 1977.
 
لا شك أن تتر مسلسل "ليالينا 80" هو الأبرز في دراما رمضان هذا العام، في قدرته المدهشة على ترسيخ حالة "النوستالجيا" الدرامية، من خلال صياغة موسيقية لعمل مشحون بتلك الحالة، حتى أن الأغنية نفسها كانت واحدة من رسائل بليغ حمدي التي استخدمها في رثاء قصة حبه لوردة بعد انفصالهما عام 1979، ما أكد الحنين إلى تلك الأيام الخوالي، حيث تسيطر "النوستالجيا" دوما على أحداث الحلقات، فضلا عن ذلك فقد أظهرلنا المخرج "أحمد صالح" ملامح القاهره بجمال ملامحها ورونقها فى فترة الثمانينات من محلات وسط البلد الشهيرة والسيارات وموديلاتها وإعلانات الشوارع، وملامح المصريين السمر فى تلك الفترة، وملابس الممثلين والديكورات الخاصة بالمسلسل.
وتتوالي الأحداث في انسيابية رائعة بظهور "جلال أرسطو" الذي لعب دوره "خالد الصاوي" فى شوارع وسط البلد وجروبي بشكل مبهر، وهو يتلقي في ذهول غير مدرك لرجل يتأرجح بين اليقظة والحلم مفاجأة مذهلة من إحدى عمال كافية "جروبى" بمقتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات في أثناء العرض العسكري في ذكرى السادس من أكتوبر وسط أبنائه وجنوده من القوات المسلحة، كما شهدت الحلقة الأولى ظهور خاص للراحل الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، وهو يعلن عن وفاة الرئيس محمد أنور السادات على شاشات التليفزيون فى البيوت والمقاهى، ويؤكد في الوقت ذاته عدم توليه رئاسة الوزراء إلى جانب رئاسة الجمهورية في سابقة تعد مبشرة في بداية الجمهورية الثالثة في مصر.
 
يطل حادث اغتيال السادات وتولى مبارك الحكم، وبداية مرحلة الثمانينيات بزخمها السياسي، ليجذب قطاعا كبيرا من الجمهور من مواليد هذا الجيل، الذين مازالوا يمتلكون شرائط الكاسيت لـ "عبد الحليم، ووردة ونجاة وفايزة وأم كلثوم ومحمد منير ومحمد فؤاد وعلى الحجار وخوليو إجلاسيس وفريق الأبا"، وصور الخطيب حسن شحاتة وفاروق جعفر المعلقة على جدران ذلك الماضي العريق، والتي لا يستخدمونها حاليا، فى ظل انتشار أغاني الصخب والضجيج عبر مواقع الإنترنت والفلاشات، لكنها تظل جزءا أصيلا ومهما من موروثهم و"نوستالجيا" تثور من حين لآخر لنتذكر من خلالها "ليالينا" في تلك الأيام التي شهدت "بريد الجمعة" أشهر نافذة تصدرها أسبوعياً جريدة "الأهرام"، والتي كانت معينا لاينضب ومصدر إلهام لمؤلفى دراما رمضان، من خلال قراءة مشكلات القراء التى تعج بها الرسائل وهى تحمل في طياتها جزء من الواقع المعاش آنذاك، ويبدو أن المؤلف أحمد عبدالفتاح، قد استعان بـ "بريد الجمعة" كمصدر أساسى للحياة فى حقبة الثمانينات ليسرها لنا من خلال مسلسل "ليالينا 80".
وقد اعترف "عبدالفتاح" في إحدى تصريحاته مؤخرا بأنه استوحى بالفعل فكرة العمل من بريد الجمعة، الذى كان يحرّره الكاتب الصحفى الراحل عبدالوهاب مطاوع، حيث يقول : قرأت كل البريد بقصصه، وركزت على الحقيقية منها، حتى ضفرتها وقدمتها فى حالة واحدة، خاصة أن المشكلات التى أرسلها الجمهور حقيقية، وتوضّح صورة مصر من وقت بداية الأحداث فى الثمانينات، وقد استهل المسلسل فعلا أحداثه بعدد من المشاهد التى تنذر بدراما قوية وإنسانية متصاعدة مستمدة من الواقع المصري، من خلال عائلتين مختلفتان في المستوى الاجتماعي، تلتقيان مصادفة من خلال حادث سيارة يقودها ابن الأسرة الفقيرة "راضي" الذي لعب دوره "محمد عادل" الذى كان يقوم بتوصيل ابنة الأسرة فوق المتوسطة "جميلة" التي جسدتها "رنا رئيس"، حين تأخرت عن منزلها يوم حادث المنصة، وبينما كانت تحاول أن ترفع صوت الكاسيت على أغنية "منير" الجديدة يفقد "راضى" تركيزه، لينتهي الحادث الأليم بقطع ساق الابن، وفقدان الابنة لبصرها.
 
تتوالى الأحداث التى يطعمها المخرج أحمد عبد الفتاح، بأسلوب إخراجى يناسب أجواء الثمانينات وينجح الموسيقار "هاني مهنى" في وضع موسيقاه الشرقية في تواز غير مخل مع اختيار الألوان الداكنة والباهتة وتتابع متمهل فى بعض اللقطات، لتبدو لنا حركة الشوارع مشابهة إلى حد ما لما كانت عليه فى تلك الفترة، وتتداخل معها صراعات جانبية بين الأم "مريم" أو غادة عادل - وزوجها "هشام" أو إياد نصار- الذى عاد من الغربة فى زيارة سنوية لأسرته، ونلاحظ حالة الفتور من جانب زوجته وحثها المتزايد لأن يعود سريعا للغربة مرة أخرى، كى تمتلك سيارة وغيرها من رفاهيات الحياة التي تراها ضرورية من وجهة نظرها. 
 
وهنا لابد لي أن أتوقف بقدر من التأني عند الأداء الاحترافي لإياد نصار، الذي يحمل كثيرا من صفات الممثل الجيّد في أنه لا يظهر في أدائه كتمثيل أبدا، لذا فهو دوما يقنعك أن ما تشاهده هو حقيقة واقعة، ولطالما بكى الناس مع بكائه الحار في الشارع على فقدان بصر ابنته، ففى كل مشهد يجعلك كمشاهد تتقمص معه الشخصية سواء فى هدوئها ببعض الأحيان، وانفعالها فى أحيان أخرى، ونظرات عيناه التى يقدمها فى كل مشهد توصف الحالة المحيطة به دون أن ينطق كلمات الحوار، وهذا يعني أن ممثل يمتاز بقدرة أو موهبة درامية قوية ولكنها تقع خلف أستار من الرهبة مع ميل إلى الفكاهة والهزل وأحيانا من خلال ميل إلى الجد والصرامة.
 
وعلى جانب آخر تصارع "رقية" صابرين - الحياة بعد استشهاد زوجها وتعول أسرتها في صبر وجلد يظهر طريقة أداء تؤكد موهبة صابرين الاستثنائية في قلب خارطة رمضان 2020، على مستوى البطولات النسائية إجمالا، لتبرز لنا واحدة من صاحبات الأداء الصعبة في جرأة غير معهودة لدور الأم، وكأنها تؤكد على حقيقة مهمة قالها أحد النقاد العراقيين مفادها "إن أقدر الناس على التمثيل في العصر الحديث هم المصريون"، فحتى الناس العاديون في الشارع هم ممثلون بارعون، وهم يمتازون بتلك الخاصية التي لا غنى لأي ممثل عنها، وهى حب الكلام، وإتقان التعبير في المواقف المعبّر عنها كلاميا، أو عن طريق حركات وإيحاءات الجسد التي برعت فيها "صابرين".
 
هناك حساسية مرهفة نسميها الجاذبية، وهى خاصية تمتع بها "صاربين" من بين بعض الممثلين، وهذا يجلب الحضور للممثل والذي لا يساعده فحسب على إيصال أفكاره الإبداعية، بل يحرضه على العدوى للممثلين والجمهور في آن واحد، وهذا هو المعنى الذي قصده "تولستوي" عندما قال إن الفن نوع من العدوى، فالممثل ينقل اليك مشاعره سواء كانت صحيحة أو كاذبة فهو يخدعك ويكذب عليك، ويبكيك ولكنك تصفق له في النهاية.
 
لكن تبقى أهم شخصيات "ليالينا 80" هى "جلال أرسطو" التى قدمها باقتدار الفنان خالد الصاوى، حيث جسد ببراعة فائقة شخصية رجل تضاعف عمره حين توفيت زوجته - نورهان - فى حادث سيارة، فيصاب بفقدان ذاكرة جزئى، مصحوب بسمنة مفرطة - ربما لم يتعمدها جراء ظروفه الصحية الحالية في أثناء التصوير- شفاه الله وعافاه، لكنها خدمت الشخصية التي تميل إلى المكوث كثيرا في البيت، والحقيقة أن "خالد الصاوى تمتع بالجاذبية الطبيعية التي تجبر المشاهد على تصديقه في جده وهزله التراجيدي الباعث على الشجن، وفي أداء تمثيلي مرتجل، معتمدا على نوع من كوميديا الفارس المستوحاة من التراث الشعبي، وكذلك عروض الميلودراما والبانتومايم التي ساهمت إلى حد كبير في تقمصه لشخصية "جلال" على اختلافها مراحل حياتها، سواء في مواجهة قسوة معاملة المحيطين به أو في استدعاء زوجته الراحلة في لحظات صفائه أو تعرضه لمشكلة ما.
 
ومع كل تلك الشخصيات والأحداث الغارقة في الشأن الاجتماعي، نجد هناك تمسا واضحا مع الخط السياسى للمسلسل، والذى امتلأ بالميلودراما، وبشكل جعل الليالى التى انتظرناها ربما تاهت عن مسارها الذى توقعناه قليلا، لكنها في النهاية أنتجت لنا مسلسلا اجتماعيا أعاد إلينا زخم "النوستالجيا" من جديد في ثوب يذكرنا بماضينا الذي كان جميلا حقا، رغم ما كان يحمله من مآسي ومشكلات ذلك الزمان، لكنها تبدو لنا الآن أبعد ما تكون عن ملامح المأساة التي نعيشها الآن في ظل التفكك الأسري وانهيار منظومة الأخلاق، والتعاطي مع وسائل التكنوولوجيا العاصفة بالمشاعر والأحاسيس التي كانت عنوانا واضحا للمجتمع المصري في ثمانينات القرن الماضي، والذي حمل روح أكتوبر العظيم بانتصاراته المذهلة التي أعادت الثقة وقوت العلاقة بين الجيش والشعب، وربما كانت الأخيرة تلك هى أجمل فضيلة باقية لنا من ذلك الزمان في وقتنا الحالي.
 

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة