خالد صلاح

بيشوى رمزى

عودة زمن "الامبراطوريات" القديمة في أوروبا

السبت، 01 أغسطس 2020 10:14 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

معطيات جديدة، وإرهاصات عدة، تعكس تغير المشهد الدولى، خاصة في دول المعسكر الغربى، في ظل حالة من التفكك، قد تتطور إلى حد الصراع متعدد الأطراف في المرحلة المقبلة، إثر خلافات كبيرة، سواء من حيث السياسات الأحادية التي باتت تتخذها بعض الدول، تجاه شركائها، من جانب، أو حتى نتيجة اختلاف، أو ربما تعارض المواقف التي تتبناها القوى في الغرب تجاه القضايا الدولية الأخرى في العديد من مناطق العالم من جانب أخر، وهو ما يفتح الباب أمام تغير خريطة القوى في الغرب، وبالأخص في أوروبا في المرحلة المقبلة.

فلو نظرنا إلى المشهد الأوروبى الراهن، نجد أن حالة التوحد التي اعتمدتها أوروبا الغربية، منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي وصلت إلى ذروتها في التسعينات من القرن الماضى، وتحديدا في أعقاب نهاية الحرب الباردة، تتلاشى تدريجيا، في ظل تضارب المصالح الأوروبية – الأوروبية، وهو ما يبدو في العديد من المواقف، وعلى رأسها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى "بريكست"، وما يترتب على ذلك من مساعى بريطانية لقيادة القارة من خارج التكتل القارى، بينما يقابلها تحرك فرنسى سعيا وراء قيادة القارة العجوز عبر "أوروبا الموحدة" خلفا لألمانيا التي تولت زمام الأمور الأوروبية، تدريجيا، منذ توحيد الألمانيتين وسقوط حائط برلين، حتى وصلت إلى ذروة القيادة الأوروبية خلال سنوات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في البيت الأبيض.

وهنا نجد أنفسنا أمام صراع تتشكل بوادره، بين ما يمكننا تسميته بـ"امبراطوريات" أوروبا القديمة، والتي تتمثل في بريطانيا وفرنسا، وهو الصراع الذى يجد جذوره التاريخية في الحقبة الاستعمارية، عندما كانت لندن وباريس يتنافسان على الاستحواذ على العالم، عبر جيوشهما، والذى استمر حتى ظهرت القوى الأمريكية التي هيمنت على العالم، عبر قيادة المعسكر الغربى، والسيطرة المطلقة علية أولا في الحرب العالمية الثانية، ثم بعد ذلك عبر إقصاء الخصم السوفيتى في أعقاب الحرب الباردة، لتتوارى بذلك القوى الأوروبية القديمة، والتي اقتصر دورها على مجرد الدوران في فلك واشنطن، من خلال الاندماج في بوتقة الاتحاد الأوروبى، الذى باركته الإدارات الأمريكية السابقة.

ولعل التاريخ الامبراطورى لفرنسا وبريطانيا، والطموحات المرتبطة باستعادته، كان يمثل هاجسا أمريكيا، بعد الحرب الباردة، والقضاء على الاتحاد السوفيتى، حيث سعت واشنطن إلى تحييد القوى الأوروبية القديمة، والتي ربما تسعى لاستعادة أمجادها، عبر إيجاد قيادة جديدة لأوروبا وتكتلها القارى، وهى ألمانيا، خاصة وأن النفوذ الألمانى يرتبط في الأساس بالدعم الأمريكى، في ظل عدم توفر المقومات الرئيسية التي تؤهلها للقيام بدور قيادى توسعى، وعلى رأسها جيش قوى، في ظل اعتماد ألمانيا على الحماية الأمريكية لها في إطار حلف شمال الأطلسى.

وبالتالي تبقى برلين بعيدة تماما عن الصراع المرتقب في أوروبا، خاصة بعد غياب دعم واشنطن لها في ظل إدارة ترامب، وهو ما بدا في العديد من المواقف منذ بداية حقبة الإدارة الحالية، وأخرها القرار بسحب جزء كبير من القوات الأمريكية من ألمانيا، وهو القرار الذى يعد بمثابة صفعة قوية للمستشارة أنجيلا ميركل، والتي لم تنجح في أن تجد قبولا لدى الرئيس الأمريكي منذ تنصيبه.

يبدو أن عودة "صراع الامبراطوريات القديمة" في أوروبا سيكون أول بوادر التفكك الكبير الذى تشهده أوروبا، في ظل الرغبة المحتدمة في قيادة القارة العجوز، لتكون بمثابة البوابة أمام نفوذ دولى أكبر يمكنهما من مناطحة القوى الدولية الكبرى، وهى الولايات المتحدة، والتي صارت تتبنى سياسة تحمل "انقلابا" صريحا على حلفائها التاريخيين، في السنوات الماضية، وبالتالي يبقى الرهان على الدعم الأمريكي بمثابة مخاطرة كبيرة في المستقبل.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة