خالد صلاح

ناهد صلاح

جورج كازازيان.. الصدفة، التمرد، الحرية

الخميس، 13 أغسطس 2020 05:34 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

مشغول جداً جورج كازازيان بالهوية المصرية للموسيقى، لذا فإنه يفكر في عمل فيلم ديكودراما من خلال تجربته عن الموسيقى في مصر، يتوغل من خلاله بين تفاصيلها: عازفون، آلات، تيمات تكتب تاريخ موسيقانا المصرية وتضعها في مصافها اللائق كموسيقى عريقة ضاربة الجذور، من ناحية تفتح أبواباً ساحرة أمام المخيلة البشرية لابتكار أجمل فن، ومن ناحية أخرى تترك أثرها في النفس والروح والعقل والانفعال، سيكون فيلماً "قنبلة"؛ هكذا يقول كازازيان متيقناً مما يكتبه ويعده عن نماذج من الاشتغالات الموسيقية، وعن سيرته التي شكلت جزءّ من سيرة الموسيقى المصرية وموسيقى العالم إجمالاً.

 جورج كازازيان هو الموسيقار وعازف العود المصري من أصول أرمينية، ولد في حي غمرة بمدينة القاهرة يوم 25 يناير من العام 1953، تنقل بين ثقافتين في محيط مجتمعه الكوزموبوليتان، ملمح من ملامح التركيبة الاجتماعية والديموغرافية للقاهرة في ذلك الوقت، ما أسهم في تكوينه المنفتح وغير المتمركز حول فكرة الهوية الواحدة، إنه المصري/ الأرميني المولود في العاصمة المصرية، المسافر والمتجول في بلاد عدة؛ مع ذلك يبالي كثيراً بمصريته أخاذة الحضور في مشروعه الموسيقي، كجزء من التراث الإنساني عموماً وتكوينه الوجداني خصوصاً.

  وضع الموسيقى التصويرية لأفلام روائية طويلة: "الجوع" (1986) إخراج علي بدرخان، "قاهر الزمن" (1987) إخراج كمال الشيخ، "زوجة رجل مهم" (1988) إخراج محمد خان، "سيدة القاهرة" (1990) إخراج مؤمن السميحي، "فتاة المصنع" (2014) إخراج محمد خان، كما وضع الموسيقى التصويرية لعدة أفلام وثائقية منها: "رمسيس الثاني" (1980) و"قبل الأهرامات" (1981) من إخراج شادي عبد السلام، "رقصة الحب" (1992) إخراج إيهاب شاكر، "حوار صامت" (1999) إخراج علي الغزولي، هذا غير طوافه في أوروبا ومصر بحفلات عدة، عزف فيها موسيقاه التي ضمتها ألبوماته الاثنى عشر ومنها: (سبيل، سچايا، الجنوب، صاجات، أزرق).

  كيف أصبح جورج كازازيان نموذجاً للفنان التجديدي غير المدرسي، المصري والخواجة في آن واحد، الخجول والجسور، التلقائي بدون خطط والمتعمد التغيير؟ .. ربما بمعنى ما، يمكن اعتبار شرقيته من ميزات تجربته، سواء على صعيد مصريته أو أرمينيته، إنه موغل في هذه الشرقية التي لم تغلق أبوابها في وجه التجديد، أو في وجه الأخر، من هنا جاءت موسيقاه فريدة لها طابعها، تكشف عن شغفه بالجديد دون أن يخبوَ ولعه بالقديم، وتحتاج إلى تركيز فهي غالباً غير متوقعة.

  مشروعه يوثق فكرة البحث عن الهوية، يستلهمها في وجهها الإنساني وفق مغامرته في كسر المألوف والتقليدي، من هذه الزاوية زرع أشكاله الموسيقية التي لا تستنزف المعنى هباءً، فرض حيزه الفني في مساحة شديدة الخصوصية، تمكن فيها من مغامرة تفكيك التراث؛ يترنم بينه وبين نفسه باللحن الذي يتبع مشروعه، لكنه لا يتوانى عن الذهاب إلى الأقصر أو الهند للاستماع إلى موسيقى تثقل تجربته، بشكل أو بأخر هو جالب الخير، كأحد معان اسمه المشتق من اسم أحد القديسين، الزارع الذي يجعل الأرض خصبة، عند هذا المعنى فإنه غالباً يقدم أفضل ما لديه في عمله، ولو أردنا أن نلخص مشواره الموسيقي في ثلاث كلمات: الصدفة، التمرد، الحرية.. فالصدفة اختارته منذ البداية للموسيقى، إنها حليفته على درب يمشيه بلا تخطيط كما يقول، متجرد من كل شيء سوى حلم يحلق به في آفاق أبعد مما يطمح إليه واقعه المنهك، استقلاليته وتمرده على الأشكال الموسيقية الجاهزة، لم يكن نزوة فنية عابرة، بل مشروع حاول فيه أن يصنع حالة من التجديد، توسع مساحة الحيوية وتعيد تفسير الموسيقى المحلية على ضوء المستحدث الخلاّق، لذا في مرحلة من مراحله وظف النغمات الشعبية بقدر ما سمحت به طموحاته، محاولاً أن يصنع من التراث الأزلي نغمات جديدة، في هذه المساحة عاش حريته الإنسانية وتطلعاته الفنية، يده تعزف رؤى لا قضايا ودهشة عمره هي الموسيقى ولا شيء غيرها.

 أتساءل أحياناً: ما هي مهمة الموسيقي؟ هل مهمته أن يؤلف عدة مقطوعات موسيقية، ثم يستريح باله؟ هل نظلم كازازيان لو حسبناه فقط على مقطوعاته، أم نقيس حجمه الحقيقي بدأبه وتوغله في التراث؟ .. في رأيي أنه صاغ تجربة إبداعية متميزة في عالم فني مصنوع من رؤاه عن نفسه وعن الواقع، مدركاً التناقض بين المتعة الذهنية التي يصنعها لنفسه ولمتابعيه المتطلعين إلى الفن المتجدد، وبين المتعة الملموسة التي يسعى إليها جمهور عام، لعل خلاصة تجربته تكمن في نتيجة بسيطة وعميقة في آن واحد، وهي أن الحرية الذاتية التي ينقب عنها كفنان متمرد هي جزء من الحرية الأشمل التي يحاول أن يحققها بمقطوعاته مع جماهيره، الحرية هي مفتاح تجربته، تشكل ذلك الأثر الغامض لفنان يهفو للتخلص من كل القيود التي تعوقه عن تحقيق ذاته، كما تسجل أيضاً تطور وعيه الجمالي.

 

 


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة