خالد صلاح

ناهد صلاح

أمريكانى من طنطا

الخميس، 27 أغسطس 2020 01:19 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

هناك ميزات كثيرة لـ "القعدة" الطويلة في البيت، منها ما يفيض به الوقت من فرص لمشاهدة الأفلام القديمة، بما تحمله من حدس ونبوءة وإدراك لطمأنينة ما، نحاول أن نتشبث بها ولا ندعها تفلت أو تشرد، من هذه الأفلام شاهدت مؤخراً "أمريكاني من طنطا" (1954)، الفيلم السادس عشر لمخرجه أحمد كامل مرسي، عن قصة وسيناريو محمد علي ناصف، عنوان لافت ويحمل تخمينات عدة، لكنه في الحقيقة لا علاقة له بأمريكا أو بطنطا، سوى أن بطله إبراهيم أفندي الموظف البسيط (باشكاتب إحدى الدوائر الخاصة) يحمل لقب الطنطاوي، نفس اللقب الذي يحمله محروس (سليمان نجيب) العائد من أمريكا بمزاعم أنه سيبدأ مشروعاً ضخماً، العلاقة الحقيقية التي تربط بين الاثنين؛ هي حلم الثراء السريع التي يتبعها أفعال عبثية من شأنها أن تجعل الوهم كاملاً.

 

فكرة الفيلم تحيلنا إلى سؤال كل عصر عن هؤلاء الذين يتمسكون بالراحة على حساب العمل، حلم العجزة، المتقاعسين الذين يتهربون من العمل إلى الغفلة، ينتظرون مثلاً ثروة العم أو الخال المهاجر إلى البرازيل؛  نراها بملمح ما في سكر هانم  (1960) إخراج السيد بدير، العمة القادمة من البرازيل بثروتها الكبيرة؛ تصبح مطمعاً يصبو إليه الجميع، ومن السينما إلى الواقع أو العكس؛ تتسرب فكرة الحلم الغبي، الضائع وتستشرى بتنويعات مختلفة في حياتنا، إنها ببساطة الدورة المتجددة للثراء المستريح كما قدمته مثلاً شركات توظيف الأموال، الثروة القادمة بدون كدح وعمل جاد، وكما التقطتها السينما المصرية وفضحتها بما يكفي في أفلام كثيرة مأهولة بالحكايات.

  نجدها ونتعرف عليها مثلاً لا حصراً في فيلم "لو كنت غنى" (1942) إخراج بركات عام 1942، حيث الحلاق (بشارة واكيم) هو زوج وأب في عائلة فقيرة لديها مساحة من النبل والنزعة الاشتراكية، تكفي كي تزيد من إنسانية أفرادها وتعينهم على تحمل عبء الحياة، لكن هذا يتغير بزاوية كبيرة ومنفرجة، بمجرد أن يرث ثروة كبيرة عن قريبه الشحاذ، فينزلق إلى فخاخ الرأسمالية المتعفنة، ونشهد ملمحاً آخر لها في فيلم "مليون جنيه"  (1953) ﺇﺧﺮاﺝ حسين فوزي، يترك زمرد أغا إرثًا يقدر بمليون جنيه، لورثة بلا وازع أخلاقي؛ يتهافتون على المال السهل، لكن ما جاء سهلاً يذهب بسهولة أكبر، أما درب المهابيل (1955) إخراج توفيق صالح؛ فيعد فيلماً جاداً في صده لوهم الثروة السريعة، إذ كان الجميع يعيش في وئام داخل الحي الشعبي، حتى جاءت ورقة اليانصيب وحولته إلى جحيم ينهش أهله في لحم بعض، أراد الفيلم أن يبين كيف أن الثروة بدون عمل ممكن تكون مدمرة ومهلكة. فيلم أخر مثل النمرود (1956) إخراج عاطف سالم يواصل ترسيخ السينما لقضية التحول الذي تصيب الذات الإنسانية بمجرد ما تهبط عليه الثروة السهلة، كما حدث مع بطل الفيلم، العاطل الذي يطارده الدائنون، وعندما يقرر الانتحار شنقًا، تفشل محاولته، وإذا به يجد فجأة أموالًا كانت مخبئة في السقف الذي علق فيه حبل المشنقة، ثم يصير غنيًا وبالطبع نمروداً، نزوع مختلف عن فيلم "الفرسان الثلاثة" (1961) إخراج فطين عبد الوهاب، فالأستاذ طاهر عبد الظاهر (اسماعيل ياسين) مدير ورئيس تحرير جريدة أنوار الفضيلة، كما تقدمه لنا لافتة يبدأ بها الفيلم قبل أن يولج إلى عمال المطبعة الذين يشكون أحوالهم ورواتبهم المتأخرة، طاهر الملتحي والمتشدد دينياً الذي يمسك بمسبحة ويستغفر الله ويقول سلام قول من رب رحيم لمجرد أن العامل طلب منه "فلوس" الفلوس تزل النفوس، الفلوس متاع زائل، يصيبه تحول الثروة الصاعقة التي تهبط على رأسه، حيث تشده العقلية المكيافيلية للحصول على "كباريه العشاق"، ميراثه من خالته الراقصة جمالات شيكابوم، فيما يتوزع بين النزعة الدينية المتملقة وبين الكباريه الذي يغير اسمه إلى " كباريه الحشمة والأدب"، وألبس الراقصات الحبرة والياشمك، كما قدم الخروب والعرقسوس بدلاً من الخمور، ثم تتغير أحواله حسب توابع الثروة المفاجئة.

  الثروة المباغتة ليست تيمة "أمريكاني من طنطا"، بل الحلم بها وبالمكسب السريع دون جهد أو عمل مضني، في تيتر الفيلم تتداخل موسيقى إبراهيم حجاج: آلات النفخ النحاسية والآلات الوترية مع الآلات الإيقاعية الموحية بحدث مهم يختلط فيه الواقع بالمفارقة الكوميدية الصادمة، ثم تبدأ الحكاية بمشهد الأراجوز في حوش الشرقاوي، مكان شعبي تقليدي نابض بالحياة؛ يلتف فيه الصغار والكبار حول هذه الدمية القفازية، الهزلية التي تحركها الأيدي من وراء ستار، يمنح الأراجوز بهذه البداية الممزوجة بفرح طفولي منحوت على وجوه المتفرجين، سواء المحيطين به على الأرض أو المطلين من النوافذ، دلالة للسخرية الجارفة بطريقة مباشرة، توحى بالزمان والمكان، قفشة ونكتة تفسر التالي من الأحداث.

 الأراجوز يتلاسن مع زوجته في أمورهما الحياتية اليومية، هي ذاتها الأمور التي تواجه البسطاء الواقفين حوله يشاهدونه في هذه اللحظة، اللقطة برمتها فكاهية، عابثة، تدفع الجماهير للضحك على همومهم، ومن الزوجين الأراجوز إلى زوجين بشريين في إحدى شقق الحارة الشعبية، ينتقل المشهد ويطالعنا ابراهيم أفندي الطنطاوي (حسين رياض) مع زوجته أمينة (فردوس محمد)، زوج متفان في عمله وبيته، زوجته تدير كل أمور حياته، نعرف من حوارهما أنه يعمل باشكاتب في دائرة خاصة بمرتب ٣٠ جنيه، وأن لديهما ابناً وحيداً هو علي "شكري سرحان" يعمل صحفياً ويعيش معهما في شقتهما البسيطة، يخرج من البيت بعد حوار تفصيلي عن المال الشحيح، تردفه الزوجة بجملتها المستاءة: "يا اختي كل الناس اللي نعرفهم اللي سكن في وسط البلد، واللي بنى واللي على واحنا 23 سنة في حوش الشرقاوي"!

   في مقر عمل الزوج تتبين حالة عدم الرضا التي يعيشها الجميع بسبب مرتباتهم الضنينة، عدا زميلهم الغائب جمال الموظف في الدائرة، مات عمه الذي تجاوز التسعين من عمره وترك له ثروة كبيرة كلها ستذهب إليه، يرد ابراهيم أفندي: عقبالنا يارب. بينما زوجته في المشهد التالي تستمع إلى قارئة الفنجان التي تبشرها بثروة كبيرة قادمة، ثم نراه في المقهى يلعب الطاولة مع زميله مقابل المال ويدخل عليهما بائع اليانصيب، لتكتمل أركان قصة الفيلم التي تكشف أمنيات أو وسائل اللجوء إلى المكسب السهل.

  الزوجة تحسب العلاوة المنتظرة للزوج، لا يردعها قوله بأنهم عايشين مستورين، ومن منطلق التلهف على ثروة تأتيهم على حين غرة؛ يقعون فريسة للنصب واستنزاف أموال البسيطة، تحويشة عمرهم التي ادخروها للزمن، حين يوافق ابراهيم أفندي بفكرة زميله أن يدعو المليونير الأمريكى ذو الأصول المصرية محروس الطنطاوي (سليمان نجيب) صاحب شركة البيلي بري بشيكاغو والذى ترك مصر من عقود طويلة، لاستضافته بصفته أحد أقاربه، على إثر هذا ترك الحي الشعبي إلى الزمالك وانقلبت حياته رأساً على عقب منذ وصول المليونير وزوجته وابنته، فالمليونير المزعوم يقترض المال على وعد سداده عندما تصل ثروته من أمريكا، لنكتشف أنه مفلس وأن "البيلي بري" كان مشروع بليلة خاسر، وبالتالي كانت النتيجة أن جميع الأطراف في الفيلم منهزمون وخائبو الرجا، إلا الابن علي، لأنه الوحيد الموقن بقيمة العمل، فكان هو منقذهم من الإفلاس وانتشالهم من الوهم والحالة الافتعالية التي عاشوها، بل ساعدهم ليبدؤا حياة جديدة قوامها العمل والجهد، فعاد أبواه إلى حوش الشرقاوي مرة أخرى، بينما افتتحت زوجة محروس اتيليه للتفصيل، وعمل محروس "مترو دوتيل" فى أحد المطاعم الكبرى، والابنة عملت في مجال الديكور ثم تزوجت من علي في النهاية.

يبدو الفيلم بسيطاً، تتحرك شخوصه بعفوية وخفة ظل بين كادرات مدير التصوير روبير طمبا، لكنه ببعض التأمل يسدد لكمة قوية لكسالى الزيف والوهم، منتصراً للقيم النبيلة ومنها العمل، فالعمل هنا هو المبتدأ وليس الخبر في مجتمع يسعى للنهوض، هذا ما فعلته السينما المصرية في أغلب أفلامها التي تناولت هذه القضية وناوشتها، مقاومة وكاشفة، مثلما فعل إبراهيم في النهاية قائلاً بصوت متهدج: كان مجرد حلم، مجرد خرافة.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة