خالد صلاح

ناهد صلاح

لبنان.. عشرون عامًا إلا قليلاً.. توت توت على بيروت

الأحد، 09 أغسطس 2020 07:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

"يا هال لبنان يا لوح الصف يا كتاب الخرايط، يا دبكة ودف.. درسنا تواريخ حفظنا تواريخ إجا التاريخ طعمانا كف"، صوت مارسيل خليفة يثابر معي في هذه اللحظة البيروتية الكارثية، أمام شاشة التليفزيون، أحدّق بعينين ثقيلتين إلى المشهد المظلم، أستمع إلى تقارير المراسلين، أحاول كما الجميع أن أصغي، أفهم، أُدرك، المشهد مباغت منذ أن اشتعل البحر وطالت النيران البر فدمرته، إلى بيروت التي ترتدي الآن ثوب الحداد وتستقبل المساعدات الطبية، فجأة عاد كل شيء إلى الوراء؛ إلى نحو عشرين عامًا إلا قليلاً، حين زرت بيروت لأول مرة بعد تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي بعامين، كانت نفس الأغنية لمارسيل خليفة تدق رأسي "توت توت على بيروت يا بيي خدني مشوار"، لم تراودني أغاني فيروز "بحبك يا لبنان" أو "لبيروت من قلبي سلام"، أو وديع الصافي يترنم بـ"لبنان يا قطعة سما"، أو "ست الدنيا يا بيروت" لماجدة الرومي، أو حتى صباح في أغنيتها اللطيفة "ألو بيروت"، إنها فقط "توت توت على بيروت"، الأغنية المراوغة، المخاتلة كما بيروت الجامحة، الأسطورية مثل طائر الفينيق؛ تولد من رماد احتراقها.

"ذكرى ما تنعاد"، هى الجملة التي استقبلنى بها الجميع منذ وصولي إلى مطار رفيق الحريري، كأنهم يخبئون خوفهم من كل الفخاخ المحيطة، والذكرى هي الحرب، والحرب هي الخلل الذي يلوّح لهم دائمًا عن بعد، فينهضون من أحلامهم وأمنياتهم إلى واقعهم الكابوسي واللعب بمصائرهم، لذا فإن لبنان لا يلبث أن تعاوده الذكرى مرات باغتيالات أو مشاحنات طائفية ومرات بانفجارات مجهولة الهوية، كهذا الانفجار الشرس والعبثي في مدينة كل شيء فيها مقوّض بنقيضه، الفكرة والحقيقة، الإذعان والتمرد، التواضع والزهو، البهجة والأسى، الأمل واليأس، الهشاشة والجسارة، كهشاشة هذه العجوز الأنيقة التي جلست تحتسي قهوتها قبالتي في مقهى بشارع الحمرا تحتسي، وكجسارة هذه الفتاة التي تمر أمامنا بخطوات سريعة تهزم القلق.

كل شيء مختلف ومؤتلف في شارع الحمراء، لم يعد هو ذاته الشارع الذي غنى له خالد الهبر: "يا شارع الحمرا يا شارع الألوان، يا مصيدة القلوب، يا خسارة الجوعان، يا شارع الثقافي، التجار، البياعين"، وأغلقت تقريبًا كل صالاته السينمائية والمسرحية، تقريبًا مسرح المدينة وحده يحجل بعروض بسيطة، في مقابل اصطفاف مقاهٍ جديدة لا تشبه القديمة ومحال تجارية حلت محل بعض صالات العرض السالفة، ولأنني من أولئك المولعين بالحنين إلى الأشياء المفقودة حتى وإن لم أعايشها، رحت أفتش عن بعض الذكريات العتيقة التي قرأت عنها وشاهدتها في أفلام تسجيلية، فكان لا يمكن أن يفوتني ما تبقى من أثر لمقهى ويمبي في شارع الحمراء، نقطة تجمع أصيلة للمثقفين في بيروت، ونقطة تحول في مسار الحرب اللبنانية/الإسرائيلية حين قتل الشاب خالد علوان ضابطًا إسرائيليًا وأصاب جنديين يرافقانه، دخلوا شارع الحمراء وتعاملوا بصلف في المقهى حتى أن الضابط الإسرائيلي أصر على دفع فاتورته بـ"الشيكل".

"انطرينا انطرينا بيروت انطرينا بأخبار جديدة بتلفك لف"، صوت مارسيل يحلق فوق المشهد؛ بينما يشدني تأملي للشخصية اللبنانية وتحولاتها في أزمنة العنف المتتالية، وموجات الطائفية والقلق المتراكم والأزمات السياسية والاقتصادية التي تجرف الجميع لا محالة، وبيروت المدينة الصغيرة التي تحولت من بهاء الصورة، الحياة والموضة والطعام والشعر والأغاني والمواويل، إلى ساحة تصفية وأرض للأخذ بالثأر القديم والجديد، أو كما يقول كاتب كبير مثل محمود عوض ورقة في يد إسرائيل ضد باقي العالم العربي، كنت أتمنى أثناء تجوالي مع أحد الأصدقاء اللبنانيين في شوارع بيروت، أن أعثر على علامة ترخي علينا بعض الطمأنينة؛ بعيدًا عن أسى الحرب أو عنف الميلشيات، فإذا بصديقي تداهمه ذكريات الكرب وينهال على رأسي بمعلوماته التاريخية الجزعة في كل منطقة نمر بها: "هون تم اغتيال غسان كنفاني في العام 1972، وهون أغتيل أبو حسن سلامة في العام 1979، وهون ماتت بلقيس الراوي زوجة نزار قباني في انفجار السفارة العراقية في العام 1981، أما هون فكان اغتيال رفيق الحريري في العام 2005..."، قاطعته قبل أن يواصل: وماذا بالنسبة لـ هون غنى فريد الأطرش أو فيروز، أو هون دبكت الصبوحة في أحد استعراضاتها، ألا يوجد ذكريات سعيدة في هذا البلد البهيج، نظر لي بابتسامة ساخرة وقال: نعم.. نعم، أنت تقفين الآن على خط التماس بين بيروت الشرقية والغربية، المكان الذي شهد في 1975 الرصاصات الأولى في الحرب الأهلية اللبنانية.

 أمشي خفيفًا كأني أخشى أن أوقظ الموتى في شوارع ما زالت مسكونة بأطلال الحرب، فيخطر ببالي مقال قديم قرأته وأنا صغيرة لكاتب مصري لا أتذكر اسمه الآن، روى فيه كيف أن عادل إمام أنقذه مرتين في الحرب الأهلية اللبنانية، عندما مر في نفس اليوم بحاجزين: مسلم ومسيحي، الاثنان سمحا له بالعبور وقالا نفس العبارة: "بتفوت منشان خاطر عادل إمام"، هي ذاتها العبارة التي استقبلني بها ضابط الجوازات اللبناني عند وصولي، حين عرف أنني صحفية مصرية؛ ثم استحلفني أن أخبر عادل إمام: "أبو علي بيسلم عليك"، لعلني استجلبت هذا الخاطر في وقتها ليحميني من الهذيان، لكنه لم يمنع هواجسي وأسئلتي عن لبنان المترع بالحيوية كما في خيالي، ولبنان هذا الذي رأيته يرزح تحت الهم ويخاف أن يلتفت إلى الوراء، وها هو المشهد الجديد في بيروت سريالي، أكثر هستيرية وجنون.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة