خالد صلاح

محمد حبوشه

الفلاح المصرى .. حارس الأصول

الجمعة، 11 سبتمبر 2020 09:09 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
صحيح أن الدراما التليفزيونية لاتعبر بالضرورة عن واقع الفلاح في الريف المصري إلا أننا افتقدنا هذه النوعية من المسلسلات التي كانت تذكرنا على الأقل بأصولنا وعاداتنا وتقاليدنا التي اندثرت بفعل عوامل التعرية التكنولوجية حاليا، فمنذ 17 عاما والدراما المصرية تخاصم حياة الفلاحيين في الريف، حيث كان آخر مسلسل فلاحي هو (الناس في كفر عسكر- 2003)، بعدها لم ينتبه: لا المنتجون ولا الكتاب ولا المخرجين إلى تلك التحولات الكبرى التي حدثت في حياة الفلاحين 
 
ربما كانت النقطة الوحيدة المضيئة في حياة الريفيين، هو ما قاله محمد القرش، المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة ، "إن الفلاح المصري بمجهوده وحفاظه على التباعد الاجتماعي يؤكد حرصه على سلامة البلد، وأنه مصدر أمان وغذاء المواطن المصري"، وأن الدولة المصرية بكافة أجهزتها حريصة على توسعة رقعة الأرض الزراعية مع الحفاظ عليها بالطبع وعدم التعدي عليه، مضيفا: "الجميع يرى افتتاحات الرئيس لمحطات المياه والمشروعات التوسعية الضخمة لزيادة الانتاجية مع الحفاظ على الأرض الزراعية"، وأوضح أن "الفلاح المصري أنجح وأذكى المزراعين في العالم، نحن نتكلم في توعية في طرق الري في العالم الحاضر، وما فعله يثبت ذلك".
 
وعلى الرغم من هذا النجاح المقرون بالذكاء  الفطرى الذي يطلق عليه مجازا "خبث الفلاحين"، فقد أهملت الدرما التليفزيونية الريف المصري، اللهم إلا لماما في ثنايا بعض أحداث المسلسلات صعيدية الهوية، لكنها عادة ما تركز على صراعات الثأر وتجارة الآثار وغيرها من قضايا لها خصوصيتها في الصعيد، بينما باقي قرى مصر في منطقة الدلتا - التي تستحوذ على أكبر رقعة زراعية - تظل بعيدة عن كاميرات وفلاشات التصوير، رغم أنها تحمل في طياتها قصصا إنسانية بديعة مستمدة من الريف "مصنع الرجال" على مستوى التراجيدي والكوميدي والتي تستطيع بجدارة أن تجلب متعة خاصة، بعيدا عن أجواء الأكشن والكوميدي السخيف والعنف والفوضى والعشوائية وغيرها من مظاهر نشاهدها حاليا على شاشة رمضان وغيره من مواسم أخرى.
 
لقد نجح صناع الدراما مؤخرا في ترسيخ مفهوم الوطنية عند الشباب من خلال مسلسلت تركز على البطولات العسكرية والبوليسية مثل "الاختيار" و"كلبش" بأجزائه الثلاثة"، وينبغي عليهم الآن الانتباه إلى الريف المصري فهو أولى بالرعاية خاصة أن مصر تعتمد بشكل أساسي في اقتصادها على الزراعة، كما أن يمثل القطاع الزراعي في مصر يمثل حوالى14.7 من إجمالي الناتج القومي، ويعمل في مجال الزراعة مايقرب من 10 مليون شخص أي ما يعادل حوالي 35% من سوق العمل المصري، ومع ذلك فالاهتمام بهذا القطاع والعاملين به أقل بكثير مما يجب أن يكون عليه حتى تتوفر البيئة والمناخ المناسب للحفاظ عليه وتنميته في ظل الزيادة السكنية المضطردة والتي تنعكس على أسعار السلع والمواد الغذائية.
 
نريد أعمالا دراميا تنظر نظرة فاحصة إلى وضع الفلاح وما يعانيه وتجد في طيات سيناريوهاتها علاجا ناجعا لعدة أمور يجب التوقف عندها والعمل سريعاً على إصلاحها حتى يستطيع الفلاح مواصلة دوره والاستمرار في الاستثمار وتنمية الإنتاج الزراعي والحيواني، ومن تلك الأمور يمكن أن تتصدى الدراما بأدواتها الفنية إلى قضايا جوهرية في حياة الفلاح  
 
ولعل حجر الزاوية في مشكلات الفلاح المصري - والتي تحتاج إلى أعمال درامية طويلة على غرار "سر الأرض"، ذلك البرنامج الدرامي التسجيلي الذي قدمه لفترة "أحمد آدم"، ولا أدري لماذا توقف - وهى تتمثل في نوعية البذور وحبوب التقاوي التي يستخدمها الفلاح في الزراعة، هل تستطيع مواجهة الظروف البيئية الصعبة؟ و أسعار الأسمدة الزراعية 
 
تلك المشاكل وغيرها يجب أن تركز عليها الدراما التليفزيونية لأنها لاتهم قطاعا واحدا من الجمهور، بل أصبحت هى الهم الأساسي لمعظم السكان، ويجب أن تنتهى إذا أردنا تنمية الإنتاج الزراعي والحيواني ومضاعفة نسبته، وهذا لن يحدث إلا إذا تعاونت كل الجهات المعنية وشكلت لجنة أزمة ممثلة في وزاره الزراعة، ووزارة الري والبيئة والصحة، وإعادة هيكلة بنوك التنمية والائتمان الزراعي وتعديل سياساته ومساره، وعودته إلى الهدف الذى أنشأت من أجله وهو دعم الفلاح المصري في المقام الأول وتراجع دوره التجاري الذى يقوم به بنوك أخرى كثيرة.. أليس حريا بالدراما أن تهتم بهكذا شأن يهم حياة كل المصريين؟!
 
هذا بالإضافة إلى أن تجسيد تلك المشكلات على الشاشة عبر أعمال درامية ترصد جوانب المشكلات من شأنها تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المجال الزراعي وتطوير البحث العلمي الخاص بالقطاع، وإعادة هيكلة الجمعيات الزراعية الموجودة في كل قرية لمساندة الفلاح ودعمه بكل الإمكانات الفنية واللوجستية المتاحة ومساعدته في استخدام الأساليب الحديثة في الري وإدخال أنواع محاصيل جديدة غير المتعارف عليها، والتي لا تحتاج إلى كميات كبيره من المياه مثل زراعة المحاصيل التقليدية، وطني أنها كلها قضايا - على تعقيداتها – تحتاج حتما لسحر الصورة الدرامية التي يمكن أن تعمل على تفكيك حلقاتها عبر مشاهد حية تبعث على الحل.
 
نعم وبلاشك نريد أعمالا تليفزيونية على غرار مسلسلات لاتزال راسخة في ذاكرة المصريين مثل "الوتد" المأخوذ عن رواية للكاتب خيري شلبي تحمل نفس الاسم، والذي دارت أحداثه في قرية "شماس عمير"، وهى بلدة ريفية في كفر الشيخ، حيث جسد العمل حياة الفلاح المصري، وربما لم يكن مسلسل "حديث الصباح والمساء" المأخوذ عن رواية للأديب نجيب محفوظ، بشكل عام يتحدث عن حياة الريف، ولكنه رصد الواقع الاجتماعي في مصر بداية من حكم الوالي محمد علي، وفي بعض حلقاته ألقى الضوء على طريقة تعامل كبار الملاك مع الفلاحين، وهذا فيه قدر من التماس مع واقع الفلاحين على الأقل.
 
لكن مسلسلا مثل "البراري والحامول" يعد عملا دراميا فلاحيا بامتياز، حيث تدور أحداثه في قرية "الحامول" التابعة لمحافظة المنوفية، ويرصد حياة الفلاح المصري في عصر الانفتاح، ورغبة الناس في بيع أرضها للسفر خارج مصر، وأيضا سلط الضوء على الانتخابات البرلمانية وكيف يستغل بعض المرشحين الفقراء في القرى لحسم المعارك الانتخابية، أما "الناس في كفر عسكر"، فقد درات أحداثه في إحدى القرى ورصد ذلك الصراع بين عائلتين حول الأراضي الزراعية ومحاولة كل عائلة الاستحواذ على مساحة أكبر والقضاء على الأخرى، وعالج القضية في شكل درامي يتماس مع الواقع الريفي في تلك القرية.
 
في مسلسل "وجع البعاد" قصة الكاتب يوسف القعيد، وإخراج إسماعيل عبدالحافظ، سلط الضوء على قضية أخرى من خلال قصة فلاح بسيط يمتلك قطعة أرض يريد العمدة انتزاعها منه وضمها لمشروع يحقق أرباحا مادية، ويثبت بها أركانه كعمدة للقرية، ولكن الفلاح يرفض فيدخل في صراع معه، لكن "مسلسل الأرض" الذي استمر بثه لسنوات طويلة، كان يهتم بحياة الفلاح المصري بكل تفاصيلها والأرض والمحاصيل الزراعية وكيفية وقاية المحصول من الأمراض والأوبئة والتوعية الصحية للفلاح، وبدأ عرضه عام 1994، وكان من تأليف يحيى أحمد، وإخراج أحمد بدر الدين، وهو يعد مسلسلا نموذجيا لما تتطلبه حياة الفلاح المصري حاليا، حيث يعاني من نفس المسشكلات التي قلنا أنها حجر الزاوية في قضايا الفلاح المصري الآن.
 
ولعلنا نتذكر مسلسل "الوسية" ذلك العمل الدرامي البديع وهو من المسلسلات التلفزيونية الشهيرة التي تحدثت عن قضية الإقطاع والاستبداد ومعاناة الفلاح المصري مع الأجانب، والقسوة والإهانات التي لقاها على مدار سنوات من الملاك الأغنياء، وأخرجه إسماعيل عبدالحافظ عام 1990، وبالتأكيد لا يسقط من ذاكرة الجمهور مسلسل "حلم الليل والنهار" للكاتب "حسن محسب"، ومعالجة درامية وسيناريو وحوار المبدع "محمد جلال عبد القومي" في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وهو أبرز أعمال ملك الشاشة "فريد شوقي" في الدراما التليفزيونة، والذي كانت تدور أحداثه حول محمد العناني (فريد شوقي) كبير القرية الذي يرسل ابنه (مصطفي فهمي) إلى القاهرة لكي يدرس هناك فيذهب ويتعرف على سيدة كبيرة (شويكار) تستولي عليه وتقنعه بالزواج منها.
 
المطلوب الآن: أعمال درامية تركز على قيمة الأرض، فلقد كان الارتباط بالأرض قيمة، بل كان طين الأرض نفسه قيمة ورائحته قيمة، بحيث إن التفريط فى أى شىء من ذلك يساوى التفريط فى الشرف والكرامة، وكان الفلاح يأنف من بيع أرضه ويجده عيبا يستحق الخجل والتوارى من الناس، والآن لم تعد للأرض نفس القيمة والقدسية عند الفلاح المصرى فبيعها لم يعد عيبا كما كان، وهجرها وتجريفها وتبويرها والبناء فوقها أصبح شيئا مستحبا ، هذا ما ينبغي أن تركز عليه الدراما الفلاحية الآن أكثر من أي وقت مضى.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة