خالد صلاح

ناهد صلاح

ظل عبد الناصر ونوره فى السينما

الجمعة، 18 سبتمبر 2020 12:37 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

سبتمبر هو شهر الذكرى، خمسين عاماً تمر على رحيل جمال عبدالناصر، ولا يزال هناك هذا السؤال المُشرع عن حضور صاحب الذكرى فى السينما، زعيم وضع السينما فى قائمة الأولويات كرافد مهم من روافد الثقافة التى آمن بضرورتها كجناح من أجنحة ثورة يوليو، وازدهرت السينما المصرية فى عصره لتتوازى مع تيار جديد يعكس تفاعلاً متنامياً بين السينما والثورة فى إطار فكرة تحالف قوى الشعب العامل مع الأفكار الجديدة، ظهر هذا التنامى فى تغيير ملامح البطل السينمائى إلى حد كبير، تجاوز الشكل البراق إلى الشكل الواقعى الذى ينتمى إلى طبقات الشعب الكادحة، إضافة إلى إنشاء المؤسسة المصرية العامة للسينما، أربعة معاهد فنية للسينما والباليه والفنون المسرحية والموسيقى، على الرغم من كل هذا لم ينل من السينما ما يليق به وبسيرته.

  يوليو وعبد الناصر لم يحصلا على الاهتمام السينمائى الكافى كما نالته الحرب العالمية فى السينما العالمية على سبيل المثال، أو فنان مثل فان جوخ؛ تنافست عشرات الأفلام على تقديم سيرته، أو حتى حرافيش وفتوات نجيب محفوظ الذين سلطت السينما المصرية أضواءها عليهم، التجاهل السينمائى لم يصب عبد الناصر وحده، وإنما كل زعماء التاريخ الحديث الذين أهملتهم الدراما واقتصرت مساحتهم داخل بعض الأفلام على نقطة مهمشة لا تساوى حجمهم الحقيقى فى الواقع، ربما جاء هذا التجاهل بسبب النسبة الضئيلة للأفلام التى تلعب فيها السياسة دوراً كوسيط فنى وثقافى على شاشة السينما، وربما يبرر الواقع نفسه هذا التعامل الغامض للسينما مع عبد الناصر، فالثورة قدمت قائدها ومفجرها متأخراً كنوع من التأمين والإمساك بكل الخيوط، الغريب أنه بعد استقرار العوامل المحيطة بالثورة ظل عبد الناصر مجرد صورة معلقة على الجدران فى خلفيات الأحداث كمؤشر للزمن.

 

 تباينات الظل والضوء أبرزت ملامح واضحة، نظرة عين ثاقبة وزند قوى وصدر هو فى حد ذاته متراس وصوت لا يخطيء الحرف أو الكلمة، رجل أسمر اللون يظهر ببذلته العسكرية فى مشهد خاطف يقف وسط رفاقه مشدودين بصوته الأخاذ، كما ضابط الجيش سليمان (كمال يسن) مثلاً فى فيلم "رد قلبي" (1957) من إخراج عز الدين ذو الفقار عن رواية للأديب الكبير "يوسف السباعى"، باكورة أفلام آسيا داغر بتقنية الألوان وسينما إسكوب، الحاصل على المركز الـ 13 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية فى استفتاء النقاد لعام 1996 فى احتفالية مئوية السينما المصرية، تتغير ملامح سليمان ويبدو عليها التعب وهو يقول:"إنجى بتاعتى يا على معذبانى ومطيرة النوم من عينى، رداً على قصة على وحبه المستحيل للأميرة "إنجي"، بينما يتلون صوته بإيقاع مختلف وهو يخبره :"إنت من الأحرار يا علي".

  هذا الدور وهذه الشخصية التى تم اعتبارها إشارة إلى عبدالناصر وإحدى تجليات صوره كما قدمتها السينما، حملت إشارة أخرى وهى أنه لم يكن زعيماً بالمفهوم التقليدي، رجل تتبعه الجماهير على دربه الثائر، بل كان واحداً منهم ينتمى إلى الفقراء، كان حقيقة تعاملت معها السينما على ثلاثة أوجه، فقدمته بصورة ضمنية أو رمزية أو ظاهرة، هذا التناول الثلاثى اتضح فى الأفلام التى أعقبت ثورة يوليو مباشرة ظهر فيها عبد الناصر بشكل ضمني، كان دائماً شخصية القائد الغامض والمجهول فى ذات الوقت يظهر على الشاشة فيبدو رزيناً، هادئاً والجميع يتساءل: من هذا الرجل الرصين؛ حاد الملامح الذى يصاحبه عمق صوتى معين ويجتمع حوله الأحرار؟ (رد قلبي، شروق وغروب، لا وقت للحب و.. غيرهم).

  أول مرة تظهر أغنية خلال فيلم سينمائى تتغنى باسم جمال، كانت أغنية (أَمِمْ جمال القنال) فى فيلم (بور سعيد) (1957) تأليف وإخراج عز الدين ذو الفقار؛ وفى أحد مشاهده أيضاً يردد أحد الخواجات الذين يعيشون فى مدينة بور سعيد: "عبدالناصر لازم يموت"، كان عبد الناصر هو من كلف فريد شوقى بإنتاج هذا الفيلم فى مقابلة حضرها عبد الحكيم عامر وأنور السادات: " نريد منك القيام بعمل فنى يروى قصة العدوان الثلاثي، خاصة فى منطقة بورسعيد لرصد المقاومة الشعبية هناك" (مذكرات فريد شوقى فى جريدة القبس)، وشرع فى التصوير على الفور تحت القصف مع مجموعة كبيرة من النجوم: شكرى سرحان، رشدى أباظة، هدى سلطان، ليلى فوزى حسين رياض، أمينة رزق، توفيق الدقن، سراج منير، أحمد مظهر، زهرة العلا ، زينب صدقي، نعيمة وصفى وغيرهم شاركوا فى الفيلم الذى عرض فى 8 يوليو عام 1957، أى بعد جلاء العدوان الثلاثى على مصر فى 23 ديسمبر 1956 بأقل من 7 أشهر.

  يوسف شاهين من أبرز المخرجين الذين أظهروا صورة عبد الناصر فى خلفيات أفلامه، ففى "العصفور"(1972) الصورة ارتبطت بجو النكسة ولحظات التنحي، عبد الناصر يظهر وهو يلقى خطاب التنحي، الطابع الملحمى كان يغلب على الفيلم واختلطت فيه الكوابيس بالأحلام.، وفى "عودة الابن الضال" (1976) كانت مجسدة وبشكل شفاف فى جنازة عبد الناصر التى واكبت لحظة خروج (علي) بطل الفيلم اليسارى من السجن، وشاهين هنا يلمح إلى خروج اليسار مكسور الجناح عاجزاً عن الفعل فى عصر السادات. بينما فى فيلمه "اسكندرية ليه" (1979) قدم لقطات عابرة ترسم خلفية المجتمع السياسى فى الأربعينيات وتظهر صورة فيها قدر من الكاريكاتورية (أحمد عبد الوارث) والسادات (عبد العزيز مخيون).

   الحضور الرمزى لصورة عبد الناصر، كان ملحوظاً بعد أكتوبر 1973، حيث كان الحنين جارفاً لناصر وزمنه، خصوصاً أن نتائج الحرب لم تحقق أحلام المحاربين والناس، وإن ظهرت فى السبعينيات مجموعة من الأفلام كان الحضور الرمزى فيها لعبد الناصر سلبياً، وحاولت هذه الأفلام النيل من عبد الناصر فأظهرته جلاداً وعصره عنواناً للتعذيب والقهر والمعتقلاتت واستغلال النفوذ، لم تكن هذه الأفلام التى قادها "الكرنك" لعلى بدرخان سوى أفلام مرتبكة على المستوى الفنى والفكري، حتى أنه فى عام واحد فقط وهو العام 1977 عرضت محموعة من الأفلام استهدفت عصر عبد الناصر وركزت على ما أسمته بمراكز القوى واستفحال حضورها فى المجتمع ومنها: (أسياد وعبيد) لعلى رضا، (إحنا بتوع الاتوبيس) لحسين كمال، (آه يا ليل يا زمن) لعلى رضا، (امرأة من زجاج) لنادر جلال الذى أخرج أيضاً (ملف سامية شعراوي) عام 1988.

   جاءت أفلام جيل الثمانينيات لتضع يدها على الجرح وتعبر عن مجتمع كاد يفقد ملامحه وهويته، لمس هذا الجيل النقاط الشائكة وصنع معادلة الربط بين غياب عبد الناصر وتردى المجتمع، هو ما نجده واضحاً فى "سواق الأتوبيس" إخراج عاطف الطيب، الذى استطاع أن يحدد العلاقة بين خراب الورشة المعروضة للبيع وصورة عبد الناصر المعلقة على جدرانها طوال الوقت، فى "زمن حاتم زهران" ركز المخرج محمد النجار على الصراع بين الفترتين الناصرية والساداتية بشكل واضح وقاطع، الصراع بين النضال والتجارة بالنضال، حتى أن صورة الشهيد ظهرت طوال الفيلم كأنها بروفيل لعبد الناصر. كذلك دافع المخرج الراحل محمد شبل فى فيلمه "كابوس" عن عبد الناصر وعصره واختار ملامح الأب قريبة الشبه إلى حد كبير من ناصر. يأتى فيلم (يا مهلبية يا) إخراج شريف عرفة ليبرز هذا الحضور الرمزى من خلال الشخصية التى جسدها هشام سليم حينما قال فى مشهد الأسلحة الفاسدة: (المعركة مش هنا.. المعركة فى القاهرة)، من المعروف أن هذه جملة جمال عبد الناصر فى الفالوجا، ربما جاءت الصورة فى الفيلم كاريكاتورية لكنها كانت متعلقة بالبناء الدرامي.

   بصرف النظر عن التقييم الفنى لفيلم "ناصر 56" (1996) تأليف محفوظ عبد الرحمن، إخراج محمد فاضل، لكنه أعاد الاعتبار لعبد الناصر؛ وقدم صورة مضيئة لرئيس واجه قوى عاتية بلا تردد أو مساومة وعاش نمطاً من حياة لا تعرف البذخ، لعل هذا الفيلم هو الأول فى تقديم عبد الناصر بشكل ظاهر فى لحظة زمنية فارقة، لكن هناك ثلاثة أفلام عربية سجلت 56 كلحظة من لحظات الكبرياء العظيمة فى تاريخنا العربي. الأفلام هي: (كفر قاسم) (1974) للبنانى برهان علوية، يطالعنا بمشهد رجال القرية فى المقهى ينتظرون خطاب عبد الناصر من المذياع، يبدأ خطاب التأميم وقد اعتمد المخرج على فقرات طويلة منه، فتزغرد النساء ويعم الفرح الجميع.

الفيلم الثاني، العراقى (الأسوار) (1979) لمخرجه محمد شكرى جميل، مستعيناً بالعديد من الأشرطة التسجيلية لتقديم مشاهد أرشيفية لوصول أسلحة أمريكية إلى أحد الموانيء العراقية مع تعليق خارج الكادر حول حلف بغداد الذى يدور فى الفلك الاستعماري، وفى المقابل يطالعنا عبد الناصر معلناً تأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية، ثم يظهر الناس فى الشارع العراقى يهنئون بعضهم مدركين أنه نصر للقوى الوطنية العراقية بقدر ما هو انتصار للثورة المصرية، ثم يظهر عبد الناصر مرة أخرى فى خطابه الشهير بالأزهر عندما بدأ العدوان الثلاثي، فتخرج المظاهرات فى شوارع بغداد مشاركة شعب مصر.

الفيلم الثالث هو السورى (أحلام مدينة) (1983) لمخرجه محمد ملص، قد استعان هو أيضاً بخطاب التأميم ولكن فى سياق واقع مختلف، الانقلابات والانقلابات المضادة كانت السمة الغالبة على الحياة السياسية حينذاك، ومع كل انقلاب الناس تستمع إلى البيانات ذاتها التى تهاجم السلطة السابقة وتعد الجماهير بحياة جديدة، وعندما يعلن عبد الناصر عن التأميم يصبح رمزاً للفعل الوطنى ومعبراً عن أحلام القوى الوطنية ليس فى مصر فحسب، لكن فى الوطن العربى كله، إن "أحلام مدينة" يجسد الفرح السورى بالنصر المصري.

   المخرج السورى أنور القوادرى خاض تجربة من نوع آخر حين قدم فيلمه (جمال عبد الناصر) (1998)، وفيه قام خالد الصاوى بدور عبد الناصر، حيث استعرض الفيلم محطات عدة فى حياة ناصر منذ التحاقه بالكلية الحربية؛ مروراً بحصار الفالوجا فى حرب فلسطين وتنظيم الضباط الأحرار وثورة يوليو وتأميم القناة والعدوان الثلاثى والوحدة بين مصر وسوريا و1976 حتى رحيله فى سبتمبر 1970.


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة