أكرم القصاص

عباس شومان

وتحسبونه هيِّنًا وهو عند الله عظيم

السبت، 19 سبتمبر 2020 08:15 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
إسلامنا دين الرحمة والرقى ومكارم الأخلاق «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»، وقد لخَّص رسولنا هدف الرسالة التى أرسِل بها إلينا فى قوله- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمَّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ» وقد امتدح ربنا رسوله فى كتابه بقوله: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ» وبقوله: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»،ووصف عباده المؤمنين بأنهم: «... أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ...»، ويقول رسولنا الأكرم مبيِّنًا ما ينبغى أن يكون عليه المؤمن الحق: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ»، ومن الصفات التى عدَّدَها الخالق فى عباده الذين رضى عنهم أنهم يمشون على الأرض بأدب ووقار ولا يزعجون الناس: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا»، وتَوَعَّدَ من يؤذى خلق الله قائلًا: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا».
 
 وهذه الثوابت التى حملتها الآيات والأحاديث السابقة وغيرها كثير فى كتاب الله وسنة نبيه، تبين بجلاء النموذج الراقى الذى ينبغى أن يسود فى مجتمع المسلمين، وهو ما أكدته القاعدة الشرعيّة: «لاضرَرَ ولا ضِرارَ»، ولا يجهل أحد من الناس وصيّة سيدنا جبريل لرسولنا بالجار حتى ظن رسولنا أنه سَيُوَرِّثُهُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»، ولا يجهل مسلم أن تنحية الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ».
 
وهذه التوجيهات والضوابط الرائعة التى جاءت بها شريعتنا ليست للإعجاب بها وترديدها على السامعين فقط؛ بل هى للتطبيق وظهورها فى سلوكنا وكأنها سجية خُلِقْنَا عليها، فالمؤمن هيِّن ليِّن رفيق بإخوانه مُعين لهم، فخيره للناس ظاهر وشره وإيذاؤه لهم معدوم. 
 
لكن الناظر فى حال مجتمعاتنا يرى العديد من ظواهر الإيذاء للناس، وبخاصة الجيران، مع علمنا بقول رسولنا الأكرم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ» وقوله: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، ولزملاء العمل الذين عدهم بعض الفقهاء من العاقلة يتحملون مع زميلهم دية قتله للغير خطئًا، فأهل الوظيفة الواحدة أو المصلحة الواحدة يعقل بعضهم عن بعض، والجنود فى الجيش أو الشرطة عاقلة، وعمال المصانع والشركات... وهكذا، فكأن زمالة العمل أو المهنة عند هؤلاء الفقهاء بمنزلة القرابة، وهذا يعنى تحريم الإيذاء للزملاء بالقول أو الفعل أو الدسائس، وأنواع الإيذاء كافَّة.
 
ومن الظواهر المؤذية التى لا يلتفت إليها فاعلوها، وتكون منهم ربما عن غير قصد ويحسبونها هيِّنة وهى عند الله عظيمة؛ ما اعتاده بعض الشباب من الجلوس على جانب طريق يمر به الناس أو يسكنون على جانبه الآخر، فيؤذونهم بصوتهم المرتفع، وربما بأصوات الأغانى التى تنطلق من مذياع سيارتهم فى أوقات متأخرة من الليل ووقت راحة الناس، وأولئك الذين يتعمدون إحداث سياراتهم لأصوات أشبه بالانفجارات أثناء سيرها ليلًا أو نهارًا، وكذا بعض الدراجات النارية، ولو يعلم هؤلاء ما يفعلونه بالمرضى الذين تمنوا النوم ولو للحظات فرارًا من آلامهم؛ فإذا بهم وقد غفلت أعينهم بهذه الأصوات التى تهز أَسِرَّتَهم تفقدهم حلمهم، وتعيدهم إلى آلامهم من جديد مع الفزع الذى أصابهم، وبالأطفال الذين استغرقوا فى نومهم فإذا هم بهذه الأصوات تفزعهم؛ لينافس صراخ فزعهم هذه الأصوات العجيبة التى تصدر من هذه السيارات وهذه الدراجات النارية، وحدث ولا حرج عن الشاحنات الضخمة حين تطلق نفيرها أسفل عمارة سكنية فى سكون الليل لإعلام ساكن من سكانها بوصول سائقها غير مكترث بكم الأشخاص الذين أفزعهم، وكان يكفيه أن يتصل به هاتفيًّا بدلًا عن هذا الإرهاب الصوتى الذى يحدثه فى المنطقة برمتها، وإلى هؤلاء قول رسولنا: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ فِى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، فَقَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا:  وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ»، وقوله: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِى جَوْفِ رَحْلِهِ».
 
وإذا كان غالب الإيذاء الذى يكون من هؤلاء الشباب غير مقصود، فإن ردة فعلهم تجاه من نصحهم غالبًا ما تكون غير لائقة، وأحيانًا تتجاوز حدود الأدب، فترى أحدهم وهو يرد على مسن أكبر من والده وقد استسمحه ليخفض صوت مذياع سيارته أو الأصوات التى تصدرها والتى لا أدرى كيف يتحملها قائد السيارة نفسه؟! غليظًا متبجحًا بالحريّة التى حُمِّلَتْ ما لا تحتمله، وربما لا يكتفى بتجاوزه حدود اللياقة فى رده بل يسارع بتهديده؛ لأنه ابن فلان الذى يستطيع أن يفعل ويسوى، والأدهى والأمر أن والده الذى قد يكون فى مركز مرموق فعلًا إذا علم كان أسوأ من ابنه فى تصرفه، فبدلًا عن ردعه لابنه لتجاوزه فى حق الناس بتصرفه المزعج وسوء رده على من عاتبه، أو تصرفه مع منفذ القانون كما لوكان استوقفه رجل أمن تراه يبذل ما فى وسعه انتصارًا لمن لم يحسن تربيته؛ ليكون سوء تصرف الوالد الذى ينبغى أن يكون قدوة أسوأ بكثير من تصرف ولده، وإلى هؤلاء وهؤلاء أقول اتقوا دعوة مفزوع مظلوم، فإن دعوة المظلوم لا ترد كما أخبرنا رسولنا: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»، وغالب من يفزعون على الأقل سيقولون: «حسبى الله ونعم الوكيل»، وهى كافية لتقلب حياة المزعج رأسًا على عقب، فعلى رجال الشرطة الساهرين على أمن الناس وراحتهم تطبيق القانون على هؤلاء المستهترين مهما كانت مناصبهم ومهما كان من يحتمون به، لا سيَّما بعد أن استردت الدولة هيبتها، فلا أحد فوق القانون، فليس من حق أحد أن يتصرف كما يحلو له على حساب راحة الآخرين، فحريتك نهاية حدها بداية حقوق الآخرين، ومن وجهة نظرى فإن الوالد أو القريب المستخدِم سلطاته لحماية مستهتر من هؤلاء يجب أن يخضع هو ذاته للمساءلة القانونية والعقاب، فلَعَلَّنَا نرى صحوة ثقافية ترد هؤلاء إلى السلوك القويم الذى يجب أن يكون عليه الإنسان المتحضر وبخاصة المسلم، فإن لم يحدث هذا فلا بديل عن حملات أمنية مكثفة لتطهير شوارعنا من هذا الإزعاج الذى لا ينقصنا، فلسنا أقل تحضرا من دول تعد استخدام أداة التنبيه فى السيارة من دون حاجة مخالفة ومظهرا متخلفا.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة