أكرم القصاص

بيشوى رمزى

الدبلوماسية الاستكشافية

الأربعاء، 10 نوفمبر 2021 11:53 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
دائما ما تطرأ مصطلحات جديدة على الحقل الدبلوماسي، ربما لا تكون معتادة عند إطلاقها، وإنما لا تبدو جديدة تماما من حيث الممارسة العملية، وهو ما يعكس حقيقة مفادها أن الدبلوماسية ليست فرعا من العلوم الجامدة، التي تحمل قواعد ثابتة لا تتغير، وإنما تبقى علما حيا، قد تتغير بعض قواعده طبقا للمستجدات التي تطرأ على العلاقات بين الدول، أو حتى بتغير الأنظمة الدولية، حيث تتحول العلاقة بين دولتين، في الكثير من الأحيان، في حال تعاظم المصالح المشتركة، على حساب القضايا الخلافية، في انعكاس صريح للتغييرات التي قد تطرأ بسرعة على شكل العلاقات.
 
التغييرات السريعة في وتيرة الحياة الدبلوماسية في المجتمع الدولي، لا تقتصر على العلاقات الدولية، وإنما تمتد إلى الأدوار التي تقوم بها الدول، وهو ما يبدو على سبيل المثال في النموذج الروسى، والتي تحولت من قوى مهيمنة إبان الاتحاد السوفيتى، إلى سياسة الانكفاء على الذات، والتي تبنتها الأنظمة في موسكو، منذ أواخر عهد جورباتشوف، ومن بعده يلتسين، وحتى سنوات بوتين الأولى في الكرملين، حيث آثروا مهادنة، أو على الأقل تثبيت حالة العداء، مع الخصوم التاريخيين، عند درجة معينة، حتى لا تتفاقم الأمور إلى حد ربما لا يمكنها مجاراته، خلال تلك الفترة، في ظل حالة من انعدام الوزن سياسيا واقتصاديا، في الوقت الذى شكلت فيه دول "المعسكر الغربى" بقيادة واشنطن، ما يشبه "إمبراطورية عظمى"، يمكنها سحق أعدائها، سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا.
 
وهنا يصبح التغيير سمة رئيسية في الحياة الدبلوماسية، داخل أروقة المجتمع الدولى، وبالتالي تتجدد السياسات، وتخرج المصطلحات، التي ربما تبدو جديدة، ولكنها في الحقيقة كانت متبعة، من قبل، على غرار "الدبلوماسية التشاورية"، والتي تمثل بعدا مهما، يقوم على محادثات غير رسمية، تهدف إلى التنسيق في المواقف بين الدول، أو "دبلوماسية الوساطة"، والتي تعتمد على قيام دول، لديها مقومات معينة، بالوساطة بين خصمين بهدف الوصول إلى حلول فيما يتعلق بقضاياهم الخلافية، وهناك كذلك ما يسمى بـ"الدبلوماسية الاستكشافية"، وهى مرحلة ربما تسبق الوساطة أو المصالحة، ربما تتم بصورة مباشرة، بين الدول أطراف الخصومة، أو عن طريق وسيط، حيث لا يمكنه أن يبدأ دوره كـ"وسيط" دون استطلاع رؤى الدول المستهدف التقريب بينها.
 
وبين "التشاور" و"الاستكشاف"، نجد أنها تحمل في جوهرها ممارسات دبلوماسية تقليدية، ربما لم يكن يتم الإعلان عنها، ولكنها ظهرت إلى النور مؤخرا، بحكم التغيير الكبير في المشهد الدولي، وحالة الانفتاح الكبير، سواء سياسيا أو إعلاميا، بالإضافة إلى حالة التطور التكنولوجي الكبير، الذي يشهده العالم، وبالتالي أصبح من السهل معرفة الكثير مما يدور خلف الكواليس، مهما كان التحفظ المفروض على الإجراءات التي تتخذها الحكومات.
 
إلا أن ظهور المصطلحات الجديدة، ربما لا يؤدى إلى استساغتها في بداية الأمر، خاصة مع حالة التكتم، وعدم الكشف عن الكثير من التفاصيل التي تدور خلف الكواليس للحفاظ على سلامة العملية التفاوضية، وعدم السماح لمحاولات لإثارة المنغصات، وتأليب الرأي العام، وبالتالى تقويض العملية السياسية المستهدفة، وهو ما يساهم بصورة كبيرة في التشكيك بالعملية الدبلوماسية برمتها، أو اعتبارها "خالية الوفاض" أو "لا تحمل أجندة محددة".
 
"الدبلوماسية الاستكشافية".. مصطلح جديد لسياسة متبعة، تقوم في الأساس على معرفة المواقف التي تتبناها الدول، تجاه قضية معينة، حتى يمكن البناء عليها، بعد ذلك، عبر وضع استراتيجية من شأنها تحقيق الهدف، وهو ما يفسر ما يصفه البعض بـ"غياب الأجندة"، والتي لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تكون "استباقية"، وإنما تبقى محصلة ما تم التوصل إليه خلال الاستطلاع الأولى، ولكن يبقى الجدل حولها هو نتيجة لما يمكننا تسميته بـ"الجمود" السياسي، لدى قطاع كبير من المتابعين، في ظل غياب الجانب "البرجماتى" لدى بعضهم، وعدم قدرتهم على مجاراة الواقع.




مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة