أكرم القصاص

بيشوى رمزى

اللغة العربية.. مركز "تحالف الهويات"

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2021 09:19 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

ربما تزامن الاحتفال بـ"اليوم العالمى للغة العربية" هذا العام مع حالة من الاحتفاء الاستثنائى، لم تقتصر في نطاقها على الوطن العربى، وإنما حظت بزخم غير مسبوق، في ظل اختلاف طبيعة المحتفلين، وهو ما بدا في تغريدة لنادى ليفربول الإنجليزى، وهو ما يمثل تكريما للنجم المصري محمد صلاح الذى يلعب بين صفوفه، بينما امتد الأمر كذلك إلى الاتحاد الدولى لكرة القدم "فيفا"، والذى اقترح رئيسه اعتماد اللغة العربية كأحد اللغات الرسمية به، ناهيك عن احتفالات أخرى نظمتها، وربما تنظمها كيانات دولية بارزة، على غرار اليونيسكو والأمم المتحدة، بالإضافة بالطبع إلى جامعة الدول العربية، وغيرهم، وهو ما يعكس أهميتها باعتبارها لسان ملايين البشر، القابعين في رقعة جغرافية واسعة، تمتد بين قارتين، بالإضافة لملايين المغتربين في بقاع الأرض المختلفة.

ولكن بعيدا عن القيمة اللغوية والثقافية والتاريخية لـ"العربية"، فإن لغة "الضاد" تتسم بكونها مركزا مهما لما يمكننا تسميته بـ"تحالف الهويات"، وهو ما يساهم في إضفاء حالة الزخم، التي تتسم بها، فهى تحمل العديد من الأبعاد المشتركة، بين الشعوب التي تتحدث بها، سواء جغرافيا أو تاريخيا، ناهيك عن الجانب الدينى، لتصبح اللغة العربية ليست مجرد "لسان" شعب أو مجموعة من الشعوب، وإنما في جوهرها "لسان" الهوية، والناطق الرسمي باسمها، مما يساهم في تقوية الروابط بين الشعوب الناطقة بها، في ظل مشتركات عدة، ويضع على عاتق الحكومات المزيد من المسئوليات تجاه تعزيز تلك الروابط، بعيدا عن "فروض" السياسة، التي تدفع، بطبيعتها التنافسية، نحو التنافر في الكثير من الأحيان

فلو نظرنا إلى المجتمعات العربية، ربما نجد أن اللغة ساهمت إلى حد كبير في التقريب بينها، على المستوى الشعبى، من حيث العادات والتقاليد، والتي ارتبطت في معظمها بالدين الإسلامي، والذي يرتبط أساسا باللغة العربية، والتي تميزت عن سائر اللغات بكونها لغة القرآن، فنجد أن غير المسلمين في الدول العربية، وإن اختلفوا عن شركائهم في الوطن من حيث الدين والعقيدة، ولكنهم في الوقت نفسه يحملون نفس الهوية، بحكم اللغة، وهو ما عبر عنه على سبيل المثال، السياسى القبطى التاريخى مكرم عبيد، وهو أحد أقطاب حزب الوفد في عصره الذهبي، عندما لخص قضية الهوية لدى غير المسلمين في مصر بقوله "أنا مسيحي الديانة ومسلم ثقافةً".

وهنا نجد أن ثمة ارتباطا خلقته اللغة العربية بين أبناء المجتمع الواحد، نجحت من خلاله في صهرهم، رغم اختلاف الدين أو الجنس أو اللون، في بوتقة الهوية، من جانب، وبين المجتمعات العربية، عبر تاريخ مشترك، تجد فيه العديد من التشابهات من حيث التاريخ النضالي ضد الاستعمار، والدين، ناهيك عن العادات المجتمعية التي ربما لا تختلف كثيرا بين دولة وأخرى، رغم اختلاف الجغرافيا في بعض الأحيان من جانب أخر.

ارتباط اللغة بالهوية، تجلى في أبهى صوره، في العديد من المشاهد الدولية، ربما أبرزها على سبيل المثال الأزمات الحالية التي تكاد تعصف بالاتحاد الأوروبى، والذى كان يمثل حلما لدى "أباء الوحدة" التاريخيين في القارة العجوز، ليصبح أحد أقوى الكيانات الإقليمية في العالم، إن لم يكن أقواهم على الإطلاق، على مدار عقود من الزمن، بفضل الدعم الكبير الذى قدمته الولايات المتحدة، عبر العديد من الإجراءات، أبرزها الحدود المفتوحة، والقوانين شبه المتطابقة، ناهيك عن العملة الموحدة، وكذلك دستور موحد، ساهمت في خلق حكومة "عابرة للدول"، على أساس جغرافي، إلا أنها في جوهرها كانت تحمل قدرا كبيرا من الهشاشة، في ظل اختلاف الجانب الحضاري، والثقافى، والتاريخى بين دول القارة، وهى عوامل ترتبط في الأساس باللغة، وهو ما تجلى في الخروج البريطاني، ليكون ملهما لأصوات أخرى، في العديد من الدول، للمناداة باتخاذ نفس الخطوة، حفاظا على "الهوية"، وهو ما تكشف بعد ما يمكننا تسميته بـ"الجفاء" الأمريكي تجاه الحلفاء الأوروبيين.

ولعل كلمات الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، على هامش مشاركته في فعاليات الاحتفال باليوم العالمى للغة العربية، في دبى، والذى أكد خلالها على أن الكيان العربي مشترك حيا حاضرا رغم التحديات، تمثل عنوانا مهما لحالة من الارتباط متعدد الأبعاد بين اللغة والدين والجغرافيا، ليصبح "بيت العرب" بمثابة كيانا جامعا لـ"تحالف الهويات"، التي ربما استهدفت بعض القوى الدولية والإقليمية تقسيمها على أساس جغرافي تارة، ودينى تارة أخرى، بينما كانت اللغة هي العامل الجامع في النهاية بين الهويتين الأخريتين، في انعكاس صريح لأهميتها.

وهنا يمكننا القول بأن الترابط بين الشعوب يبقى دافعا مهما لتجاوز الخلافات السياسية، وأساسا مهما لتقوية العلاقات السياسية، في ظل تحديات دولية كبيرة، وربما غير مسبوقة، تتجاوز الصراعات التقليدية، لتتحول في بعضها نحو "الصراع مع الطبيعة"، في ظل تحديات المناخ والأوبئة، بالإضافة إلى الطفرات التكنولوجية الكبيرة التي يشهدها العالم.





مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة