أكرم القصاص

محمد حبوشه

لغة الضاد التى تحتضر بفعل التكنولوجيا

الجمعة، 24 ديسمبر 2021 09:37 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

فى الثامن عشر من ديسمبر كل عام تحتفل الأمم المتحدة بيوم اللغة العربية، وسط صمت عربى يدعو للريبة والشك، فبينما نحن غارقون فى الجهل بلغة الضاد، هنالك أمم وشعوب أخرى ومنظمات تحتفى بلغتنا وتعدد أسباب رشاقتها وجرسها الذى يتجلى فى طواعية الخط العربى فى صعوده وهبوطه على إيقاع موسيقى بديع، مازال يلفت أنظار الغرب دون حروف اللغات الأخرى التى يحدثون بها، فقط نكتفى كل عام بشرح قصيدة (حافظ إبراهيم) التى جاء على لسانها كيف اشتكت العربية أبناءها، وكيف بكت حظها من أمة تعودت على أن تجفو أبناءها، بكت اللغة وارتفع صوتها بالعويل لكنها لم تجد من يصغى إليها، فأبناؤها الذين يزعمون أنهم يعشقونها حتى العظم يتحولون إلى حب لغة أخرى لا تسامق بقامتها لغة القرآن ولا تطاول مفردات الشعر العربى التى تحولت إلى عروش من الجمال والحب.

وهل يعقل أن تجد اللغة العربية من أبناء بررة يصافحون بعضهم بكلمة (تشاو) أو بكلمة (جود مورننج)، ويتقعرون فى تبادل مفردات أعجمية لو عرفنا مقابلها فى العربية لأدركنا عمق هذه اللغة، فقد كتب حافظ إبراهيم :

رجعت لنفسى فاتهمت حياتى

وناديت قومى فاحتسبت حياتى

رمونى بعقم فى الشباب وليتنى

عقمت فلم أجزع لقول عِداتى

ولدت ولما لم أجد لعرائسى

رجالاً وأكفاء وأدت بناتى

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية

وما ضقت عن آى به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ

وتنسيق أسماءٍ لمخترعــات

أنا البحر فى أحشائه الدر كامنٌ

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي؟

واليوم تواجه اللغة العربية فى مختلف أقطار الوطن العربى معضلة أخرى لا تقل خطورة عن سابقتها، فقد تحولت اللغة على يد موجهيها ومدرسيها إلى مسائل رياضية لا تتعدى فى الشرح استبدال كلمة بكلمة و فى الإعراب تحديد ماهية الكلمة بين فاعل ومفعول وفعل وعلى حد قول أحدهم: ( ضرب الولد أباه)، إن الفعل ضرب هو فعل إجرام وأن الولد هو المجرم وأن أباه المجنى عليه، أما فى البلاغة فقد أصبحت اللغة تشبيها واستعارة وكناية ومحسنات لفظية، مع العلم أن اللغة هى حركة حياة تتفاعل من خلال سياق نصوصها وشائج المجتمع ومشاكل الكون والإنسان، أما أن تصبح اللغة جثة هامدة على مشارح الأطباء اللغويين المزورين فتلك مشكلة صعب حلها وعسير هضمها وما أصعب أن يكون موجه اللغة العربية غير كفء لتحقيق معطيات هذه اللغة.

وكم من موجه على مسرح العروبة يسير باللغة باتجاهات غير دقيقة ومن هنا كانت المناهج العربية تحتاج إلى إعادة برمجة حتى لا تصبح اللغة ومفرداتها ألعاب تسالى يحركها أطفال اللغة ومراهقوها باتجاه التسلية واللعب وقد مر بى فى غير بلد عربى واحد أن مشكلة اللغة العربية أصبحت فى مناهجها وموجهيها وفى ذلك كتبت هذه الأبيات

زمانٌ بات يفسده اللئام

ونفس ليس يزجرها الحِمام

ودهرٌ أهله أبداَ ذئاب

(مفتحة عيونهم نيام)

تحس إذا لمست الجلد منهم

بأنس ينطوى فيه ابتسام

وإن عاشرتهم ألفيت فيهم

طباع الوحش يغريها الطعام

نعم طباع البشر من بعض العرب حاليا يغريها الطعام، فاللغة لم تعد روحا تسرى بين كائنات هذا الفضاء الكونى حرة طليقة تتنفس كما تريد وتتحرك كما تشاء وتهدف إلى ما تريد وكأن أبناءها لم يعودوا قادرين على التعبير بها عن حاجاتهم، ولم تعد اللغة كما يقول الشاعر حليم دموس كأسا باردا تروى غليل أكبادنا:

لغة إذا وقعت على أسماعنا

كانت لنا برداً على الأكباد

ستظل رابطة تؤلف بيننا

فهى الرجاء لناطق بالضاد

المشكلة قديمة حديثة فقد نشأت نتيجة للاحتلال ثقافة فكر يحارب الثقافة العربية والإسلامية، ويقلل من شأن اللغة العربية، وينظر إليها على أساس أنها لغة متخلفة لا تصلح للعلم، ويجب إحلال اللغة الإنجليزية محلها، وسايرهم فى هذا الاتجاه بعض المثقفين العرب الذين نادوا بأن تكون اللغة الإنجليزية هى لغة التعليم، وكادت أن تطبق تلك الفكرة لولا الجهود التى بذلها علماء الأزهر وقيادات الأحزاب الوطنية المصرية وكثير من رجال الفكر، وكان الشاعر حافظ إبراهيم فى هذه قصيدته الشهيرة المعبرة أحد الشخصيات التى ساهمت فى محاربة تلك الفكرة.

أما الكارثة الكبرى فهى حين حلت فكرة الرقمنة فى عالمنا العربى فى مواجهة العربية الفصحى حيث يعتقد البعض أن اللغة الإنجليزية (أكثر دقة فى التعبير وأكثر حيوية وهى مسايرة لروح العصر)، فى المقابل ليس بمقدور اللغة العربية ذات المفردات المنمقة والشاعرية وذات الجمل المتداخلة التراكيب (أن تجارى الركب فى عالم مرقمن) لم يسبق للكثير منا أن يحاول كتابة رسالة نصية باستعمال الفصحى، فى حين يرى البعض الآخر أن اللغة العربية سليلة منطقة جغرافية لم تسهم فى إنجازات الحداثة منذ زمن بعيد، فكل الذين توصلوا لإنجازات علمية حققوا تلك الإنجازات فى بلدان غربية وعلى وجه الخصوص فى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فإن الشرق الأوسط متخلف وليست لغته الفصحى الممتنعِة إلا انعكاسا لهذا الواقع.

وعلى الرغم من أن للثورة التكنولوجية فوائد جمة، غير أن ذلك لا يخفى أضرارها لعل أهمها ما يتعلق بتهديد اللغة العربية، حيث بات تواصل معظم الشباب الناشئة عبر مواقع التواصل الاجتماعى ووسائل الاتصالات الحديثة يجرى عبر لغة (هجينة) يطلق عليها (العربيزي)، وفى الوقت الذى وجد كثير من الشباب فى (العربيزي) لغة تخاطب فيما بينهم صيغت للتعبير عن آرائهم، يحذر مختصون من (طغيان هذه اللغة وغلبتها لما فيه من تهديد وخطورة على اللغة العربية).

ربما المتسبب فى الضجر فى كل هذا بالدرجة الأولى هى نظم التعليم العربية التى تحاول على ما يبدو حرمان التلاميذ من بهجة تعلم لغتهم الأم وذلك باعتمادها التام على الحفظ الممل والتلقين، إذ لا يشير المنهج الدراسى إلى حقيقة أن كل تلك الحروف العربية المزركشة قد تكون من صميم الحياة الواقعية، وذلك على الرغم من وجود تراث أدبى عربى غزير وثرى جدا يمتد لقرون طويلة، ولكن هذا لا يعنى بأية حال أن العرب لا يعرفون شعراءهم، بل على العكس؛ فبإمكان المواطن العربى العادى، خلافا لنظيره الغربى، أن يلقى بيت شعر تلو الآخر عن ظهر قلب، ولكن السؤال المطروح هنا هو: عندما يستشهد مواطن عربى ببيت شعر من شعر المتنبى (915 - 965 م) على سبيل المثال: (وما الخوفُ إلا ما تَخوَفه الفتى وما الأمنُ إلا ما رآهُ الفتى آمِنَا)، فهل يقتبس شعر المتنبى لأنه قد حفظه نتيجة للتكرار المستمر أو لأنه قد تمكن من شىء من حكمة ذلك الشاعر الفصيح المولود بالعراق؟.

لا شك فى أن بعض قادة دول الشرق الأوسط فى العصر الحديث لا يرغبون بنقاش قد يثرى المعلومات بتفاصيل تاريخية، ولكن يوجد هنالك أيضا أدب معاصر ذو طابع غير مسيس منظوم بطريقة مشوقة، ولا شىء أكثر دلالة على نجاح استراتيجيات التثبيط التى تتبعها السلطات تجاه سوق الكتاب العربى، وهو ما يعنى أنه من الصعب نفى حقيقة أن بعض الأنظمة العربية قد ساهمت عن طريق رقابتها التى لا تغيب وعن طريق البرامج التعليمية العقيمة فى تشجيع حالة عدم الاكتراث باللغة الفصحى، ولكن هل شجعت الأنظمة بالمقابل الاهتمام باللهجات العامية المحلية؟، وهل أدى ذلك لما يمكن أن نصفه بأنه رفض ذاتى لاستخدام الفصحى؟

هذا هو ما يعتقده البعض، فقد اعتاد العرب على امتداد تاريخهم على الاعتناء بلهجاتهم المحكية، ولكنهم فى السنوات السبعين الأخيرة كانوا محكومين من قبل بعض من قادة مستبدين لم يجلبوا معهم إلا الخوف والمشكلات الاقتصادية، ولم يتوقف هؤلاء الحكام قط عن مخاطبة الجماهير فى كل قناة وفى كل مقال صحفى بالعربية الفصحى، ويحدث كل هذا عن غير قصد فى كثير من الأحيان، ولكن يحدث فى أحيان أخرى عن سبق إصرار، وفى المحصلة النهائية يقودنا كل ما سبق إلى أن نطرح تساؤلا غير سار بالمرة: من ذا الذى يمتلك السلطة على اللغة المكتوبة؟، فإن كان التمكن من الفصحى واستخدامها بسلاسة حكرا على الطغاة من الحكام أو على المتعصبين دينيا فإن خطر التلاعب بالجماهير فى الشرق الأوسط المعاصر هو أمر لا مفر منه.

لقد لاحظت مؤخرا إن اللغة العربية تشكو جهل أبنائها بها، وعدم وقوفهم على مواطن الجمال فيها، فتجد فى قراءتهم لها لحنا، وفى صياغتهم لها ركاكة وضعفا، ويرجع هذا فى رأيى إلى الانصراف عن قراءة القرآن الكريم وحسن تجويده وحفظه وتلاوته، فمعظم الطلبة والطالبات بالمدارس لا يحسنون قراءة القرآن الكريم ضبطا وتجويدا وتلاوة، بل نجد التجويد إن درس، فهو يدرس وكأنه مادة منفصلة عن القرآن، وليس جزءا منه، وعلما من علومه، فإذا كان الطالب لا يحسن قراءة القرآن الكريم وتلاوته، فكيف يفهمه ويتدبر معانيه؟ وكيف يستطيع إدراك قوة أسلوبه البياني، وعذوبة ألفاظه، وغزارة معانيه وجزالتها؟، وإذا شرح له معنى الآيات فلا يوضح له بيانها البديع، كما لا يوضح له أسباب إتيان اللفظ فى ذاك المقام، عدا ما يعطى له من آيات فى مواد الأدب.

كما أن الناظر إلى الغالب الأعم من الجامعات العربية مثلا يجدها قد جنحت إلى تدريس طلبتها باللغات الأجنبية، وخاصة فى التخصصات العلمية، متجاوزة بهم لغتهم التى طالما تردد صدى كلماتها فى معاهد العلم ومجالس الفكر فى الأندلس والقاهرة وبغداد وغيرها، وحجة هذه الجامعات أن اللغة العربية لم تعد لغة العلوم فى زماننا، حيث يتناسى القائمون على هذه الجامعات أن لغتنا العربية قد أثبتت جدارتها فى أن تكون لغة لتدريس العلوم فى الجامعات التى سعت إلى هذا بجد واجتهاد كجامعة دمشق مثلا !

وأخيرا فإن حسن الأداء من مقومات قوة اللغة وجمالها، فكلما كان أداء تلك اللغة صحيحا وسليما أضفى عليها جمالا ورونقا يشد انتباه الحاضرين، ويأخذ بألباب السامعين، ويسهم إسهاما كبيرا فى توضيح المعنى والمقصود، ومما يؤسف له حقا أن دروس الأدب والنصوص والمطالعة تفتقر إلى العنصر الجمالى المهم، إذ لا يعيره أساتذة اللغة والأدب أى اهتمام، والكارثة الكبرى هى ما يواجه لغتنا العربية من تحديات ومحاولات لهدم اللغة العربية؛ من خلال مسرحنا المبتذل، وسينمانا ودراماتنا الغارقة فى براثن الإسفاف والتردى باستخدام ألفاظ سوقية وسيادة جهل الغناء على إيقاع صخب المهرجات التى تنعم بالجهل.

إن التهاون فى شأن اللغة الأم ليس هو مجرد خذلان بحق الركن الأساس من أركان الهوية القومية فى ميدان التنافس بين الحضارات، أو هو إضعاف لهذا الركن فقط، بل إن لهذا التهاون ما له من انعكاس على المسيرة التربوية والتعليمية والعلمية والثقافية، فهل نتنبه إلى هذا الأمر، ونعطى لغتنا الجميلة ما تستحقه من الاهتمام والتكريم؟، وهل سيأتى ذلك اليوم الذى نشعر فيه حقا أننا لم نعد بحاجة إلى قصيدة شاعرنا حافظ إبراهيم إلا للدراسة اللغوية فقط، أم أننا سنفاجأ ذات يوم بشاعر حريص على اللغة وقد نظم ـ هذه المرة ـ فى حالنا قصيدة عنوانها (اللغة العربية تنعى أبناءها)؟!.





مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة