أكرم القصاص

محمد أحمد طنطاوى

الصدفة.. دعم ربانى ومنح خفية

الأربعاء، 19 يناير 2022 11:34 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

"ما يحدث عرضاً على غير انتظار، دون توقع"، هذا التعريف الأقرب للصدفة في معاجم اللغة العربية، بالإضافة إلى العديد من التفسيرات والتأويلات الدينية المرتبطة بها، فالمتشددين يرون أن الاعتقاد في الصدفة إلحاد، ومن يتصور حدوث الأشياء دون علم الله يخرج عن الملة، والبعض الآخر لا يتفق مع هذا الطرح ويرى المصادفة حالة عادية قد تحدث لكل منا بصورة أو بأخرى، كأن يرى صديق أو قريب دون ترتيب أو إعداد.

النص القرآني لم يذكر لفظ الصدفة بمعناها المتعارف لدينا، بل جاء ذكر الفعل صدف، ويصدفون بصيغة الجمع، 4 مرات في سورة الأنعام في قوله تعالى " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا"، وهنا صدف عنها بمعنى أعرض وابتعد عنها أو صرف الناس عنها، ثم آية " انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ"، وآية "سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ"، وكذلك آية "بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ"، وجميعها تحمل نفس المعنى، بينما جاءت كلمة "الصدفين" بمعنى مختلف في سورة الكهف في قوله تعالى " حتى إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ"، وهنا بمعنى الجبلين، والآية تتحدث عن قصة ذي القرنين المعروفة في القرآن الكريم.

بعيداً عن التفسيرات والتأويلات المرتبطة بكلمة الصدفة ومعناها وما رسخ في الأذهان عنها، إلا أنها تحمل دلالات قوية وندين لها بالكثير، فالصدف تؤثر في حياتنا بصورة كبيرة، كيف تصنع لنا الأصدقاء في أوقات كثيرة، أو الأعداء في صدف أقل حظاً، كيف تجمعنا بمن نحب أو تفرقنا عنهم؟!، كم مرة كشفتك الصدفة وقادتك إلى مشكلات وأهوال؟، وكم مرة كانت الخلاص من مشكلات وأعباء وعقبات لم تكن تتخيل حياتك بدونها؟، هل فعلا "رب صدفة خير من ألف ميعاد"؟، فهذه العبارة الدارجة على الألسن، لا نعرف حتى من قالها وما قصتها الحقيقية، لكننا نتداولها دائماً في باب محاسن الصدف، ونعتبرها سبيلا للمدح والإطراء.

أتصور أن الصدفة لها الكثير من الفضل في حياتنا اليومية، حتى وإن كانت هامشية أو عارضة، لتصبح واحدة من دلائل الدعم الإلهي والعناية الربانية، التي قد نحظى بها من وقت لآخر، ففي كثير من الأحيان قد تصادف من يقضى حوائجك فجأة دون مقدمات، أو حتى سابق معرفة، فقط ساقته الأقدار ليخفف معاناتك، لذلك تظل الصدفة واحدة من مصادر البهجة الخالصة، التي قد نمر بها، والأثر النفسي الذي تتركه فينا أكبر وأعمق بكثير من حسابات وترتيبات وأفكار قد تفشل جميعاً في مواجهة هذه الصدفة!

الكتب العملية ومبادئ النقد الفني والأدبي تشير دائماً إلى ضعف أي عمل قائم على الصدفة، فلا يمكن لشخص يغرق أن يجد قارب نجاة فجأة دون مقدمات أو ما يشير إلى سبب وجود هذا القارب، ونكران الصدفة هنا مقبول ويضفى على العمل الواقعية ويجعله حقيقياً إلى قلب وعقل القارئ أو المشاهد، لكن الصدفة الحقيقية قد يجد صاحبها الشاطئ قريباً، أو يصادف من يقدم له يد العون، بعناية ورعاية ربانية، وأظن أن ما ساقته الصدف والأقدار لنبي الله يونس، الذي مكث في بطن الحوت عدة أيام، حتى لفظه على الشاطئ، وجاءت ثمرة "اليقطين" التي يعرفها الناس بـ "القرع"، لتضمد جراحه وتشفى ما تعرض له داخل معدة الحوت، فتلك عناية من الله حركتها الأقدار وأكملتها الصدف.

أظن أن الصدف أحد النعم التي يشمل الله بها عباده، ويرسل لهم من خلالها مصادر الدعم والمدد، كما أظنها أحد المنح الخفية، التي تسوقها لنا الأقدار، لتربط على قلوبنا، وتمنحنا السلام والسكينة، بل الطمأنينة أحياناً، وكم من الصدف غيرت مسارنا يمينا أو يساراً، دون أن ندري في حينها ما قد يترتب عليها مستقبلاً، لتظل الصدفة أحد الأسرار التي يجب أن نحترمها، والغيبيات التي لا يمكن أن نتوقعها، بل سياقات ربانية خالصة تدفعنا لأقدارنا دون حول منا أو قوة.




الموضوعات المتعلقة

النسيان.. العقل يختل دون سلة محذوفات!

الثلاثاء، 18 يناير 2022 11:08 ص

فوائد المرض!

الأربعاء، 12 يناير 2022 11:11 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة