أكرم القصاص

محمد حبوشه

(أحمد الحجار) الذي لملم خيوط الشمس ورحل !

الجمعة، 07 يناير 2022 12:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

نقاء القلب يعطي صفاء الفكر، وصفاء الفكر يعطي جمال الروح، وجمال الروح يؤثر على الأخلاق والسلوك .. فأبدئوا بقلوبكم، أن تمتلك قلب نقيا وروحا صافية مع القليل من الحكمة قد ملكت كل شئ في هذا العالم، فيتألق الإنسان بأخلاقه التي تظهر جمال فطرته وتعكس أروع صورة لما يحمله من كنوز دفينة بأعماق وجوده، خصوصا عند القيام بتربية النفس على رقة القلب ونقاء السريرة، ومحاسبة الذات ومراجعتها يوميا، كما جاء في الكلمات المكنونة (حاسب نفسك كل يوم قبل أن تحاسب) ليتمكن من تقويم أية اعوجاجات، وتغذية النفس بحب البشر للإحساس بحلاوة الراحة النفسية التي تأخذنا لعوالم التفاؤل والتسامح وصفاء النفس والوجدان وجل ما ينعش الروح والذات.

ماسبق من عبارات عن (الطيبة وصفاء الروح) كان دستور الموسيقار (أحمد الحجار) رقيق المشاعر الذي لملم آخر خيوط الشمس العفية بالجملة الموسيقية واللحن الرشيق والإحساس الدافئ بالكلمة ورحل عن عالمنا قبل ثلاثة أيام تاركة الساحة تنعق فيها الغربان التي لم يعتد سماعها، ومع ذلك فهو لايمنع وجودها ضمن إيقاع عصر سريع متخم بالفوضى، وهو القائل لو تريد أن تمر لقلوب الآخرين فالكلمة الطيبة هى كلمة السر، فأجمل الأشياء في هذه الحياة وأقلها سعرا وليس لها ثمن عند الكثير من البشر هي الكلمة الطيبة، ومن لديه القدرة على الصفاء وطيبة القلب يستطيع أن يرى أشياء لا يمكن لغيره أن يراها، ولا املك سوى قلبي الطيب وروحي النفسية، فهو معي دائما ويجعلني أرى طريق الخير ويسير به.

وانطلاقا من قاعدة (أن نقاء القلب وصفاء الروح ليست غباء منا ولكن هى فطرة طيبة ونعمة أعطاها الله لنا لكي نكون مميزين)، كان دائما يردد في أحاديثه التليفزيونية القليلة: عودوا أنفسكم أن تكون قلوبكم صافية تجاه الآخرين يجب أن تكون قلوبكم مليئة بالاحترام والحب والمودة والتفاهم فالحياة أبسط من أى مشاعر قاسية أو قلب به كره تجاه الآخرين، والطيبة هى أجمل المشاعر التي يمكن أن يتركها الإنسان بداخله وفي قلبه وهى دليل على حب الله له.

كان يسكن أعماق الفنان المطرب والملحن أحمد الحجار في قراره يقين يثبت بأن النفس البشرية أمانة ربانية بحاجة لعناية روحانية ومعنوية رقيقة تفوق في أهميتها أي شيء آخر في الحياة، خصوصا عندما يمر الإنسان بفترات صعبة وظروف قاسية لكثرة المشاكل والصراعات المنتشرة على كل الصعد، وتؤدي إلى غرس الكراهية في النفوس وتجذرها، ومن ثم اتخذ جانبا واستقر في ركن بعيد عن الأضواء وبهرج الشهرة، حين أدرك أننا نعيش في زمن غريب تزداد فيه سيطرة المصالح الاقتصادية، والنفس المادية، ولغة المال على العلاقات البشرية بدلا من القيم والمبادئ والأخلاق والضمير، لدرجة رؤية من يلتزم بالقوانين والمبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية نفسه عرضة للتساؤل والمحاسبة والنقد والسخرية أحيانا.

كان رحمه الله مدربا على تربية الذات على العطاء والخير لأن هذا من شأنه تعميق العلاقات الاجتماعية، وتنمية أواصر المحبة، وتحمي العلاقات البشرية من الذبول والقطيعة، ولأنه كان زاهدا تقيا ذو مسحة صوفية في محراب الفن كان شعاره الدائم: عندما تختفي القيم والمبادئ التي تشكل فطرة الإنسان وأصله يبدأ المرء مسيرة الغرق في عالم الضياع اللامتناهي والانغماس في الشهوات النفسية والأنانية والفجور ونكران الجميل وظلم الآخرين وفقدان الرحمة والتسامح، عندها يصبح الفرد مصدرا للعبث والاضطراب والدمارِ والفساد والإرهاب على هذا المسرح الكوني.

تعرفه من عوده الذي طالما احتضنه، وابتسامته الرقيقة التي لم تغب عن وجهه، وصوته المميز الذي مزج بين الشجن والقوة والخشونة.. تعرفه من اسمه الذي كان ومازال سمة لعائلة فنية مميزة، ولا تعجب إذا هجر الأضواء والمهرجانات في ترفع نبيل؛ فكان دائما يردد عبارة: (أنا لا أنافس أحدا.. ولا أحب المنافسة).. تعرفه بمجرد أن تسمع اسمه؛ إنه المطرب والملحن أحمد الحجار، ابن الفنان والموسيقار الراحل إبراهيم الحجار، وشقيق المطرب علي الحجار؛ الذي توقفت أوتاره عن العزف في مساء الرابع من يناير، وصمتت حباله الصوتية مع روحه التي صعدت إلى بارئها، وترك خلفه إرثا عظيما من الألحان والأغنيات، التي كانت رزقا عظيما للساحة الفنية.

وفي محطاته علامات مضيئة من الغناء واللحن في حياة الراحل بجسده؛ والخالد بأعماله، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر (أعذريني) والتي قدمها لشقيقه (علي) بعدما بدأ مسيرة احترافه كبيرا؛ وبعدما تسلح بتدريبات والده الموسيقار إبراهيم الحجار الذي كان بمثابة (معهد موسيقى متحرك) ولا توجد مبالغة في التصريح بأن (أحمد الحجار بدأ كبيرا) فكلمة السر هي (اعذريني)، فإذا كان لك ذكرى عام 1981؛ فحتما كانت (اعذريني) جزءا منها؛ فمن المؤكد أنك سمعت كلمات الشاعر محمد العوضي في المحال والبيوت وسيارات التاكسي التي تقول: (اعذريني مستحيل هانسى الليالي/ مستحيل حد ينسى عمر غالي/ ده انتى خنتي قلبي/ بس خنتي قبل قلبي خنتي قلبك.

تلك هى بعض كلمات من أغنية (أعذريني) التي توجها لحن أحمد الحجار لحنجرة شقيقه علي الحجار، وكان هذا الألبوم (وش السعد) لهذا الشاب الذي كان يتحثث خطواته الاحترافية، وقد حقق طفرة هائلة في المبيعات جاوزت 4 ملايين نسخة؛ ليكون بشرى أن السوق المصري يتذوق ألحان الحجار، وفي العام التالي لـ (اعذريني)، كرر (الحجاران) نجاحهما مجددًا عن طريق ألبوم (الأحلام)، وقد استطاع عود أحمد الحجار؛ أن يجذب الانتباه منفردا بنغمات مميزة قد لا تصدق أنها صادرة من تلك الآلة الشرقية، ولكن براعة (الحجار الصغير) استطاعت تقديم كلمات الشاعر جمال بخيت في أبهى صورة ممكنة؛ لتكون الأحلام.

والتعاون لم ينته أو ينضب بين الشقيقين، بل أثمر أغنيات خالدة مثل: (كنت فاكر - أوعديني - لا تسأليني - أنا بيكي يا سمرة أكون - شمعة ودمعة - بحبك وانطلق عصفور - ما تكدبيش - مصرية - ماليش في العند) وغيرهم الكثير، ولكن تبقى (لما الشتا يدق البيبان) الصادرة ضمن ألبوم (أنا كنت عيدك) فى أواخر الثمانينيات، علامة خاصة في تاريخ الحجارين (علي وأحمد)، وهى من كلمات الشاعر إبراهيم عبدالفتاح، صوّرت قصة حب من منظور جديد لا يتشدق فيه الحبيب بعبارات الحب والشوق، أو يستقوي ويغرق في بحور الدراما، ولكن كان التناول مميزا يرصد الذكرى بين الحبيبين والتي أيقظها الشتاء؛ في إشارة إلى الرصيد الكامن بين الحبيبين اللذين لم يستطعا تتويج (معاني الحب التي غنتها النايات) بالنجاح كما جاء في الأغنية التي تبعث على دفئ القلوب.

بعدها توالت ألحانه التى كانت تعزف على المشاعر الإنسانية، فإحساس (الحجار) بآلام الإنسان قوي وصادق،  فلحن من كلمات (جمال بخيت) أغنية (الشيء الصعب) للمطرب (علاء عبدالخالق)، والتى يقول مطلعها: (الشيئ الصعب إن الكلمة تموت في الحلق/ قبل ما توصل أي لسان، ولا جنين يفتكره الموت قبل ما يصبح يوم إنسان، كما لحن لحميد الشاعري (اسمي بشر، عمري ألوف، والإنسانية مهنتي)، ولحن لأنغام (الدنيا براح، وأنا قلبي براح، مش عايزة جراح، أنا عايزة صباح يقابلني بصدق ما اكدبهوش)، ولحن لكلا من (محمد فؤاد، هشام عباس، حسن دنيا، أحمد إبراهيم، أنوشكا) وغيرهم.

ومن أهم التجارب التى قدمها الموسيقار الراحل (أحمد الحجار) تلحينه للعديد من الأفلام والمسرحيات لعل أهمها أغنيات فيلم (أمريكا.. شيكا .. بيكا)، كلمات الدكتور مدحت العدل، والتى تفوق فيها الراحل بشكل عبقري، لهذا جاءت وحتى الآن سابقة عصرها، لأنها كانت وقتها شكل جديد في الموسيقى والتوزيع، وتحمل مفردات رائعة غير مستهلكة، وتضمن الفيلم 6 أغنيات هى (أمريكا .. شيكا بيكا، عم دهب، واتاخد، الغضب، لازم أغني، يعني ايه كلمة وطن) والأخيرة تعتبر من أقوى وأجمل ما تم تقديمه في الغناء الوطني الذي يمس شغاف القلب.

ونقفز على إنجازات كبيرة في حياة أحمد الحجار لنصل إلى 2015، حين أصدر أحمد الحجار ألبومه (أبويا الحبيب) الذي أعاد توزيع وتقديم أغنياته القديمة فيه مجددا، ولكن كان لتلك الأغنية قصة أعمق؛ فرغم تأثير الوالد العظيم في حياة الابن إلا أنه لم يستطع تلحين أي أغنية كإهداء له؛ بسبب تأثره، و قد ذكر ذلك في لقاء إذاعي مع الإعلامي إبراهيم عيسى قائلا: (حاولت قبل ذلك تلحين أغنية لوالدي لكني اعتذرت عن عدم إكمالها.. كنت ببكي دائما وأنا بسمع أي كلمات عنه.. ولكن في يوم وأنا جالس مع ذاتي أتى إلى ذهني كلمات أغنية (أبويا الحبيب)، وكنت أنوي أن ألحنها بشكل بسيط بدون تعقيد ثم ظهرت للنور.

رحل (أحمد الحجار) الذي لحن وغنى العديد من الأغنيات لمعشوقته مصر دون أن يبوح بهذا الحب علنا، أو يذكر اسم محبوبته التى ذاب في هواها وغنى لها قائلا: (هواكي كل ما أملك، أنا اللي عشت أحلم لك، وحتى دموعي تتمنى، أشوف الكون تبسم لك، قولي لي فين أراضيكي، وأنا أزرعها غيطان ونجوم بنن العين أراضيكي)، ولحن وغنى: (على حسب ودادي ح أقابلك، وعيداني تروح لسنابلك، وح اسيب الجرح يعدي، وبكل حنان أوهب لك همسي وبوحي)، والذي أمتعنا بصوته وهو يغني: (ليه قلبي ضايع في المدى؟!، وعينيكي تايهة ف المحال؟! جاوبيني يا نور الوجود، إزاي بنوا بينا الحدود، ولا عادش فاضل مننا، غير ضلنا).

ما سبق كان بمثابة نقطة في بحر موهبة أحمد الحجار، الذي جاوزت مسيرته الاحترافية أكثر من 35 عاما، لم يرتبط اسمه خلالها بأي أزمة أو خلاف؛ فهو احترف العزف والتلحين لا فن التراشق والاحتقان، وعشق الغناء والعود لا الشهرة الزائفة وحب الظهور؛ فليرقد في أمان.. وليستمتع الجمهور بأعماله، ومع ذلك ينطبق عليه قول: (إن مر عصفور يغني مغرما ... كسروا جناحيه أماتوا الزقزقة) .. هكذا يمكن تلخيص حياة الموسيقار الراحل (أحمد الحجار) التي على قدر مرارتها فقد أنتج لنا روائع غنائية ولحنية - ربما تبدو قليلة العدد لكنها غزيرة المعنى والهدف والرسالة وهو القائل :

لملمت خيوط الشمس علشان أغزلك شال

وعزفت حروف الهمس وف أجمل غنوة اتقال

وناديتك ما سمعتيش والحال هواه الحال

علمت الصبر الصبر وسنين العمر تفوت

وف قلبي الشوق والجمر وأنين مدبوح الصوت

وناديتك ما سمعتيش ولإمتى الرد سكوت؟

يا حبيبة ومهرك غالي يا قمر في الليل بيلالي

أنا نفسي تردي سؤال ما ابقاش وحداني الصوت

وناديتك ما سمعتيش ولإمتى الرد سكوت

كان الراحل العظيم يتكلم وكأنه يكاد يعتذر لرفع صوته عن مستوى الهمس .. تمتزج فيه الرقة بالرجولة والحسم، والحياء بالثقة والتعفف، ولقد كان فن (أحمد الحجار) نابع من الأرض التى نعيش عليها فيه قدر هائل من صدق التعبير، ونقاء الروح المصرية، وكانت أعماله تتميز ببساطة اللحن وطبعيته وصدقه وعدم تكلفه أوافتعاله، وكان عزفه على العود يدل على مهارة في تحريك ريشة الضرب بتدفق رشيق يخلو من النتوء والخربشات ويتيسر في سلاسة يزخرفها إبداع ذاتي من ارتجالاته التى يملأ بها ما عساه أن يوجد من أي فراغ زمني، رغم أنه عاصر القبح والمهرجانات المسيئة للغناء.

 

 

 





مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة