أكرم القصاص

محمد أحمد طنطاوى

ثقافة سماعية وأبطال من ورق..

الأربعاء، 20 أبريل 2022 11:04 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

قد تسأل صديق ما رأيك في الرواية الفلانية؟ ويجيب دون تردد: سمعت أنها دون المستوى، وتحمل أفكاراً متطرفة، وتدس السم في العسل"، هكذا نتحدث دائماً ارتباطاً واعتماداً على ثقافة سماعية ساذجة، الكل فيها ينقل لمن حوله، خرافات وأساطير وأمثال شعبية وموروثات قديمة، وعبارات وقصص لها علاقة بالعقائد والأديان، دون أن تشفع لنا معطيات هذا العصر الرقمي، الذي باتت فيه المعلومات متاحة ومتوفرة ولا تحتاج إلى السفر والترحال أو اختبار الرواة، كما كان القدماء، فالمكتبات الإلكترونية تفيض بعلم الدنيا، ومحركات البحث ودوائر المعرفة تشمل كم لا نهائي من الوثائق والكتب.

لست ضد أن يستمع الناس لعلماء ومتخصصين في مجالات مختلفة، لكن الثقافة السماعية نجحت في أن تجعل الأسطورة تخترق رؤوسنا، وصار بعضنا يفكر فيها ويستمع إليها حتى بعد الشباب والمشيب، لدرجة أن أغلبنا بات يتكلم عن أفكار ومناهج وعقائد دون قراءة صفحة واحدة عنها؟!، فلا عجب بأن نرى من يهاجم فكراً أو ينتقده دون التعرف على مدرسته وفلسفته، أو يعطى الفرصة لنفسه أو من حوله للقراءة والتفكر.

لا يمكن إنكار دور الثقافة السماعية في توراث العادات والتقاليد أو الحفاظ على الهوية الثقافية والفكرية للشعوب، ونقل خبرات السابقين وتجاربهم في تحدى الظروف ومواجهة المحن، لكن التزيد في تصوير البعض على أنهم بلا خطيئة أو لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا من خلفهم، واحدة من أكبر عيوب هذه الثقافة، التي غالباً ما تصنع أبطالاً من ورق، وتصبغ البشري بأساطير وحكايات لا تمت للحقيقة بصلة.

عندما كنت طفلاً صغيراً، كنت أظن أن السماء في ليلة القدر تمطر ذهباً وفضة، وأن من يرى تلك الليلة سوف يستيقظ وبيته مملوءة بالكنوز والأموال التي لا حصر لها أو عدد، وهذا اعتقاد مازال موجوداً لدى الملايين، الذين يتصورون أن هذه الليلة المباركة، التي ذكرها القرآن الكريم، وجعلها فرصة للمغفرة والعبادة والتقرب إلى الله، فقط وسيلة للغنى والثراء وحيازة المال، وهذا لا شك فهم منقوص يربط الربوبية والعبادة بمتاع المال الزائل.

لا ينس جيل الثمانينيات الأكذوبة الشهيرة التي كانت تقول إن الفنان عادل إمام، عرض على الحكومة سداد ديونها، مقابل وضع صورته على الجنيه المصري! وقد كنا نصدق هذه الكذبة الساذجة، ونعتقد فيها ونتداولها بيننا وكأنها عين الحقيقة، ارتباطاً بسماع فاسد، وعقلاء أو كبار لم يحاولوا تصحيح هذه الأغاليط، ويدفعوننا إلى التعلم والقراءة للوصول إلى الصواب، فقد كان بعضهم ينعق بما لا يسمع، ويردد ببلاهة كما يردد الصغار.

توظيف الثقافة السماعية في نقل الأفكار لم يتوقف عند حد البسطاء وأبناء الريف فقط، لكنه ارتبط حتى بكبار المتخصصين والعلماء، الذين ينقلون عشرات الأرقام القديمة، والدراسات البالية، ويلقونها على مسامعنا عبر الصحف ووسائل الإعلام ليل نهار، رهانا على قلة حيلتنا، وتخلفنا في البحث وجمع المعلومات، لذلك أتصور أن الثورة على الثقافة السماعية واحدة من متطلبات هذا العصر، حتى نتعلم كيف نناقش وننتقد ونسأل، فالسؤال حتى وإن كان سطحياً، لكنه بداية لطريق الخلاص من أوصياء العقول.




الموضوعات المتعلقة


مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة