أكرم القصاص

محمد حبوشه

جزيرة غمام.. براعة القصة وروعة الأداء

الجمعة، 29 أبريل 2022 07:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
لا شك أن مسلسل (جزيرة غمام) حقق نجاحا كبيرا فى السباق الدرامى فى موسم رمضان 2022، وأول أسباب هذا النجاح هو كاتبه (عبد الرحيم كمال) الذى صاغ سيناريو فائق الجودة، يلمس قلبك ووجدانك ويمنحك جرعة من الجمال والنقاء والحكمة المغلفة بفلسفة عميقة، حيث ينقلك هذا الكاتب المبدع إلى أجواء روحانية محلقا فى عالم (جزيرة غمام)، فتلمس فى سطوره المكتوبة بحب أنه ذلك المتصوف الذى يفخر بتصوفه ويجاهر بشيخه، المفكر الذى لا يستسلم إلى الخيال بل يطوعه لخدمة الواقع، الطفل القادر على الاندهاش وإدهاش من حوله، الساخر الذى يتحدث بمرارة عما يعانيه البشر، والمخلص لما يعتقد أنه صحيح لا يحيد عنه أبدا، أنه المتفائل الذى لا تهزمه العثرات، والمطالب بالتجديد الروحى باعتباره الحل الوحيد لكل ما نعانيه، ليغلف لك (كمال) العمل بدروس روحانية تنقى روحك وتصحح مفاهيم تبدو فى ظاهرها معقدة لكنها بفعل سحر كتابته تبدو سهلة طيعة لخدمة الإنسانية.
 
لقد لجأ عبد الرحيم كمال، هذه المرة فى مسلسله الرمضانى الرائع (جزيرة غمام)، إلى القصص المقدسة التى تثير اهتمام المبدعين على نحو خاص، لما تحمله فى بنيتها من عناصر درامية جذابة، ولكنهم يعجزون عن تناولها بحرية تجنبا للمساءلة القانونية والمجتمعية، فضلا عن أن تجسيد الأنبياء والرسل فى الأعمال الفنية محظور بحكم قضائى فى مصر، ومن ثم يصبح الخيال هنا ملاذا آمنا من القيود المفروضة على العملية الإبداعية، ويلجأ الفنانون إلى تضمين إشارات ورموز تفتح الباب أمام التأويلات والقراءات المتعددة للنصوص، بحيث تخلق صلات بين الماضى والحاضر، دون الالتزام بالمثالية المطلوبة فى مثل هذه الموضوعات.
 
(القلب لو حس كل حاجة هتحس 
قولت أغيب عنك علشان تشتاق 
أنا مشتاق ليكى وإنتى جارى 
كيف اشتياقى ليكى وإنتى غايبة 
مشتاق لإيه؟ 
مشتاق لدوم النعمة 
أنا نعمة!
مشتاق لدوام النعمة
النظر لكى نعمة
سماع حسك نعمة
القرب منك نعمة)..
هذا هو نص الحوار الرائع الذى جاء على لسان (العايقة وعرفات) على شاطئ البحر الأحمر (محور الأحداث) ليلخص لنا قانون المحبة لروحين التقيا وسط غيوم (جزيرة غمام) المسكونة بالشر وركام كثيف من المسكوت عنه فى تشريح النفس الإنسانية، لتحمل كل جملة من جمله (كمال) الروحية حكمة عميقة وصدق يلمس القلوب وسحر يسكن الروح، ويمنحك توليفة من جمال الدين والدنيا نسجها كاتب بارع لتجعلك تحلق وتفكر وتسمو وتعرف وتحب وكأنه يعزف على أوتار روحك، وقد نجح فى تقديم الشيخ عرفات الذى جسده بعذوبة نابعة من فيض روحه النقية (أحمد أمين) الكوميديان البارع ليأتى كصائغ ماهر يجلو الذهب ليلمع، فهو ينزع عنك غبار الكدر والصخب والسوء ليصل إلى خفيات الروح، ويمس جوارح القلب الشجى فيمنح وجدانك جرعة النقاء والمحبة والحكمة.
 
نعم استطاع الكاتب عبد الرحيم كمال أن ينقلنا إلى عالم (واقعي) غير غارق فى براثن الفنتازيا المحيرة فى ذهابها نحو عوالم خفية، بحيث تستمتع من خلاله بجمل حوارية مكتوبة بماء الروح تجمع بين البساطة والصدق والعمق وكأن من كتبها ساحر أصاب سحره كل من شاهد المسلسل، كما أصاب كل الفنانين المشاركين فيه والذين تشبعوا بالشخصيات ولبسوها، ويبزر لنا فى هذا المقام المصنوع بدهشة مذهلة حكمة كلمات عبد الرحيم كمال فى الارتقاء بقيمة الإنسان ومكانته تجسدت فى مشهد صغير على لسان (سمير ابن محارب) الطفل الأسمر الجميل (منذر مهران) الذى وقف أمام استاذه وهو يهينه ويناديه بكلمة (جحش)، ليقول فى صدق وإبداع كلمات قليلة لكنها عميقة المعنى وبليغة الآثر:
أنا مش جحش أنا سمير
أنا أحلى حاجة فى الدنيا
أنا أهم حاجة فى الدنيا
أنا أغنى واحد فى الدنيا.
سحر آخر أضيف لكلمات عبد الرحيم كمال جاء فى موسيقى تليق بهذا الإبداع وتعبر عنه وضعها المبدع (شادى مؤنس) لتكون الموسيقى بطل من أبطال جزيرة غمام تعبر بوضوح وصدق عن كل مشاعر الحزن والفرح والحب والغموض والسحر، كما صنع شادى من التتر تحفة فنية تخللتها أبيات: (بعدتم ولم يبعد عن القلب حبكم.. وغبتم وأنتم فى الفؤاد حضور)، ليعيدنا إلى زمن التترات الجميلة الباقية والراسخة فى أذهان الملايين ببصمة وصوت صاحب الحنجرة الذهبية على الحجار، وكلمات الشاعر الجميل إبراهيم عبد الفتاح على تتر البداية .
 
عبد الرحيم كمال يغزل قصة خيالية يصبغها بطابع تراثى، وقد اجتهد صناع (جزيرة غمام) على أن تعكس ملابس الممثلين والديكورات أجواء ما قبل 100 سنة، وهو ما يمنح العمل طابعا جذابا لما فى العادات والملابس القديمة من حنين لدى المشاهدين، حيث قدم شخصية غجرية اسمها (العايقة)، تنتمى لقبيلة من الغجر من الذين يفدون على مصر من الصحارى ولهم حياتهم الخاصة، وتدور الصراعات على نيل حبها وهى تمثل غواية الدنيا، وهنا يأتى حوار عبد الرحيم كمال ليس مجرد كلمات للدراما على جناح الشعر والفلسفة، لكن فى بعض الأحيان عبرة ومنهج حياة، حتى أن كل واحد منا فى عصرنا الحالى بموجب تلك الأحداث يخال أنها تعكس الواقع المعاش، وبالتالى يبحث عن إجابات شافية للعيشة والحياة والسياسة، وقد تبدو نوعية الكتابة تلك مرهقة والأحدات معقدة، لكنه يبقى هذا مسلسلا بديعا ومبهرا فى لغته الدرامية التى تستحق المشاهدة.
 
أعترف أنى من مريدى (عبد الرحيم كمال) فى كتاباته التى يحلق بها وبنا دوما فى عوالم مغايرة لما اعتدناه فى دراما هذه الأيام، فهو عادة ما يتحفنا بأعمال ملوءة بالألغاز، بحيث يجعل المشاهد فى حالة ترقب وفضول وتساؤل حول ما يقصده من رسائل فى طى دراماه فائقة الجودة، وها هو فى (جزيرة غمام) يقدم لنا عالما خاصا جدا بحبكة درامية فى سيناريو وحوار واحد يذكرنا بقصة سيدنا يعقوب، كما جاء فى سيرة (الشيخ مدين) حكيم القرية الذى غادرها فى الحلقات الأولى، وحكاية (الشيخ عرفات) التى تذكرنا بحكاية ظلم سيدنا (يوسف) على يد أخواته، وربما إذا دققنا أكثر فى تصرفاته تجد فيها المقابل الموضوعى لشخصية (المسيح) عيسى ابن مريم، كما أنه عمد إلى عرض جوانب من شخصية الشيطان فى صورة إبليس الرجيم (خلدون) الذى يرمز للمسيخ الدجال فى كل تصرفاته، كما أنه لم ينسى أن يرمز لـ (العايقة) بغواية الدنيا، والتى تقترب فى ملامحها من (مريم المجدلية)، كما جسدتها ببراعة (مى عزيز الدين) التى أعادت اكتشاف نفسها فى هذا المسلسل.
 
أجمل ما فى هذا المسلسل الصعب فى أحداثه الممتعة فى تجلياتها وتقلباتها المرعبة تارة، وتارة أخرى قدما لنا (كمال) بمثابة واحة راحة وأمان مسكون بالحب والزهد، أكسبتها الموسيقى التصويرية طابعا جميلا، ولعل الأجمل فى (جزيرة عبد الرحيم كما)، هو أنه قدم عملا يحمل فى طياته صورة فلسفية فى حكاية أسطورية، لكنها ربما تقدم إسقاط على واقعنا الحالى فى ذهاب نحو تجديد الحطاب الدينى، ليقع المشاهد فى حالة من التشويش بين متعة المشاهدة ومحاولة فك رموز العمل، وبين التشويق الفنى فى عرض الحدث والإطالة فى بعض الأحيان، وقد تجلى ذلك فى أداء كل:
 
(طارق لطفي) ذلك الفنان الذى هو دائما فى سباق مع نفسه ليبقى على قمة مدرسة الأداء السلس، فقد تمكن من تقديم شخصية (خلدون) بالصوت والابتسامة ليبدو فى ظاهره الطيبة والمحبة لكن باطنه شيطان يوسوس للناس بالمعاصى، استخدم (طارق) ببساطة غى رمخلة الصوت الهادئ وكلماته الموزونة بالقافية، مستخدما أسلوب المذلة بثبات انفعالى للشخصية ليصل إلى ما يريد، ونظرات عينيه اللامعة معبرا بها عن نواياه الخفية، أداء خرافى ومرعب إلى الحد الذى جعل أغلب المشاهدين يتمنوا لو يستطيعون قتله بالخنق أو الرجم ليتخلصوا من الشر، ومن هنا تفوق طارق لطفى على نفسه، بعدم تكرار نمط الأداء لشخصية الشرير المعتادة فى دراما هذه الأيام .
 
(فتحى عبد الوهاب) برع فى تقديم شخصية الشيخ المتسلط والذى يريد تطبيق الشرع الجهادى بنظرات حادة وأداء صوتى يوضح إصراره، كما يظهر الحقد الذى بداخله لمن حوله فى نظراته أكثر من كلامه، وهو أيضا متفرد فى أداء كل الشخصيات دون تكرار أو الوقوع فى النمطية، وكذلك الحال مع (أحمد أمين) الذى جاء اختياره موفقا لدور (عرفات)، فهو ممثل مبهر فى أداء الشيخ الزاهد دون أن يكون مريضا نفسيا، ويدمع قلبه قبل عينه مما يجعل المشاهد يتعاطف معه رغم مظهره الرث، فالمعجزة ليست خرافة، لكن داخل كل إنسان قوة غير محدودة، لو وثق فيها تبرق وتحطم كل الحجب والأسوار، وهكذا استطاع (عرفات)، أحمد أمين، الشخصية النورانية أن ينفذ من السور ومعه مجموعة من الأطفال، وهم المعادل الموضوعى للنقاء والفطرة، أهل (غمام) شهود على المعجزة، ورغم ذلك هناك من يتشكك.
 
(رياض الخولي) الذى جسد شخصية (المستبد العادل)، يحكم على الناس بعد أن منحوه السلطة، هو يرنو للعدالة، لكن بين الحين نرى الكفة وهى تميل، وهو ما يعبر عن احترافية عالية فى أداء يتسم بالقوة والجبروت، وكذلك الحال مع الفنان المخضرم محمود البزاوى الذى يستطيع أداء كل شخصية وعكسها بفضل امتلاكه قدرة وموهبة فنية كبيرة من خلال تجسيده شخصية (البطلان)، وعلى درب الأداء فائق الجودة يأتى الموهوب جدا (محمد جمعة) الذى جسد شخصية (الشيخ يسرى)، بما يحمله من غموض وتناقضات، والفنانة الكبيرة صاحبة الحضور المميز وفاء عامر التى جسدت دور (هلالة)، ورغم قلة مشاهدها تستطيع أن تسحرك وتخطف عينيك بأدائها الرصين المتمكن الواعى لكل تفاصيل الشخصية.
 
أما الفنانة (مى عز الدين) بدور (العايقة) فقد لفتت الأنظار إليها من الطلة الأولى لها على الشاشة، واستطاعت أن توصل فكرة الصراع بين الخير والشر فى النفس البشرية بسلاسة وانسيابية، وعلى دربها حاءت (عايدة فهمى) والتى جسدت دور الخالة (مليحة) الكفيفة فى المسلسل فقد تفوقت على نفسها لتجسد أجمل أدوارها، وتؤكد أنها فنانة من العيار الثقيل تحمل من الخبرة والموهبة ما جعلها تبدع فى كل مشاهدها بالمسلسل وهى تجسد دور الجدة الكفيفة التى تبحث عن قاتل حفيدتها.
 
وأخيرا أقول: لقد برع الكاتب المبدع عبد الرحيم كمال الذى يعتبر بطل العمل دون منازع، ومعه المخرج المبدع حسين المنباوى، ومدير التصوير إسلام عبدالسميع، والفنان شادى مؤنس صاحب الموسيقى التصويرية، وكل الطاقم الفنى والتقنى، دون أن ننسى فضل (شركة سينرجى للإنتاج الفني) التى جمعت هذه التوليفة ووقفت على إنتاج وإخراج هذا العمل إلى الوجود، وإذا كان هذا العمل ناجحا فى كل أبعاده فيبقى البعد القريب منا نحن الجمهور هو البعد التشخيصى، فهو ما نراه أمامنا وما نلمسه بعيوننا، وكما قلت فهذا البعد أثثته مجموعة من الممثلين الكبار الذين ساهموا فى إنجاح رؤيته الفكرية أولا ثم الإخراجية، تماما كما خطط لها، فقد ارتدت كل ممثل عباءة مختلفة ومتجددة بتشخيص قوى وصادق ومقنع جدا وإيقاع أداء هو الذى يظبط ميزان كافة الشخصيات، ويجعل حضوره قويا فى كل المشاهد حتى إن لم يكن متواجدا فيها.. تحية تقدير واحترام لصناع (جزيرة غمام) فى متعتها الصادقة بمزيج من الدهشة والإبداع.
 
 
 
 
 
 




مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة