أكرم القصاص

بيشوى رمزى

فنلندا والسويد ومقامرة التخلى عن نموذج "جنيف"

الأربعاء، 22 يونيو 2022 07:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
ربما كان الطلب الذي تقدمت به كل من فنلندا والسويد للانضمام إلى حلف الناتو بمثابة "مقامرة"، في ظل حالة التصعيد التي تشهدها منطقتهما، على خلفية الأزمة الأوكرانية، والتي اندلعت جراء مخاوف روسيا تجاه توسع الحلف، في مناطقها الاستراتيجية، وهو ما يجعل مثل هذه الخطوة مجالا جديدا للتصعيد، مع حالة التحفظ الروسي، من جانب، بالإضافة إلى تخلي الدولتين الواقعتين في منطقة أوروبا الشرقية عن موقفهما المحايد، والذي نأى بهما من مخاطر الصراع الدولي لعقود طويلة من الزمن، منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة، وهو الأمر الذي منح لهما قدرا من الوجاهة الدبلوماسية، في ظل مواقف معتدلة، تبناها معا، دفعت نحو الثقة الكبيرة بهما، في العديد من المواقف السياسية.
 
ولعل الحديث عن "الوجاهة" الدبلوماسية، يعيد إلى الأذهان، حالة التوافق بين الولايات المتحدة وروسيا، لاختيار هلسنكي لتكون مقرا للقمة التاريخية التي عقدت بين الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره السابق دونالد ترامب، والذي جاء بناء على الموقف المحايد للدولة الإسكندنافية، تجاه طرفي المعادلة الدولية، لتتحول العاصمة الفنلندية إلى أحد "وجهات" الدبلوماسية الدولية، على غرار مدينة جنيف، والتي أصبحت بفضل حالة الحياد السويسري، أبرز مدن السياسة العالمية، عبر استضافة العديد من القمم بين الخصوم الدوليين، وعلى رأسهم واشنطن وموسكو، لعقود طويلة من الزمن، منذ قمة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان ونظيره السوفيتي ميخائيل جورباتشوف في عام 1985 والتي عقدت بجنيف، وانتهاءً بقمة بايدن – بوتين في شهر يونيو من العام الماضي، في نفس المدينة.
 
وعلى الرغم من حياد جنيف، تبقى العلاقة بين الناتو وسويسرا أقرب إلى التحالف الاستراتيجي، في ظل التدريبات المشتركة بين الجانبين، وكذلك التنسيق الأمني، مما ساهم في العديد من المزايا التي حظت بها سويسرا، من قبل "المعسكر الغربي" على المستويين الأمني والعسكري، طيلة السنوات الماضية، في الوقت الذي تمتعت فيه بقدر كبير من ثقة روسيا، مما وضعها بمنأى عن حالة الصراع.
 
وهنا تصبح الخطوة التي تقدمت بها الدولتان الاسكندنافيتان، لا تمثل فقط تقويضا لدور دبلوماسي محتمل في ظل وثوق كافة أطراف المعادلة الدولية بهما، وإنما أيضا تعد بمثابة نزولا متعمدا إلى مستنقع الصراع، خاصة وأن وضعهما بعيدا عن "الناتو" كان بمثابة حماية لهما من الدخول في أي صراع محتمل مع روسيا، وهو الأمر الذي تغير بصورة كبيرة إثر مطالبتهما بعضوية الحلف، الذي يمثل رمزا تاريخيا لدول المعسكر الغربي، حيث خرجتا معا من "مربع الحياد" المعتدل نحو الانحياز الصارخ تجاه طرف على حساب الأخر، وهو ما يمثل رسالة عدائية مباشرة لروسيا.
 
الخطوة التي اتخذتها فنلندا وروسيا، والتي جاءت بدعم كبير من الولايات المتحدة، ربما تعكس في جزء منها محاولات واشنطن لاستقطاب كافة دول الاتحاد الأوروبي، في مناطق لم تكن تمثل أولوية كبيرة من قبل، على حساب حلفاء أمريكا الرئيسيين، في منطقة أوروبا الغربية، حيث تساهم في جانب منها إثارة مخاوف القوى الغربية الكبرى حول التخلي الأمريكي الكامل عنهم، في ظل تقارب ملموس مع دول تجمع فيشجراد والدول الإسكندنافية، بالإضافة إلى إثارة مزيد من الصراع بين "أوروبا الموحدة" وروسيا، خاصة وأن الأخيرة باتت تضع الكيان الأوروبي الموحد في "كفة واحدة" مع الناتو، وهو ما القارة العجوز على خط المواجهة المباشرة معها، في مرحلة تبدو في غاية الحساسية من حيث العلاقة بين الاتحاد الأوروبي من جانب وخصومه وحلفائه معا من جانب أخر، في إطار حالة أشبه بـ"المؤامرة" الدولية لتقويض حالة الاتحاد التي حظت بها أوروبا منذ عقود طويلة من الزمن، وهو ما تناولناه في مقال سابق.
 
وهنا يمكننا القول بأن الموقف الذي تتبناه فنلندا والسويد يحمل في طياته تداعيات كبيرة، سواء على مستوى الصراع الراهن، في إطار رؤية موسكو للخطوة باعتبارها تصعيد، ناهيك عن تقويض مكانة دولية مميزة كانت تحظى بها البلدان، في الوقت الذي تتأكد فيه محاولات دولية لتوريط القارة، في صورتها الجمعية في صراع مستقبلي، لن يقتصر في حقيقة الأمر على روسيا، وإنما قد يمتد إلى دول أخرى، وعلى رأسها الصين، والتي تبدو هي الأخرى أحد وجهات الصراع الدولي، في مراحل مستقبلية ربما ليست بعيدة على الإطلاق.




مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة