أكرم القصاص

بيشوى رمزى

بولندا و"أوروبا الموحدة".. مفترق طرق

الخميس، 09 يونيو 2022 12:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
علاقة متشابكة، تحمل في طياتها العديد من التعقيدات، تجمع بين بولندا والاتحاد الأوروبي، وذلك بالرغم من عضوية وارسو في "أوروبا الموحدة"، إلا أن الخلافات تبدو كبيرة بين الجانبين، فيما يتعلق بالعديد من القوالب التقليدية، التي طالما تبنتها دول "المعسكر الغربي"، وعلى رأسها الجدل الكبير حول الديمقراطية، وحرية القضاء، ناهيك عن الموقف البولندي المتشدد تجاه اللاجئين، والذي يرجع إلى عدة سنوات للوراء، مع تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، إلى دول القارة العجوز، مع تفاقم الأوضاع في الشرق الأوسط، في أعقاب الربيع العربي، في الوقت الذي استقبلت فيه عواصم أوروبية أخرى، الألاف منهم، وعلى رأسهم العاصمة الألمانية برلين، مما وضع بعضها في مأزق إثر مخاوف أمنية تارة، وعقبات اقتصادية تارة أخرى.
 
إلا أن الموقف البولندي شهد تغييرا ملموسا، مع اندلاع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، مع استقبال أعداد كبيرة من المواطنين، ربما لإبراز قدر من التضامن مع الغرب، في مواجهته أمام موسكو، في المرحلة الراهنة، وذلك بعد شهور من اشتباكات عنيفة، مع بيلاروسيا، بسبب محاولات الأخيرة تصدير أزمة اللاجئين إلى وارسو، بينما يمثل هذا التغيير في الوقت نفسه انعكاسا صريحا لرغبة كبيرة في دور أكبر على المستوى القاري، في ضوء معطيات عدة أبرزها، تحول الاهتمام العالمي بصورة كبيرة، من الجانب الغربي من القارة العجوز، والتوجه الصريح نحو الشرق، في إطار محاولات صريحة لتطويق روسيا والصين، وهو الأمر الذي بدأت إرهاصاته، مع حقبة الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي توجه شرقا على حساب الحلفاء الغربيين، في الوقت الذي حملت فيه بولندا أهمية خاصة، في أجندته، وهو ما بدا في اختيار وارسو لتكون محلا لانعقاد مؤتمر الشرق الأوسط في فبراير 2019، ناهيك عن الحديث عن نقل قوات أمريكية من الغرب الأوروبي إلى الشرق وتحديدا إلى بولندا.
 
وهنا يبدو اهتماما أمريكيا ملموسا بالشرق وتحديدا ببولندا، وهو ما يرجع في جزء منه إلى الجغرافيا، بسبب حدودها مع موسكو، أو تاريخيا باعتبارها جزء من الاتحاد السوفيتي السابق، مما دفع وارسو إلى استشعار أهميتها على الساحة الدولية في المرحلة الجديدة من الصراع الدولي، والذي ينبئ لا محالة عن نظام دولي جديد، وهو ما منحها قدر كبير من الزخم، سمح لها بمواجهة شركائها الأوروبيين، وفرض رؤيتها فيما يتعلق بالقضايا الخلافية، والتي تتعلق بالدخل البولندي، بعيدا عن الإملاءات التي حاولت قيادات "أوروبا الموحدة" فرضها عليها.
 
ولكن مع التغيير الملموس في التعامل مع قضية اللاجئين، ربما تقدم وارسو نفسها كقيادة قارية، بعيدا عن القيادات التقليدية، والتي انحصرت تاريخيا في بريطانيا وفرنسا، واللتين اعتمدتا قوتهما العسكرية، ونفوذهما التاريخي لعقود طويلة، في قيادة أوروبا، لتستلهم النموذج الألماني، بعدما نجحت برلين في قيادة القارة عبر الاتحاد الأوروبي، بفضل الوحدة التاريخية، التي أنهت فعليا حقبة الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن التمسك الكبير بالمبادئ التي طالما أطلقها المعسكر الغربي، وهو ما تجلى في الاستقبال الحافل للاجئين القادمين من الشرق الأوسط في السنوات التي سبقت تقاعد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتي لعبت بدورها بفضل علاقتها القوية بواشنطن، خاصة في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما دورا محوريا في الاحتفاظ بالقيادة القارية لسنوات.
 
ولعل مسألة استقبال اللاجئين القادمين من أوكرانيا، تمثل امتدادا لعدائها التاريخي مع موسكو، وهو ما يمثل نقطة إيجابية أخرى تضاف إلى مؤهلات وارسو للقيادة، في المرحلة المقبلة، مع الصعود الكبير لروسيا، وقدرتها على القيام بدور في صد الخطر القادم من روسيا، والذي يمثل تهديدا للقارة بأسرها، وهو ما يمثل استلهاما للنموذج البريطاني "المتمرد" على قواعد الوحدة الأوروبية برمتها، ليرسم لنفسه طريقا في القيادة بعيدا عن الاتحاد الأوروبي، عبر استخدام "الفزاعة" الروسية، وهو ما سبق وأن استخدمته مرارا وتكرارا، منذ عصر تاتشر، والتي سعت للدفاع عن بقاء الاتحاد السوفيتي، ومنع انهيار حائط برلين، رغم تاريخها المعادي للشيوعية، ثم تكرر في عصر توني بلير والذي كشفت تصريحات استخباراتية قبل عدة سنوات عن دور كبير للندن في عهده لدعم صعود بوتين إلى الكرملين لأول مرة، في محاولة لإحياء الشبح السوفيتي، باعتباره السبيل لعودة الدور البريطاني، ناهيك عن استدعاء المخاوف الأوروبية خلال عهد تيريزا ماى، عبر تفجير قضية محاولة تسميم العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال وابنته يوليا، في محاولة لحشد الدعم الأوروبي لبريطانيا قبل الطلاق من "أوروبا الموحدة".
 
وبين استلهام النموذج البريطاني والرؤية الألماني، تبقى بولندا عند مفترق الطرق، بين ما يمكننا تسميته "بوليكست"، عبر التمرد من الاتحاد الأوروبي إذا ما تواترت الضغوط عليها، من قبل الشركاء الأوروبيين فيما يتعلق بالأمور في الداخل، وهو ما يبدو مستبعدا في اللحظة الراهنة في ظل الصراع الراهن مع موسكو، أو الانغماس داخل "أوروبا الموحدة" عبر التحول إلى عضو "قائد"، في الوقت أن الأمور تبقى مرهونة في جزء كبير منها بالموقف الأمريكي، من التكتل برمته، وهو ما بدا إبان الخروج البريطاني، والذي شهد ضغطا أمريكيا متزايدا ليكون انفصالا "خشنا" إلى الحد الذي أجبر ماى على الاستقالة من منصبها، ليحل محلها بوريس جونسون، والمعروف بميوله المناوئة للاتحاد الأوروبي.
 
وهنا يمكننا القول بأن بولندا لن تكون رقما سهلا في المعادلة الأوروبية، في المرحلة المقبلة، ومن ورائها تجمع "فيشجراد"، والذي بات يمثل أهمية كبيرة في التوازنات الدولية داخل القارة العجوز، في ظل حالة التقارب السياسي والثقافي التي تجمع أعضائه، ناهيك عن اقترابه من مناطق الصراع الجديدة، وبالتالي إمكانية الاعتماد عليه في المواجهة الدولية الراهنة.




مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة