أكرم القصاص

محمد حبوشه

منير عامر .. رحيل صاحب الإحساس المظبوط

السبت، 30 يوليو 2022 01:20 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
آمن بأن كل الطرق إلى الله مزهرة، فالقلوب البيضاء النقية الطاهرة لا تغيرها كثرة الشرور، ولا يضر بعد المسافات متى تقاربت القلوب وتعارفت الأرواح وتواصلت بالدعا، الحس المرهف رزق وهبة ومنحة ربانية وصاحب الحس المرهف ذو عاطفة جياشة بديعة ومشاعر رائعة ورقة نادرة هو أقرب إلى الجوهرة الكريمة ولا يشبه الذهب والماس، ذو روح وثابة وقلب عفيف راق، يسابق عقله النظيف وقلبه العفيف يسابق روحه الوثابة وأعصابه المتوهجة متسق مع ذاته للضرورة البشرية والراحة النفسية والحالة الاجتماعية، ذو ذوق عال، وأدب جم، وإنسانية مفرطة، وابتسامة حانية، فالذوق سلوك الروح، والأدب شيم الأمراء، والاعتذار عن الخطأ نهج العظماء، وكلمة الحق طريق الأولياء، والصمت زينة الأتقياء، والابتسامة خلق الأنبياء، والرحمة تعني إنسان.
 
هكذا كان الراحل العظيم الذي رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة، الكاتب صاحب الإحساس المظبوط (منير عامر) الذي لم تفارقه ابتسامة خجول طوال حياته، وقد لاحظت ذلك عندما كنت ألتقيه في دهاليز (الأهرام) التي أحبها حتى الثمالة، وهو القادم من مؤسسة (رزواليوسف)، فقد تمتع هذا الرجل الدقلهلاوي ابن قرية (كفر بداوي) الجميل خلقا وروحا وثابة نحو حدود الكتابة الممتعة بأسلوب السهل الممتنع، ولما لا وهو واحد من عمالقة الكتابة الناعمة، والكلام الرقيق أطايب الكلم مفاتيح تقفل بها أفواه وتفتح بها قلوب، وتنير بها عقول، ونظرة القلب أمضى من رؤية العين، قرأت عنوانا طريفا عن أن بعض خبراء الكمبيوتر صمموا كمبيوترا يستطيع معرفة حال مستخدمه من حيث الشعور بالألم والفرح والسعادة والشقاء والرضا والغضب فتأثرت حقيقة واستغربت كثيرا بحال البشر الذي لا يبالي بغيره ولا يتأثر قلبه بتقلبات الدهر بمن حوله ولا يستشعر أفراحهم وأحزانهم، غناهم وفقرهم، سعادتهم وشقائهم، وعلى الفور تذكرت أن منير عامر هو واحد من كتاب الإحساس المرهف المغلف بمشاعر متدفقة.
 
كان لدى الراحل الكبير (منير عامر)، معان جامعة لمفهوم السعادة، ومن خلال هذه المعاني تمكن صاحب الكلمات الراقية والإحساس الرائع، من أن يجعل من الكلمات قناديل مضيئة في العتمة، واستطاع أن يرسم بحروف الأنيقة الكثير من المعاني الرائعة، لذا فكل كلمات المدح تليق بك يا صاحب الوجه البشوش، فروحك المرهفة حاضرة في كل حرف كتبته وكل خطوة مشيتها بخفى حنين في طرقات (الأهرم)، فقد كانت الكلمات كلها طوع قلمك وإحساسك الرائع وأنت تمنحنا إحساسا مذهلا، وأنت تصف ما يدور في خلدك من كلام وأحاسيس، دامت كلماتك أيها المبدع فخرا للكتاب العظام، وملاذا للحروف الجميلة، والأحاسيس الراقية، أيها الكاتب الفذ، يا من تتعلم منك العبارات معنى الإبداع، وترسم كلماتك أشعة الشمس الذهبية لتأخذ من حنايا الإحساس الرائع درسا جميلا، دامت حروفك مبدعا ودام إبداعك في كل يوم، ودام الفخر فيك من الجميع.
 
 ياكاتب الحب والفرح والحياة وداعك مر، ويا سيد الإحساس المرهف الراقي الذي يتغلغل إلى أعماق القلب على شكل عبارات وجمل رقيقة تملأ الروح جمالًا وروعة، كما أنك أنت صاحب إبداع لا ينضب، أيها الكاتب المتجدد في حضوره وإلقائه، أنت بحق صاحب إحساس لا يشق له غبار، ولا يستطيع أي أحد مجاراتك وأنت تقول كلماتك بكل حب، اسمح لنا أن نقول فيك ما تمليه علينا ضمائرنا ونخبرك بأنك مبدع حقا وبأن إبداعك يتجاوز الوصف، الكتاب كلهم في كفة وكلماتك أنت في كفة، ذلك لأنك الوحيد الذي استطعت أن تلمس في قلبي إحساسا عظيما تدفق مع حروفك، وداعا لجسد ورى الثري، لكن  إبداعه سيظل نهر يتدفق بالفرح في قلبك، وجمال روحك وأنت تكتب كلمات بكل حب وأمل، أيها الكاتب الرائع الذي أضاف للنثر معنى إضافيا أجمل، وجعل فيه كمية رائعة من الحب والبهجة غير المصطنعة.
 
أنت أروع الكتاب وأكرمهم لأنك منحتنا إحساسا قويا بمعنى الكلمة وعظمة تأثيرها وقوتها، لو سألوني عن إحساسي وأنا أستمع بحرفك المفعمة بالحب والحيوية، لأخبرتهم عن كاتب فخم في حضوره ورقيقا في إحساسه ومبدعا في تأثيره، فأنت الذي يغزل الكلمات بكل حب وفرح وجمال، دام إبداعك الرائع، أيها الكاتب الذي تستحم كلماته بأشعة الشمس الذهبية وتتعطر بالمسك والريحان وتفوح بكل قوة وجمال مع كل نسمة تتراقص في الحياة، أنت من أحب الحياة والجمال ويليق به أن تكون كاتبا محبوبا تتزين له الكلمات والعبارات وتقول له: دمت في كامل بهائك وحضورك النقي، يا كاتب الورد والحروف الموحية، ويا سيد الكلمات ومبدع الرسم بالحروف، عندما نحاول أن نصفك فإنما نصف إحساسك المبدع، لكننا نعجز أن نكون مثلك في إبداعك الذي يعطينا إلهامًا رائعًا يسكن فينا.
 
ربما يصفك البعض بأنك شخص شديد الحساسية، تتأثر سلبا بأقل المواقف والتغيرات من حولك، لكن هذا الوصف لا يعني مجاملة أو مبالغة في وصف الشخصية، فقد يحتاج إلى مراجعة سلوكك ومواقفك، لتتمكن من تقييم نفسك، فقد كنت من ينطبق عليهم قول (إلين آرون): لدى الأشخاص المرهفين (كراهية العنف والقسوة: فهم حساسون للغاية تجاه رؤية أو سماع حوادث مفجعة أو مشاهدة أفلام عنيفة أو دامية أو مخيفة، أو أشياء عن القسوة على الحيوانات أو أي أعمال وحشية مماثلة)، تماما كما عبرت عن ذلك في كتاباتك المذهلة.
 
منير عامر كان واحد ممن يتأثرون بالجمال: الانفعال الملحوظ بكل شيء جميل، أكلة شهية، رائحة غنية، عمل فني، لحن موسيقي، لدرجة تشبه الغيبوبة، والصدمة في الوقت نفسه لأن من حولهم لا يشاركونه الانبهار ذاته، كان التعاطف عنوانك الأبدي فأنت من مرهفوا الحس يتمتعون بمستويات مرتفعة من التعاطف، فسرعان ما يستشعرون عواطف الآخرين ويتماهون معها حتى لو كانت لا تخصهم، مما يجعلهم يعانون من الإرهاق العاطفي المتكرر، فضلا عن قوة الحدس: فهم يقرؤون أفكار من حولهم ويستشعرون حالاتهم المزاجية من خلال إدراكهم للتفاصيل وتعبيرات الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت.
 
الراحل العظيم (منير عامر) كان شغوف بالعلم، ويتحرى الأمانة في أدق التفاصيل، وتدفعه الرغبة في المنافسة لتحقيق الأفضل؟، وكان لديه القدرة على التكيف، ولا يقف طويلا أمام ما لا يمكن فهمه، بل إنه على استعداد للمغامرة في سبيل تحقيق الهدف؟، وإن من يتمتع بهذه الصفات، فهنيئا له، فقد أثبتت دراسة جديدة أجراها خبراء نفسيون أن تلك هى السمات للشخصية صاحبة الإنجاز التي تؤهل صاحبها للنجاح مستقبلا، وأنت كنت من هؤلاء البشر، إنطلاقا من أن السر وراء النجاح يكمن في معرفة الإنسان بقدراته قياسا على تلك الصفات، والاستفادة من قوته، وتلافي مواطن ضعفه، عندها يمكن أن يخطو واثقا لفهم الكيفية التي تؤثر فيها الشخصية على نجاحه في حياته العملية.
 
شغف المعرفة ساعد (منير عامر) على التعلم، وزاد من الشعور بالرضا في عمله الكتابي، ووقاه من استنفاد الطاقة، ويشير (ماكراي) إلى أنه لتحقيق النجاح يتعين أن تتوافر السمات بدرجة معينة دون زيادة أو نقصان، كما يشير إلى أن توافر بعضها أهم لبعض الوظائف مقارنة بأخرى، فالعمل في مجالات الكتابة يتطلب توافر بعضها بدرجة أعلى، لكن ذلك يلزمة دقة التفاصيل فيتسم من يتحلون بتلك الصفة بالالتزام بالخطط والعمل على تطبيقها تطبيقا حرفيا، فهم غير مندفعين، ويقيمون بدقة القرارات لمعرفة الصائب منها على المدى البعيد، وناهيك عن مستوى الذكاء المرتفع، فعادة ما تعتبر صفة الدقة من أفضل المحددات للنجاح الأكاديمي، أما في سوق العمل الكتابي، فتعد الدقة والتقيد بالتفاصيل أمرا أساسيا للتخطيط الاستراتيجي الجيد، لكن الإفراط في تلك الصفة يجعل صاحبها متصلبا ومفتقرا إلى المرونة، وتلك كلها صفات لا توجد في شخصية (منير عامر) الكاتب الإنسان.
 
القدرة على الاستماع لآراء شتى، والتعامل مع وجهات نظر معقدة ومتنوعة، كانت صفات واضحة تدل على سمة من سمات شخصية (منير عامر) الناجحة في التعبير عن آلام البشر برشاقة اللغة وشاعرية الإحساس، فقد توصلت بعض الدراسات إلى أن القادرين على التعامل بشكل أفضل مع نقص المعطيات يكونون أكثر قدرة على استيعاب وجهات نظر أكثر قبل اتخاذ القرارات، ما يجعلهم أقل تصلبا، وأكثر قبولا للاختلاف في الرأي، ويقول (ماكراي): إن الافتقار إلى تلك القدرة على التعامل مع بعض التفاصيل المجهولة قد يميل بالشخص إلى الاستبداد، (إذ يسعى لاختزال الرسائل المعقدة في بؤرة أحادية بسيطة، ما قد يؤدي مباشرة إلى الفشل في إدارة الأمور)، أما الشخص الأكثر تقبلا لعدم وضوح الصورة بالكامل مثل (منير عامر) فيسهل عليه التجاوب مع التغيير، ويسهل عليه أيضا تناول القضايا المعقدة ذات الأوجه المتعددة لعلاج مشكلات البشر ببساطة سواء كانت على المستوى العاطفي أو الإنساني بحس مرهف وجذاب.
 
يبدو لي أن (منير عامر) قرأ جيدا كتاب (فن اللامبالاة) للمؤلف العالمي الشهير (مارك مانسون) وهو كتاب رائع في التنمية البشرية، وهذا ما جلعه يصل إلى حكمة معينة وهى: أن الحياة نفسها نوع من أنواع المعاناة، يعاني منها الأثرياء بسبب ثرائهم، والفقراء بسبب فقرهم، ليس معنى هذا أن أنواع المعاناة جميعها متساوية كلها، حيث أن هناك معاناة أشد ألماً من معاناة أخرى، فنحن مركبون بحيث لا نكون راضيين مهما حققنا، ولكن الغياب الدائم للرضا هو ما يجعل جنسنا البشري يقاوم للبقاء، فألمنا ليس عيبا، بل هو من يعلمنا الأشياء التي يجب أن ننتبه إليها عندما نكون صغارا، يساعدنا في رؤية ماهو الجيد لنا وما هو العكس، وهو ما تجسد في كتاباته بحيث تمكن من أن يساعدنا في فهم حدودنا، وفي النهاية فإن السعادة تأتي من حل المشكلات، وحل المشكلة هو ما يخلق السعادة.
 
لقد فهم (منير عامر) مبكرا ملخص كتاب مئة سر بسيط من أسرار السعداء: ومن ثم أدرك أن الموت قادم لا محالة ففي مواجهة حتمية للموت، لا مبرر أبدا لأن يستسلم المرء أمام خوفه أو حرجه أو شعوره بالخجل، لأن الأمر كله أكثر من قبضة اللاشيء، ومن أجل ذلك أمضى القسم الأكبر من حياته القصيرة تجنبا ما هو مؤلم ومزعج، فهذا يعني أنني أتجنب أن أكون حيا، الموت يخيفنا، ولأنه يخيفنا نتجنب التفكير به، حتى لو أصاب شخصا قريبا لنا، ولكن الأمر في النهاية لولا وجود الموت لبدا لنا كل شيء معدوم الأهمية ولصارت القيم والمقاييس كلها صفرا.
 
العبرة عند (منير عامر) أن حياتنا ليست محض صدفة، فقد خلقنا لغاية ما، غاية لم نعرفها، غاية سنعرفها بمنتصف الطريق أو في نهايته، أو يمكن أن لا نعرفها، إلا أنها بكل تأكيد توجد غاية ما من وجودنا، ولذلك بإمكانك أن تعزز ذلك أكثر، بيدك تستطيع أن تخلق تلك الغاية، فمع موتك ستعتقد أن كل شيء سينتهي، ولكن قصة خلودك بإمكانك أن تكتبها، بإمكانك أن تجعل غيرك يتذكرك بعمل ما، بتطوير شيء ما يدخلك الموسوعات الإنسانية، بفعل ما يجعلك بذاكرة الكثير من الأشخاص الذين غيرت حياتهم.. السلام لروحك أيها المبتهل في رحاب الكتابة الإنسانية (منير عامر) الإنسان والكاتب الفذ الذي سنتقد لقاءه الحار وتشجيعه لكل ماهم جميل وشيق في الكتابة.




مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة