لأول مرة نجد أنفسنا أمام مسودة أولية متكاملة لتشريع يستهدف تنظيم نشاط التطوير العقاري في مصر وإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، وهي خطوة مهمة لسوق أصبحت واحدة من أكبر القطاعات الاقتصادية وأكثرها ارتباطا بمدخرات المواطنين والاستثمارات.
وبطبيعة الحال، لا يجب التعامل مع المسودة الحالية باعتبارها نصا نهائيا، فمن الطبيعي أن تخضع لمناقشات وتعديلات خلال الحوار المجتمعي والنقاش البرلماني. لكن ما يلفت الانتباه فيها هو محاولة الانتقال بالسوق إلى إطار أكثر وضوحا لحوكمة النشاط وحماية أطرافه.
وفي تقديري، فإن الهدف الأهم الذي يجب أن يضعه المشرع أمامه هو استعادة الثقة وبناؤها من جديد.
فالسوق العقارية مرت خلال السنوات الأخيرة بمتغيرات كبيرة، من تحركات سعر الصرف وارتفاع التضخم وتكاليف البناء والتمويل، إلى تغير سلوك العملاء وقدرتهم على تحمل الالتزامات طويلة الأجل. وفي هذه البيئة، لم تعد حماية العميل تعني فقط معاقبة المطور المتعثر، كما أن حماية المطور الجاد لا تعني إعفاءه من الالتزام.
المطلوب هو قواعد تجعل المخاطر معروفة، والمعلومات متاحة، وأموال العملاء مرتبطة بالمشروعات، ومسؤولية كل طرف محددة بوضوح.
ومن هذه الزاوية، أرى أن عددا من الآليات الواردة في المسودة يمثل تطورا مهما، في مقدمتها إلزام المطور بفتح حساب مستقل لكل مشروع وإيداع متحصلات العملاء فيه، مع ربط استخدام الأموال بمعدلات التنفيذ الفعلية، بما يحد من اختلاط أموال المشروعات ويحمي حقوق المشترين.
كذلك، فإن تقييد الإعلان والطرح للبيع لحين استيفاء الضوابط والحصول على التصاريح، وإثبات القدرة المالية للمطور، يمثل خطوة مهمة نحو جعل قرار الشراء قائما على معلومات حقيقية وليس فقط على قوة التسويق.
وتبرز أيضا أهمية فصل أموال الصيانة والتشغيل، إلى جانب وضع آليات للتعامل مع المشروعات المتعثرة وإمكانية إسنادها إلى مطور آخر لاستكمالها، وإنشاء صناديق لتأمين المتعاقدين، بما يعني الانتقال من مجرد معاقبة المتعثر إلى حماية المشروع والعميل.
ومن النقاط المهمة كذلك تصنيف شركات التطوير وفقا للقدرات المالية والفنية وسابقة الأعمال، مع إتاحة سجل التصنيف للجمهور. وإذا تم تطبيق ذلك بشفافية، فسيعرف العميل مع من يتعاقد، وستصبح الكفاءة والقدرة على التنفيذ عنصرا أساسيا في المنافسة.
لكن هناك نقطة أرى أنها تحتاج إلى نقاش أعمق، وهي الفصل بين التنظيم المهني والرقابة على السوق.
فإذا كان الاتحاد يمثل المطورين وينظم المهنة ويضع قواعد التصنيف، فمن الأفضل أن تتولى جهة مستقلة الاختصاصات الرقابية والتنفيذية، بما يضمن عدم تعارض المصالح. فلا يمكن لكيان يمثل أعضاء المهنة أن يجمع في الوقت نفسه بين التمثيل والتنظيم والرقابة وتوقيع الجزاءات.
وفي النهاية، لن يقاس نجاح التشريع بعدد مواده أو حجم العقوبات، وإنما بقدرته على تغيير سلوك السوق: حماية العميل، دعم المطور الجاد، وضمان شفافية التدفقات المالية والمعلومات.
فالهدف الحقيقي يجب أن يكون بناء سوق عقارية أكثر انضباطا وشفافية، والأهم: أكثر ثقة.