لا يتوقف الصراع داخل جماعة الإخوان الإرهابية عند الخلاف حول القيادة أو الخطاب السياسي، وإنما يمتد إلى الملف المالي، الذي أصبح أحد أهم مفاتيح النفوذ داخل التنظيم، في ظل تنافس أجنحة مختلفة على إدارة الأموال والاستثمارات والكيانات التي تتحرك من خلالها الموارد.
وتكشف طبيعة هذا الصراع عن منظومة مالية معقدة تعتمد على توزيع الأموال بين كيانات متعددة، بعضها يظهر أمام الرأي العام باعتباره نشاطا تجاريا أو استثماريا عاديا، بينما تدور حوله اتهامات باستخدامه كواجهة لإدارة أموال مرتبطة بالتنظيم وتمويل أنشطته المختلفة.
شركات بواجهة تجارية
تتحرك بعض الكيانات في صورة شركات تقدم خدمات أو تمارس أنشطة تجارية واستثمارية، بما يمنحها غطاء قانونيا ظاهريا، بينما تستخدم الأرباح أو التدفقات المالية الناتجة عنها في دعم أنشطة أخرى مرتبطة بالجماعة.
وتعتمد هذه الآلية على الفصل بين النشاط المعلن للشركة وبين الغرض الفعلي من الأموال، بحيث لا يظهر ارتباط مباشر بين النشاط التجاري وبين الجهات التي تستفيد من الموارد.
المال يصنع النفوذ
يمثل المال داخل الجماعة أداة أساسية في صناعة النفوذ، فالسيطرة على الموارد تعني القدرة على تمويل المنصات الإعلامية، ودفع أجور العاملين، وإدارة الحملات الرقمية، والحفاظ على شبكات التواصل والأنشطة التنظيمية.
ولهذا تحول الملف المالي إلى ساحة صراع بين الأجنحة، حيث لا يتعلق الأمر بمجرد إدارة حسابات أو استثمارات، وإنما بمن يمتلك القدرة على توجيه الأموال وتحديد أولويات الإنفاق والجهات المستفيدة منها.
واجهات متعددة ومسارات متشابكة
وتعمل منظومة الشركات والكيانات المرتبطة بالتنظيم، وفقا لما يثار حول هذا الملف، من خلال تعدد الواجهات وتوزيع الأموال على أكثر من نشاط، بما يصعب معه تتبع المسار الكامل للتمويل.
وقد تكون هناك شركات تعمل في أنشطة حقيقية، لكن الخلاف يدور حول كيفية استخدام أرباحها وعلاقتها بباقي الشبكة المالية، بينما تظهر كيانات أخرى باعتبارها مجرد حلقات وسيطة بين الأموال والأنشطة المستفيدة منها.
صراع على خزائن الجماعة
ومع استمرار الخلافات التنظيمية، أصبح المال واحدا من أبرز عناصر الصراع، إذ يسعى كل جناح إلى الحفاظ على مصادر تمويله وشبكة الكيانات التي تمنحه القدرة على الحركة.
وتظهر أهمية هذه الأموال في قدرتها على استمرار النشاط الإعلامي والدعائي، وتمويل المنصات، ودعم العناصر، وتوفير الموارد اللازمة للحملات الإلكترونية، وهو ما يجعل السيطرة على المال مرتبطة بصورة مباشرة بالقدرة على التأثير وصناعة القرار.
شركات تتحول إلى أدوات نفوذ
ولا تكمن خطورة شبكات الواجهة في وجود الشركات نفسها، وإنما في إمكانية استخدامها كحلقة فصل بين المال ومصدره الحقيقي والجهة التي تنفقه، بما يمنح القائمين عليها قدرة أكبر على تحريك الموارد بعيدا عن الشكل التنظيمي المباشر.
وتزداد تعقيدات هذه المنظومة عندما تتوزع الملكية والإدارة والحسابات بين أكثر من شخص وكيان، لتصبح عملية تحديد المستفيد النهائي من الأموال أكثر صعوبة.
المال والإعلام والدعاية
جزء كبير من الصراع المالي يرتبط بالحفاظ على أدوات الدعاية والإعلام، فاستمرار أي منصة يحتاج إلى تمويل مستمر يشمل الإنتاج والتقنيات والأجور والتسويق والترويج.
ومن هنا تتحول الشركات والكيانات الاقتصادية إلى مصدر مهم للحفاظ على هذه الأدوات، بينما يصبح الخلاف حول الأموال انعكاسا مباشرا للخلاف حول من يملك القدرة على التحكم في الخطاب الإعلامي وتحديد الرسائل والأولويات.
شبكة تعمل بمنطق البقاء
وفي النهاية، يكشف الصراع المالي داخل الجماعة الإرهابية عن منظومة لا تقوم فقط على جمع الأموال، وإنما على الحفاظ على مصادر تمويل مستمرة تستطيع دعم النشاط التنظيمي والإعلامي والإلكتروني.
وبين شركات ذات نشاط معلن وكيانات تستخدم كواجهات وحسابات واستثمارات متداخلة، يصبح المال هو الحلقة التي تربط أجزاء مختلفة من المنظومة، بينما تتحول السيطرة عليه إلى أحد أهم مفاتيح الصراع على النفوذ داخل الجماعة.