عبر هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكية، المحيط بطائرته من واشنطن متوجها إلى الشرق الأوسط، وتوقف فى العاصمة المغربية الرباط أولا، لمقابلة تمهيدية مع العاهل المغربى الملك الحسن الثانى، الذى التقاه من قبل عدة مرات، وأنشأ علاقات وثيقة معه من خلال منصبه كمستشار للأمن القومى الأمريكى قبل أن يكون وزيرا للخارجية، وفقا للكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل فى كتابه «أكتوبر 73.. السلاح والسياسة».
يذكر هيكل، أن كيسنجر طلب من الملك بتواضع شديد، أن يعطيه درسا فى مادتين: كيف يستطيع أن يزيل شكوك العرب فى كونه يهوديا، ومع ذلك فهو الآن مسؤول عن حل صراعهم مع إسرائيل؟، وكيف يقنعهم بحسن نواياه؟، وكيف يتفاوض معهم دون عقد؟، ثم كيف يتعامل مع الرئيس أنور السادات، وهو أول من يتفاوض معه من الزعماء العرب، فضلا عن أنه رئيس أكبر دولة عربية، كما أنه الطرف الأكبر فى الحرب التى لا تزال دائرة بين العرب وإسرائيل؟، وقال كيسنجر، إن رأيا سابقا له بأن الرئيس السادات «بهلوان سياسى» تم نقله بالفعل إلى الرئيس المصرى.
يؤكد هيكل: «تلقى كيسنجر درسه الأول المباشر فى السياسة العربية، وبعده طلب من الملك الحسن أن يتصل بالسادات بسرعة، ليوصيه خيرا بزائره «اليهودى»، وأخيرا وصل إلى القاهرة منتصف ليل 6 نوفمبر، مثل هذا اليوم، عام 1973، وأحس بحرارة الاستقبال من اللحظة الأولى، وقد استطاع تحفيظ نفسه جملة باللغة العربية قالها لممثلى وسائل الإعلام المصرى فور نزوله، فقد قال: «اللى فات مات»، وقصد بذلك التعبير «المثل الشعبى» عن رغبته فى بداية صفحة جديدة.
يضيف هيكل: «توجه كيسنجر ومعه إسماعيل فهمى وزير الخارجية إلى فندق هيلتون فى القاهرة، ونزل فى الجناح الرئاسى الأيسر فى الدور الثانى عشر، وعقد فورا اجتماعا مع فريق المقدمة الذى سبقه إلى القاهرة، شارك فيه السفير الأمريكى «هيرمان آيلتس» الذى جاء قبله بأيام ليستطلع الأجواء، ويكون مسؤولا عن مكتب رعاية المصالح فى القاهرة، وسأل كيسنجر عن المواعيد المرتبة له فى القاهرة، وأبلغ أن اجتماعه الأول مع الرئيس السادات فى الساعة العاشرة من صباح غد «7 نوفمبر» فى قصر الطاهرة، وطلب كيسنجر ترتيب اجتماعات مع إسماعيل فهمى وزير الخارجية، وحافظ إسماعيل مستشار الرئيس للأمن القومى، ومحمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام».
يذكر هيكل: «راجع كيسنجر بعد ذلك برقيات كانت فى انتظاره فى القاهرة، والغريب أن من بينها برقية من السفارة الأمريكية فى تل أبيب عن مقابلة بين السفير الأمريكى فيها «كينيث كيتنج» وبين زعيم المعارضة فى الكنيست مناحم بيجين، وطلب بيجين فيها من السفير، أن ينبه «كيسنجر» إلى أن يأخذ حذره من السادات لأنه على حد تعبيره «فلاح مصرى خبيث يتظاهر بالموت لكى يفلت من العقاب ثم ما يلبث أن يقوم واقفا ويجرى، وهو يحمل كل الخصائص الموروثة من التجربة المريرة للفلاح المصرى»، ويعلق هيكل: «لم يكن كيسنجر فى حاجة إلى هذه النصيحة، فقد كان يحس لأسباب متعددة لديه أن المسرح فى القاهرة مهيأ لظهوره عليه، وقد سجل هو «كيسنجر» فيما بعد إحساسه على النحو التالى:
«إن إلحاح الرئيس السادات على طلب ضمان مكتوب من الولايات المتحدة بالتعهد بعدم قيام إسرائيل بأى هجوم على القوات المصرية فى الغرب، يظهر أن الرئيس «السادات» ليس مطمئنا لموقفه العسكرى، وإنه من كل الشواهد أمامه، فإن العلاقات بين الرئيس السادات والاتحاد السوفيتى ليست طيبة، بل على العكس فإن الشكوك بين الجانبين زائدة إلى حد ظاهر ومكشوف، وإن الرئيس السادات يشعر بضغوط من شركائه العرب، وفى مقدمتهم الرئيس السورى حافظ الأسد، والليبى العقيد معمر القذافى، وياسر عرفات، وهم جميعا فى مزاج يسمح بأن يدركوا أن مجرد استقبال كيسنجر فى القاهرة فى هذه الظروف هو تحد سافر لهم، وتلك حالة تجعل الرئيس السادات متلهفا على نجاح زيارة كيسنجر مهما كان الثمن.
يؤكد هيكل، أن السادات اتصل بوزير الخارجية إسماعيل فهمى يسأله عن انطباعاته عن لقائه الأول مع كيسنجر، فأجابه، لكن الرئيس كان «أشد ما يكون شوقا إلى اجتماع الغد»، ويذكر حافظ إسماعيل أن هذه الزيارة جاءت فى ظروف بالغة التعقيد على مختلف الجبهات السياسة والعسكرية والاقتصادية، فضلا عن النفسية.
يضيف «إسماعيل» فى مذكراته «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، أن موضوعات البحث التى كانت مطروحة هى، معالجة الموقف السائد حاليا حول منطقة السويس، ووضع استراتيجية تتناول النزاع العربى - الإسرائيلى بالتحرك «خطوة خطوة» عوضا عن السعى مباشرة لتسوية شاملة، وإرساء العلاقات الثنائية المصرية الأمريكية المستقبلية، تمكينا لأمريكا للقيام بدور إيجابى فى تسوية النزاع القائم.
تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة