«هو أنشط ممثل ومنتج في السينما المصرية الحديثة.. سخي إلى أقصى درجة لتحقيق متطلبات الفيلم، ومتفهم لرؤية المخرج حتى وإن اختلف في وجهة النظر» هكذا وصف المخرج الكبير الراحل محمد خان، في كتابه «مخرج على الطريق» النجم الكبير الراحل نور الشريف، متحدثًا عن قيمته الفريدة كممثل ومنتج، ومن هذا المنطلق ربما يمكننا النظر إلى تجربة الراحل الكبير كأحد أهم صناع السينما المصرية عبر تاريخها، فلم يكن «نور» مجرد ممثل بارع، له تجارب في الإنتاج والإخراج، لكنه كان فنانًا مؤمنًا بدور الفن، ورسالته، عاش مخلصًا ووفيًا لما تعلمه وظل إلى أخر أيام حياته يمارسه دون كلل أو ملل.
قد ينظر البعض إلى نور الشريف على أنه ليس الموهبة الأكبر بين أبناء جيله، مفضلين أسماء أخرى مثل أحمد زكي ومحمود عبد العزيز، وهو رأي يظل محلَّ خلاف بين آراء نقدية متعددة، لكنه يبقى حاضرًا على أية حال. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار نجاح نور في صنع مكانة مميزة لنفسه وخلق علامة وبصمة متفردة في تاريخ السينما المصرية والعربية، باعتباره صاحب مشروع فني متكامل ونادر، فلم يكن مجرد عاشق للتمثيل، بل كان الفن دائمًا الأقرب إلى قلبه وعقله، رؤيته تجاوزت حدود التمثيل لتشمل صناعة السينما ومشاريعها، مستفيدًا من ثقافته ووعيه التام. كان عقله ممتلئًا بالخطط والأفكار الفنية، وذهنه زاخرًا بالمشاريع التي كان يناقشها بحماس وانفعال، إيمانًا منه بالدور الكبير لصناعة السينما، وساهم نور الشريف في دعم صناع سينما في بداية طريقهم، ممن أصبحوا مع الوقت من أبرز الأسماء في المجال. ولم يكن يسعى وراء المال بقدر ما كان يسعى لتقديم أفلام تحمل قيمة فنية وتنوعًا، محافظًا على مشروعه السينمائي الطموح.
مغامر على طريق الفن
ساهم نور الشريف بمغامراته المحسوبة في تغيير شكل السينما المصرية ودفع صناعتها إلى الأمام، بل ويمكننا اعتباره أحد أعمدة السينما الواقعية الجديدة، فمنذ اللحظة الأولى تحمس «الشريف» لجيل من المخرجين لما يُسمى بـ«السينما الواقعية الجديدة»، أمثال: عاطف الطيب وداود عبد السيد ومحمد خان، والأخير خاض معه مغامرة ربما لم تكن محسوبة، بإنتاج أول أفلامه «ضربة شمس» 1980، إذ لم يكن هذا النمط من الأفلام سائدًا في تلك الفترة التي سيطرت عليها ما عرف بأفلام «المقاولات»، لكن إيمانه بتجربة «خان» العائد لتوه من لندن، جعله يغامر، لكنه كسب الرهان، إذ حقق الفيلم نجاحًا ملحوظًا على المستويين النقدي والجماهيري، واستمر عرضه في دور العرض لفترة تخطت العشرين أسبوعًا، فضلا عن تحوله لاحقًا إلى علامة في أذهان المتفرجين بعد عرضه تليفزيونيًا.
نور الشريف منذ بدايته كان مؤمنًا بالمغامرة، فبدون مخاطرة لا يمكن صناعة فن جميل لم يسبق صنعه من قبل، لذا لم يخش نور أبدًا من المخاطرة أو المقامرة إن صح التعبير، وكانت لديه فلسفة حولها تتلخص في أن المخاطرة قبل الموت أفضل من الندم على عدم المخاطرة، ورأي نور أن المخاطرة ليست في صناعة أفلام تجارية آمنة بالتأكيد، ولكنها في صناعة أفلام فنية، والتي يخاطر فيها بالأفكار، ويراهن فيها على مخرجين وممثلين جدد، ولعل ذلك يظهر من خلال إيمانه بتجربة سعيد مرزوق والذي قام ببطولة أول أفلامه «زوجتي والكلب» (1971)، وبعدها شارك في إنتاج وقام ببطولة ثاني أفلامه «الخوف» (1972)، هكذا ببساطة كانت فلسفة نور الشريف هي المغامرة من أجل الفن، وليس المغامرة لكسب المال دون مخاطرة.
ما فعله نور الشريف مع سعيد مرزوق تكرر مع سمير سيف، بعدما قام بإنتاج أول فيلمين له، بل وتمسك أيضا بالأخير ليكون مخرجهما، وأصر على اختياره، رغم مطالبة الموزع حينها بأن يحل المخرج نيازي مصطفى بدلا منه، مقابل خمسة آلاف جنيه، لكنه أبى، وقدما معا فيلمهما «دائرة الانتقام» (1976)، فتكون مغامرة النجم الإنتاجية والمخرج الصاعد هي إعادة حكي لقصة الكونت دي مونت كريستو التي تم تقدمها عشرات المرات في السينما العالمية، بل وفي السينما المصرية أيضا بتجارب سبقهما فيها أنور وجدي وفريد شوقي، لكن يبدو أن مغامرة الشريف كانت في محلها؛ فقد استطاع «سيف» خلق عالم جديد معاصر من هذه القصة الكلاسيكية، من خلال تنفيذه بصورة عصرية وإيقاع سريع وذكي، وهو ما جعل نور يستمر في المغامرة أكثر بالاشتراك في محطتهما الثانية «قطة على نار» (1977)، وينجح نور في راهنه مرة أخرى، فلم يكن الفيلم ليحظى بنجاح في إيرادات الشباك لولا إيمانه الشديد بتجربة «سيف» وقدرته على التعامل مع نصوص شديدة خصوصية وتحويلها إلى صورة سينمائية سريعة الإيقاع وجذابة في عناصرها الفنية.
عين على الموهبة
ويبدو أن نور الشريف كان دائم البحث عن تجارب جديدة، فلم يكن ممثلًا ومثقفًا فحسب، بل كان منتجًا واعيًا وقنّاصًا للمواهب الصاعدة من المخرجين، الذين ساهموا في إثراء المشهد السينمائي، واستكمل معهم رحلة إبداعه بإصرار وشغف، وهو ما فعله مع عاطف الطيب، والذي قدما معًا فيلم «الغيرة القاتلة» (1982)، ورغم فشل الفيلم الذي لعب بطولته بجانب يحيى الفخراني ونورا، إلا أن نور لم يفقد إيمانه بالمخرج الشاب، بل قرر أن يدعمه ويشارك في فيلمه التالي «سواق الأتوبيس» في نفس العام أيضا، وكسب الراهن هذه المرة، بعدما أصبح الفيلم الأخير، أحد علامات السينما المصرية في الثمانينات، لما يقدمه من نقدًا سياسيًا واجتماعيًا لسياسة الانفتاح الاقتصادي التي ميزت عصر السادات، واستمر التعاون بينهما لثمانية أفلام أخرى، كان من بينها مغامرات أخرى مثل «ناجي العلي» (1992) لكنه لم يكن موفقًا في هذه المغامرة، بعدما تسبب الفيلم في غضب الكثير من الحكام العرب بينهم ياسر عرفات نفسه.
نور الشريف كان صائدًا جيدًا للفرص، وصاحب رؤية مستقبلية ميزته عن كثيرين من أبناء جيله، فاسمه وحده كان قادرًا على تحريك بعض المشاريع التي لم تكن لتجد طريقًا للشاشات دونه، مثل فيلم «البحث عن سيد مرزوق» (1991) الذي عانى في البداية من مشاكل إنتاجية، لكن بعدما تعهد مخرجه داوود عبد السيد بأن الفيلم لم يستغرق وقتا طويلا وأن نور الشريف سيقوم بطولته، اعتقد المنتج أن ذلك سببًا كافيا لتكون صفقته رابحة، إلا أن ظنه خاب ولم يحقق الفيلم نجاحًا تجاريًا كبقية أفلام داوود مثل «الكيت كات»، لكن نور الشريف لم يخيب ظنه أبدًا، وكان إيمانه بمشروع ثابتًا، وبالفعل وبعد سنوات طويلة من عرضه، يبدو الآن ومع مشاهدته من أجيال جديدة غير التي رأته في السينما أول مرة، يبدو كجوهرة لامعة في مسيرته السينمائية.
بين التجاري والفني
لم تتوقف مغامرات ومراهنات نور الشريف عند تلك الأسماء، بل ظل حتى أيامه الأخيرة مقامرًا، مغامرًا، مؤمنا بالتجارب الجديدة، فكما شارك في بطولة مخرجي الواقعية الجديدة، والذين أصبحوا من علامات الإخراج السينمائي، استمر مع آخرين مثل محمد النجار وهشام أبو النصر وأحمد فؤاد درويش، وأمير رمسيس، والأخير قدم معه أخر أفلامه السينمائية على الإطلاق «بتوقيت القاهرة» (2015) والذي لولاه لم يكن ليظهر الفيلم من الأساس، حتى وإن لم يمهله القدر ليرى صدى نجاحه في المهرجانات العالمية، لكن يبدو أن الفيلم كان مكافأته الأخيرة على مثابرته وإيمانه بالفن، وتحقق ذلك بحصوله على جائزة أفضل ممثل عربي من مهرجان أوسكار السينما العربية «ACA»، كتتويجٍ لمشواره الكبير قبل أن يغير عنوانه لمرة أخيرة، ويرحل عن دنيانا.
يبقى في النهاية أن نؤكد أن نور الشريف لم يكن متهورًا في مغامراته، بل كان يعي أنه عليه أن يقدم بعض الأفلام التجارية من أجل إرضاء ذائقة الجمهور، ومنها يقوم بإنتاج أفلاما فنية، وهو ما يظهر خلال فترتي الثمانينات وبداية التسعينيات، فبجانب أعماله الفنية التي اتصفت بالبحث السياسي والاجتماعي، وتناولت بجرأة وشجاعة تناقضات المجتمع الرئيسة كالتناقضات الطبقية، لكنه قدم أيضًا عددًا من الأفلام المتواضعة فنيًا، ولعل ما يميز نور عن غيره أنه يشارك في هذه الأفلام وهو مدرِك لما هو مقبل عليه، فيختار فيلمًا جماهيريًا تجاريًا ويتبعه بآخر فن، غلب على نور الشريف إحساسُ جديدُ بالمسؤولية، بعدما علم أنه في طريقه إلى أن يصبح أباً، فصار أكثر التزاماً، وأكثر حباً لعمله وبيته وحياته، فينتهي من فيلم ليدخل في آخر، وربما كانت تلك استراتيجيته التي حافظت على نجوميته لسنين طويلة، وجعلته واحد من أعظم النجوم في تاريخ السينما على الإطلاق.