تواجه أوروبا موجة متصاعدة من التوترات الأمنية والاجتماعية، تتزامن فيها المخاوف من تهديدات تستهدف مسئوليين سياسيين فى بولندا مع اتساع الاحتجاجات الطلابية فى فرنسا ، وتصاعد الغضب الشعبى بسبب أزمة السكن فى إسبانيا ، إلى جانب مظاهرات فى بروكسل تعكس حجم الضغوطات التي تواجهها القارة.
وتأتى هذه التطورات فى وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة ، لتضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار صعب بشأن قدرتها على احتواء الغضب الشعبى والحفاظ على الاستقرار.
بولندا ترفع التأهب بعد معلومات عن تهديد رئيس الوزراء ونائبه
في بولندا، رفعت السلطات مستوى الاستعداد الأمني بعد تلقي الشرطة معلومات بشأن احتمال وجود مخطط لاستهداف رئيس الوزراء دونالد توسك ونائبه وزير الدفاع، ما دفع الأجهزة المختصة إلى عقد اجتماع طارئ في مركز مكافحة الإرهاب لتقييم طبيعة التهديدات المحتملة.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن الشرطة وجهاز حماية الدولة وجهاز الأمن الداخلي، وفقًا لما أعلنته وزارة الداخلية البولندية، بينما لم تكشف السلطات عن تفاصيل المخطط المشتبه به أو هوية الجهة المحتملة وراءه، ولم تعلن عن وقوع هجوم فعلي.
ويعكس التحرك حالة الحذر التي تتعامل بها السلطات البولندية مع المعلومات المتعلقة بتهديد كبار المسؤولين، في انتظار ما تسفر عنه التقييمات الأمنية والتحقيقات بشأن مدى جدية التهديد.
فرنسا تواجه غضب الطلاب.. آلاف المعتقلين ومواجهات دامية
وفى فرنسا ، تتواصل الاحتجاجات الطلابية وسط تصاعد المواجهات مع قوات الأمن بعدما اقتراب عدد المعتقلين منذ انطلاق التحركات فى منتصف سبتمبر الماضى من 7 ألاف شخص ، يشكل القاصرون نحو 86% منهم ، وفقا لأرقام العدل الفرنسية.
وأفادت البيانات ببدء إجراءات قضائية بحق 2376 متظاهرا وإحالة 1547 منهم إلى قاضى فيما تقرر إيداع 21 شخص الحبس الاحتياطي ، وشهدت الاحتجاجات تحركات فى مدن عدة ، من بينها باريس وتولوز ومونبيليه وأوبيرفيلييه وشامبيري، على خلفية مطالب تتعلق بأوضاع التعليم والاعتراض على ما يصفه المحتجون بعنف الشرطة.
وفي العاصمة باريس، انضمت مدرسة شارتر العليا، المتخصصة في التعليم العالي والبحث، إلى إغلاق المؤسسات التعليمية للمرة الأولى في تاريخها، بينما أغلق طلاب مدرسة اللوفر أبواب مؤسستهم تضامنًا مع طلاب المرحلة الثانوية.
كما شهدت تولوز مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، في حين امتدت التحركات إلى مناطق أخرى، وسط مخاوف من تأثيرها على انتظام الدراسة.
وحاولت الحكومة احتواء الأزمة بإعلان وزير التعليم إدوار جفراي الاستعانة بنحو 3 آلاف مدرس بديل، إلى جانب تعيينات إضافية وإمكانية تمديد ساعات الدراسة. لكن المنظمات الطلابية اعتبرت الخطوات غير كافية، في وقت استمر فيه إغلاق 141 مدرسة ثانوية من أصل نحو 3700 مؤسسة.
وكانت احتجاجات الخميس قد شهدت مشاركة نحو 71 ألفًا و500 شخص في أنحاء البلاد، بينهم 24 ألفًا و500 في باريس، وفقًا لوزارة الداخلية، وأسفرت المواجهات عن توقيف 504 أشخاص وإصابة 48 شرطيًا.
وتزداد حدة الجدل مع تقارير عن إصابات خطيرة بين المتظاهرين، بينها فقدان أحدهم البصر في عين، وإصابة آخر بكسور شديدة في الوجه، وبتر يد متظاهر ثالث. وتطالب التحركات بتعويض المدرسين الغائبين، وتوفير العاملين في الدعم والتمريض، وتجديد المنشآت التعليمية، وتقليل كثافة الفصول، إلى جانب الاعتراض على بعض سياسات القبول الجامعي وتجميد إعانات السكن.
ودعت النقابات الطلابية والمهنية إلى يوم احتجاج وطني جديد في 13 أكتوبر، يسبق إضرابًا عامًا مقررًا في 5 نوفمبر، ما ينذر باستمرار الضغط على الحكومة الفرنسية خلال الأسابيع المقبلة.
أزمة السكن تشعل الشارع الإسباني قبل الانتخابات المبكرة
أما في إسبانيا، فتحولت أزمة السكن إلى واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية والسياسية مع اقتراب الانتخابات العامة المبكرة المقررة في 29 نوفمبر، وسط ارتفاع الإيجارات وصعوبة شراء المنازل ونقص المساكن الاجتماعية.
وأثار إخلاء امرأة تبلغ من العمر 87 عامًا، تُدعى ماريكارمن أباسكال، من شقتها في مدريد، موجة غضب بعد أن اضطرت إلى مغادرة المنزل الذي عاشت فيه نحو 70 عامًا، على خلفية خلاف بشأن زيادة الإيجار. ونُقلت المرأة إلى المستشفى بعد إخلائها، ثم توفيت الأربعاء الماضي، لتتحول قصتها إلى رمز للضغوط التي يواجهها المستأجرون، وفقًا للتقرير الإسباني الذي تناول الواقعة.
وفي ساحة بويرتا ديل سول وسط مدريد، يواصل مئات المحتجين اعتصامهم للمطالبة بخفض الإيجارات بنسبة 50%، وإقرار عقود إيجار غير محددة المدة، واتخاذ إجراءات ضد صناديق الاستثمار العقاري التي يتهمونها بالمساهمة في ارتفاع الأسعار.
وتكشف الأرقام حجم العبء على الأسر؛ إذ بلغ متوسط الأجر الإجمالي نحو 2460 يورو شهريًا، بينما وصل متوسط إيجار شقة مساحتها 50 مترًا مربعًا في مدريد إلى 1170 يورو خلال سبتمبر، وفقًا لمنصة «إيدياليستا». وبذلك، يقترب الإيجار من نصف متوسط الأجر الإجمالي، متجاوزًا النسبة التي يُنصح عادة بألا تزيد على 30% من الدخل.
وتتعمق الأزمة مع تراجع بناء المساكن مقارنة بمستويات التسعينيات؛ فبعدما كانت إسبانيا تنهي بناء نحو 260 ألف مسكن سنويًا خلال تلك الفترة، انخفض العدد إلى 92 ألف وحدة في عام 2025، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير. كما يظل المعروض من الإسكان الاجتماعي محدودًا، ما يصعب حصول الفئات الأقل دخلًا على مساكن بأسعار مناسبة.
وتختلف الأحزاب بشأن الحلول؛ إذ يدعو الحزب الشعبي المحافظ إلى زيادة البناء، بينما تدافع حكومة بيدرو سانشيز عن تعزيز الإسكان الاجتماعي وفرض قيود على الإيجارات في المناطق الأكثر تضررًا، إلى جانب إجراءات تستهدف بعض المساكن الشاغرة. ومع ذلك، لم ينجح قانون الإسكان الصادر عام 2023 في وقف الارتفاع المستمر للأسعار.
وتكتسب الأزمة أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات، إذ أصبحت تكاليف السكن محورًا للصراع بين الحكومة والمعارضة، وسط غضب الشباب الذين يواجهون صعوبة متزايدة في الاستقلال عن أسرهم أو شراء منازل.
بروكسل تواجه احتجاجات وسط ضغوط اجتماعية واقتصادية
وفي بروكسل، تتواصل الاحتجاجات في مشهد يعكس اتساع حالة الاستياء الاجتماعي في أوروبا، بالتزامن مع أزمات السكن وتكاليف المعيشة والضغوط التي تواجهها الخدمات العامة. وتأتي التحركات في العاصمة البلجيكية ضمن مناخ أوروبي تتزايد فيه مطالب المواطنين بتحسين ظروف المعيشة، وتعزيز القدرة الشرائية، والاستجابة للمخاوف المتعلقة بالعمل والخدمات والحماية الاجتماعية.
وتكشف التطورات المتزامنة في بولندا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا عن تعدد التحديات التي تواجه الحكومات الأوروبية، من المخاوف الأمنية إلى الاحتجاجات الطلابية وأزمة السكن. وبينما تسعى السلطات إلى احتواء هذه الأزمات بإجراءات أمنية أو تعهدات إصلاحية، يبقى التحدي الأبرز هو تحويل القرارات الحكومية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطنون، خصوصًا في ظل تصاعد الضغوط على ميزانيات الأسر وتزايد المطالب بتحسين الخدمات الأساسية.
ومع استمرار الاحتجاجات والاستعداد لموجات جديدة من الإضرابات، تبدو أوروبا أمام مرحلة اختبار سياسي واجتماعي، إذ قد تؤثر قدرة الحكومات على الاستجابة للمطالب الشعبية في مسار النقاشات الانتخابية وفي مستوى الثقة بالمؤسسات خلال الفترة المقبلة.