علا رضوان

المرأة التي لا نراها على الشاشة.. أين ذهبت البطلة؟

الأحد، 11 أكتوبر 2026 01:58 ص


لم تختف المرأة من السينما المصرية. ما زالت حاضرة في الملصقات، وفي الأغنيات الدعائية، وعلى السجادة الحمراء، وربما تتسع مساحتها داخل الأحداث أيضا. لكن المرأة التي اختفت بالفعل هي تلك التي كانت تملك الحكاية، لا التي تكتفي بالوجود داخل حكاية رجل. المرأة التي تعمل وتحب وتغضب وتغامر وتخطئ، من دون أن تكون قديسة مثالية أو ضحية تنتظر من ينقذها.

والمفارقة أن السينما المصرية لم تكن دائما عاجزة عن تقديم هذه المرأة. فقد حملت فاتن حمامة أفلاما كاملة لا بوصفها نجمة تتصدر الأفيش فقط، بل باعتبار شخصيتها محور العالم الدرامي في أعمال مثل «دعاء الكروان» و«الباب المفتوح» و«إمبراطورية ميم» و«أريد حلا». وحولت سعاد حسني المرأة العادية إلى كائن سينمائي نابض في «خلي بالك من زوزو» و«أميرة حبي أنا» و«موعد على العشاء»، كما قادت نادية الجندي ونبيلة عبيد أفلاما صنعت لهما سوقا وجمهورا، مهما اختلفنا نقديا مع قيمة بعض هذه الأفلام.

كانت النجمة يومها قادرة على أن «تشيل فيلما»، بحسب التعبير الدارج، لأن الصناعة نفسها كانت تعترف بأن للمرأة رغبات أكبر من انتظار الحب. كانت تريد الحرية أو العمل أو الانتقام أو المكانة الاجتماعية، وتدفع ثمن اختياراتها. وحتى حين وقعت بعض هذه الأفلام في الميلودراما أو المبالغة، ظلت المرأة هي صاحبة الفعل، وليست مجرد المكافأة التي يحصل عليها البطل في النهاية.

بمرور الوقت، تقلصت هذه المساحة. لم تختف النجمات، لكن اختفت الشخصية النسائية التي يمكن أن تقود فيلما تجاريا من داخل حياتها اليومية. أصبحت المرأة على الشاشة محاصرة غالبا بين صورتين: امرأة مثالية تتحمل كل شيء ولا تخطئ، أو امرأة منكوبة لا تتحرك إلا تحت ضغط العنف والخيانة والفقد. وبين القديسة والضحية ضاعت المرأة العادية، تلك التي قد تكون أنانية في موقف وكريمة في آخر، شجاعة اليوم وخائفة غدا، تحب أبناءها لكنها تضيق بمسؤولياتهم، وتنجح في عملها بينما تفشل في فهم نفسها.

ربما كانت ياسمين عبد العزيزمن آخر النجمات اللاتي حافظن لسنوات على وجود تجاري واضح لأفلام تبنى حول بطلات، مثل «الدادة دودي» و«الثلاثة يشتغلونها» و«الآنسة مامي» و«جوازة ميري» و«أبو شنب» و«الأبلة طم طم». لم تكن أهمية تجربتها في أن أفلامها قدمت نموذجا نسويا مثاليا، بل في أن البطلة كانت صاحبة المأزق والكوميديا والقرار. كانت تتورط وتكذب وتسيء التقدير وتحاول النجاة، أي إنها كانت تملك حق الخطأ الذي تمنحه السينما بسهولة لأبطالها الرجال. وقد عاد فيلم «خلي بالك من نفسك» في صيف 2026، جامعا بينها وبين أحمد السقا، وحقق نحو 79 مليون جنيه، لكنه قدم عودة مشتركة لنجمين أكثر مما أعلن استعادة كاملة لفيلم النجمة الواحدة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن البطولات النسائية انقرضت تماما. دنيا سمير غانم قدمت «روكي الغلابة»، ومي عمر شاركت في صدارة «شمشون ودليلة»، واستمرت ليلى علوي ويسرا ونيللي كريم ومنى زكي في الحضور. لكن المقلق أن الصناعة تبدو أكثر استعدادا للمغامرة بمئات الملايين مع بطل رجل داخل فيلم أكشن، من استعدادها لبناء فيلم متوسط التكلفة حول حياة امرأة يمكن للجمهور أن يتعرف إليها.

هنا يصبح فيلم «الست» حالة كاشفة. فالفيلم الذي أدت فيه منى زكي شخصية أم كلثوم امتلك كل عناصر الفيلم الحدث: شخصية تاريخية شديدة الشعبية، نجمة كبيرة، مخرج هو مروان حامد، وكاتب هو أحمد مراد، إلى جانب عدد لافت من ضيوف الشرف. ومع ذلك، انتهت جولته في دور العرض بإيرادات بلغت نحو 29.5 مليون جنيه بعد 10 أسابيع، وفقا لما نشر عن حصيلته النهائية.

لكن هل يعني ذلك أن الجمهور يرفض البطولة النسائية؟ الإجابة السهلة تقول نعم، أما الإجابة الأدق فتقول إن الجمهور لا يذهب إلى الفيلم لأنه بطولة رجل أو امرأة، بل لأنه يجد وعدا واضحا بالمتعة أو الدهشة أو التماهي. وأم كلثوم، رغم عظمتها، ليست المرأة العادية التي نفتقدها، بل أسطورة ثقافية ضخمة تفرض على المتفرج مسافة من التقديس والجدل والمقارنة. وربما تكمن دلالة تعثر «الست» تجاريا في أن جمع النجمة والأسطورة والإنتاج الكبير لا يصنع وحده علاقة حية بين الفيلم والجمهور.

الأزمة إذن ليست أزمة نقص في الممثلات، فلدينا أجيال متتالية من النجمات القادرات على قيادة أفلام، من منى زكي وهند صبري ونيللي كريم ومنة شلبي إلى أمينة خليل وأسماء جلال ودينا الشربيني. الأزمة في الكتابة والإنتاج والتصور التسويقي. فالسينما لا تمنح هؤلاء غالبا شخصية تعيش خارج الدور المعروف: الحبيبة، الزوجة، الأم، الضحية أو المرأة الغامضة التي تحرك حكاية الرجل.

قد تكون هناك الآن محاولات لاستعادة البطولة النسائية، إذ شهد عام 2026 الإعلان عن أفلام تتصدرها أو تشارك في صدارتها أسماء مثل ياسمين عبد العزيز وليلى علوي وياسمين صبري. لكن عودة الأسماء لا تكفي إذا لم تعد معها الحكاية النسائية نفسها.

نحن لا نحتاج فقط إلى أفلام عن نساء استثنائيات يهزمن العالم، ولا إلى مزيد من الضحايا اللاتي يثبتن مقدار قسوة المجتمع. نحتاج إلى امرأة تستيقظ متأخرة، وتذهب إلى عمل لا تحبه، وتكذب كذبة صغيرة فتورط حياتها، وتحب الشخص الخطأ، وتختار بين رغبتين متناقضتين، ثم تتحمل نتيجة اختيارها. نحتاج إلى أن تستعيد المرأة على الشاشة حقها في أن تكون إنسانا، لا رمزا ولا قضية ولا ملحقا بالبطل.

فالبطلة الحقيقية ليست المرأة التي لا تسقط، بل المرأة التي يمنحها الفيلم مساحة كافية لكي تسقط، ثم يظل مهتما بما ستفعله بعد السقوط.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة