أتقنتُ قيادة الدرّاجات صغيرًا فى عدّة أيام، ضاعت تسعة أعشار ساعاتها تقريبًا فى النظر إلى قَدَمَىّ/ البدَّال. ولو أعدتُ الكَرّة بالخبرة اللاحقة؛ لفعلتُها فى دقائق فحسب!
أمَّا الذين عاشوا ينظرون تحت أقدامهم، وما فكّروا مرَّة أن يتمعّنوا فى الطريق ومُنحنياته الخطرة؛ فحَرىٍّ بهم ألّا يشتروا درَّاجات من الأساس، وقد يناسبهم أكثر أن يتمشّوا، أو يقفزوا فى حافلةٍ عامّة؛ المُهمّ أن يكونوا رُكّابًا لا سائقين/ جمهورًا لا قادة.
أذكرُ تجربةً صحفيّة غَنيّة بالأدلّة، وأستشهدُ بها دومًا على عاقبة الخَلْط فى المهام، وإسناد الأدوار لغير أهلها والمُؤهّلين لها. وما يترتب على ذلك غالبًا من آثارٍ جانبية، مُعاكسة تمامًا، لِمَا كان يُرَاد بُحسْنِ نيّةٍ ساذجٍ فى فاتحة التجربة.
والقصّة أن مسؤولاً عن منصّة ما، قرّر ذات مرّة أن يدمج فريقَى المُراجعة/ الديسك، والتدقيق اللغوى/ التصحيح، ليكونا فريقًا واحدًا؛ فيُضاعف قوّة العمل، هكذا كان يتصوّر، مع تقليص دورة النشر.
على أنَّ النتيجة جاءت مُغايرةً بالكُليّة؛ فالمُحرّر غير المُلمّ بالقواعد النحوية، أنفقَ جُلَّ طاقته فيما لا يعرفه؛ فما أتقنَه بسبب الجهل، ولا حافظ على جودة ما يُحسِنه فى الأصل.
والعكس لدى زميله الآخر؛ إذ اجتهد فى الصياغة التى يفتقد ملكاتها؛ فأهمل الضبطَ الذى يعرفه مثل كفِّ يده.
والمُحصّلة؛ لا حافظَ الاثنانُ على القديم المعروف، ولا أصابا حظًّا من الجديد المجهول؛ فطالت دورةُ الخبر التى كان مطلوبًا أن تُختَزَل، وساءت الجودة بدل أن تتحسَّن.
ومع الوقت؛ صدأت الماكينةُ نفسُها، بمنطق التطوُّر الذى يُنشِّطُ المَلَكَات بحسب الحاجات، ويدفع المُعطّل منها للضمور؛ فتعذَّر التقدُّم إلى الأمام، واستحالت العودة للوراء أيضًا.
وما فات كلّه مُجرّد مُقدّمة لما أبتغى الاشتباك معه، ويدور فى نطاق الخلط الضارّ؛ وإن بدا السياق مُختلفًا فى الظاهر.
إذ الفكرة كلّها تتأطر بما قال المُتنبّى: ووضع الندى فى موضع السيف بالعُلا/ مُضرٌّ كوضع السيف فى موضع الندى.
وكثيرون من الناس للأسف؛ بل لعلّهم الأغلبية، لا يعرفون حدود الخاص من العام، ولا يُجيدون الفصل بينهما؛ وإن ذوّب بعضهم المساحات قصدًا لأغراض ومطامع!
والحال؛ أن السعى إلى حيّز من المجال العام، إنما يستوجب الالتزام بأُطره الناظمة، واحتمال أعبائه مهما كانت قاسية، بقدر ما يستفيد الشخص به، ويتحصّل على كل مزاياه المُمكنة.
أو كما يقول العامّة: «اللى عايز عسل، يصبر على قرص النحل». وقد يكون الألم نابعًا من لسعة أو لدغة، أو من امتناعٍ اضطرارى عمّا يُحبّ، وعن مجرّد الاقتراب من الخليّة أصلاً.
وهُنا تحلّ حتمًا تلك العبارة الدارجة، بنسبةٍ غير مؤكّدة لابن حزم الأندلسى، ومفادها أنّ: «مَن تصدّر لخدمة العامة؛ فلا بد أنْ يتصدّق ببعضٍ من عِرضه على الناس...».
والأنا أقل حُرمة من العِرض، وأوجب بالتصدُّق، لا على سبيل الانسحاق وقبول الحط من المكانة؛ إنما أن يتواضع المرء قليلاً، يعود خطوة للخلف، ويُقدّم الدور على الغرور.
والقصدُ كلّه؛ إنما ينصرف إلى تلك الفئة مِمّن يشغلون مواقع فى مؤسسات ذات نفع عامٍ، رسمية أو أهلية، ثم يخلطون بين آرائهم الشخصية، والتزاماتهم العمومية.
ويتعين التوضيح؛ أن الحُكم على ينسحب على مُجمَل الأعمال والملفات، ولكن على ما يتّصل منها بالمؤسسة أو المجال الذى يشتغل به، وما قد يؤثّر على مهامه، أو يضرّ مُوكّليه، أو تشوبه شبهة الاستغلال لأسباب خفية أو غير موضوعية.
قد يتطابق رأيه مع مؤسسته وواجبه، وقد يختلف. المهم أنه فى خدمة الراية التى ينضوى تحتها، وليس مُستجلَبًا للساحة بصفته الشخصية.
ومهما اجتهد؛ سيقع التناقض لا محالة.. وليس مطلوبًا منه أن يمضغ لسانه قطعًا؛ إنما ينبغى ألا يُحمّل فواتيره على حساب الجهة التى يُمثلها، وله الخيار: يحافظ على خطّها بلا حيود، أو يتحرّر منها عائدًا لفرديته المُطلقة!
لن نُعيد اختراع العجلة، ولا تعريف البديهيات المُستقرّة. بعض الناس لا قيمة لهم خارج أدوارهم العامة، وفى كل الأحوال لا ينفصلون عنها، ويصعب القول إنه مُجرّد رأى عابر؛ طالما يتصادم مع المؤسسة أو يختلط أمره على الجمهور.
ومن نافلة القول؛ أن كل مُنتدَب لمهمة إنما هو وكيل عن أصيل، ويُمثّل مجموع الأُصلاء سواء كانوا على اتفاق معه أم لا، وسواء انتخبوه أم صوّتوا لغيره فى المواقع التى تحُسَم بالانتخاب، وعليه ألا يميل لطرف على آخر، بل لا يميل أصلاً إلى بأغلبية جليّة.
فضلاً على أن إعلاء المصلحة الجماعية يتقدّم على ما عداه، والقانون فوق الرؤوس كلها بلا استثناء، ولا رأى فيه. وحتى لو اختلفنا فى تطبيقه؛ فمردّه إلى المسارات الشرعية المُنظَّمَة بالقانون أيضًا.
مررت قبل يومين على منشور لصديقة وزميلة، تستهجن أن يُعَدّ الحصول على ألفٍ أو 1200 دولار من قبيل التمويل، وعندما أوضحتُ أن المسألة مُنظّمة وواضحة، والعبرة بانضباط الفعل لا محدودية المقابل، ردّت بأن الشبهة لا تقع إلا بـ100 ألف أو يزيد!
تخيّل أن تمرّ على تجمّع يُدافعون عن مُتحرّشٍ لأنه أمسك طرف الثوب لا أكثر، أو يُطلقون لصًّا لمُجرّد أن سرقته لم تتخطّ عِدّة مئات من الجنيهات؛ بينما قد تكون كامل معاش أرملةٍ لن تجد القوت والدواء!
مُشكلة الخلط أنها تُخضِع العام للخاص، وتُغلّب الهوى الفردى على المصلحة الجماعية. فكأن المتورّط فيها، بدلاً من خدمة مؤسسته، يُوظّفها لإسناده وتلميع مواقفه الشخصية.
كما أنه يُولّد التناقض؛ كأن يتقدّم محامٍ حقوقىّ ببلاغ ضد شخص لأنه تعرّض له، بينما يُزايد على سواه فى الفعل نفسه، ويرقص مع الراقصين عندما يكون التصويب على عنوان رسمي.
ناهيك عن أن تدخل على الخط حسابات الأيديولوجيا والتيارات، وما فوق الطاولة وتحتها من مصالح، أو أن تعلو تحالفاتُ السياسة والمال، على غيرها من الاعتبارات.
وإلى ذلك؛ فالفرد يُسأل عمّا يقول، قانونيًّا كان أم مُتجاوزًا، وقد يكون عاديًّا فيمُرّ تحت لافتة حرية الرأى. لكن تنسيب أفكاره للجهة التى يُمثّلها؛ تُحمّلها الأعباء مرتين: فى الخطأ، وفى الدفاع عنه.
وترتدّ عليها بالآثار، وتزرع الفتنة فى صفوفها؛ لأنها مزيج من آراء فردية، ما تلاقت إلا بتخلّى كل شخص عن جزء من حريته لصالح المظلة الجماعية.
وعندما تُستعاد تلك الأجزاء من الخزانة الواحدة، يتهدّم البناء رمزيًّا، ويتفرّق الجسم الواحد أعضاء مُتنافرة!
لا شكّ أن فى ذهنى جهاتٍ وأفرادًا؛ ولم أُصرّح بقصدِ أن تكون الفكرة عامّة، والحقّ أننى لا أُشير على قضية أو واقعة بعينها؛ إنما على المبدأ نفسه، وقد اختُرق من أطيافٍ شتّى بما يستعصى على العدّ والحصر.
الحُريّة قيمة عُليا، ولكل فردٍ نصيبه المحفوظ، وعندما يعرض نفسه على آخرين ليمثلهم، يأخذ أصواتهم ويمنحهم بعض حُريّته.
إمّا يلتزم؛ أو ينحلّ العَقدُ؛ إنما لا يُمكن أن يتحصّل على كلّ شىء؛ لأنه وقتها سيكون كمَن يخطف طائرةً، يُدفّع ركابها فدية باهظة، قبل أن يصطدم بأوّل جدارٍ.