تحولت شوارع مدينتي جوهانسبرج وديربان في جنوب أفريقيا إلى ساحات للمواجهات بين متظاهرين مناهضين للهجرة وقوات الأمن، بعدما أشعل قرار حكومي يتعلق بإجراءات استقبال طلبات اللجوء موجة جديدة من الاحتجاجات العنيفة، امتدت إلى إحراق عشرات السيارات ونهب متاجر مملوكة لأجانب، قبل أن تضطر الحكومة إلى سحب التوجيهات المثيرة للجدل في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد.
ولم تكن الأحداث التي شهدتها جنوب أفريقيا خلال الأيام الماضية مجرد احتجاجات عابرة على إجراءات إدارية تتعلق بالهجرة، بل جاءت في سياق أزمة ممتدة تتداخل فيها معدلات البطالة المرتفعة، والمخاوف المتعلقة بالهجرة غير النظامية، وتصاعد نشاط الجماعات المناهضة للأجانب، إلى جانب انتشار معلومات مضللة بشأن الحقوق القانونية لطالبي اللجوء.
وتكشف التطورات الأخيرة عن حجم التحديات التي تواجه حكومة الرئيس سيريل رامافوزا في التعامل مع ملف الهجرة، إذ تجد السلطات نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين الالتزام بأحكام المحكمة الدستورية وحماية حقوق طالبي اللجوء، والاستجابة للمطالب الشعبية بتشديد الرقابة على الحدود، ومنع تحول الاحتجاجات إلى اعتداءات تستهدف المهاجرين وممتلكاتهم.
وتزداد حساسية الأزمة مع اقتراب انتخابات المجالس
المحلية المقررة في 4 نوفمبر 2026، في بلد بلغ معدل البطالة الرسمي فيه 33.6% خلال الربع الثاني من العام الجاري، وفق أحدث البيانات الفصلية المنشورة عن هيئة الإحصاء في جنوب أفريقيا، وهو ما يجعل قضايا فرص العمل والهجرة والخدمات العامة في مقدمة الملفات المطروحة على الساحة السياسية.
شرارة الاحتجاجات.. حكم دستوري يتحول إلى أزمة أمنية
بدأت التطورات الأخيرة عقب صدور حكم من المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا يوم 7 يوليو 2026، في القضية المتعلقة بمركز سكالبـريني في كيب تاون، والتي تناولت القيود الإجرائية المفروضة على الأشخاص الراغبين في تقديم طلبات اللجوء.
وقضت المحكمة بعدم دستورية بعض الأحكام التي تحول دون وصول طالبي اللجوء إلى إجراءات تقديم طلباتهم لأسباب شكلية، بما في ذلك دخول البلاد دون استيفاء المتطلبات المعتادة للهجرة.
وفي 28 سبتمبر، أصدر المدير العام لوزارة الشئون الداخلية توجيهًا إلى مكاتب استقبال اللاجئين لتنفيذ الحكم القضائي، والسماح باستقبال طلبات اللجوء وفق المتطلبات الدستورية.
غير أن تنفيذ التوجيه أدى إلى تدفق أعداد كبيرة من الأشخاص على مراكز استقبال اللاجئين، ما تسبب في ضغوط تشغيلية متزايدة على المكاتب الحكومية، بالتزامن مع انتشار ادعاءات بأن القرار يسمح بمنح المهاجرين غير النظاميين إقامة قانونية بصورة تلقائية.
وأكدت الحكومة أن هذه الادعاءات غير صحيحة، موضحة أن الحكم القضائي يتعلق بحق الأشخاص في تقديم طلبات اللجوء وفحصها، ولا يعني حصولهم تلقائيًا على صفة لاجئ أو إقامة دائمة أو أي حقوق قانونية أخرى دون استيفاء الشروط المنصوص عليها في القانون.
وبحسب بيان رسمي صادر عن وزارة الشئون الداخلية في 9 أكتوبر، فإن التوجيه كان إجراءًا إداريًا لتنفيذ حكم المحكمة، ولم يصدر بناءًا على قرار سياسي من الوزير أو المسئولين السياسيين بالوزارة.
24 سيارة محترقة ونهب متاجر.. المواجهات تمتد بين جوهانسبرج وديربان
شهد يوم الخميس 8 أكتوبر تصعيدًا كبيرًا في الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين، بعدما اندلعت مواجهات في منطقة سويتو بمدينة جوهانسبرج، وفي مدينة ديربان الساحلية، وسط اعتداءات استهدفت ممتلكات ومحال تجارية يديرها أجانب.
ووفقًا لوكالة رويترز، أضرم محتجون النيران في 24 سيارة، بينها 14 سيارة في ديربان و10 سيارات في سويتو، فيما تعرضت متاجر مملوكة لأجانب للنهب والتخريب.
كما شهدت ديربان أضرارًا طالت منشآت وممتلكات، من بينها أجزاء من دار للضيافة ومستودع، بينما تدخلت قوات الشرطة لتفريق المحتجين ومنع اتساع نطاق الاشتباكات.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الشرطة ألقت القبض على ثلاثة أجانب للاشتباه في اعتدائهم على أحد المتظاهرين في ديربان، في حين أدانت السلطات أعمال التخريب والعنف، وأكدت أنها ستلاحق المسئولين عنها.
وتزامنت المواجهات مع انتشار قوات إضافية من الشرطة ووحدات حفظ النظام في المناطق المضطربة، فيما أكدت السلطات الأمنية أن التعامل مع الهجرة غير النظامية يجب أن يتم من خلال المؤسسات المختصة، وليس عبر الاعتداءات أو الإجراءات التي ينفذها أفراد بحق الأجانب.
أحدث التطورات.. اعتقال 30 شخصًا والبرلمان يتحرك لمراجعة إجراءات اللجوء
في أحدث تطورات الأزمة، أعلنت شرطة جنوب أفريقيا ارتفاع عدد المقبوض عليهم على خلفية الاحتجاجات المناهضة للهجرة إلى 30 شخصًا منذ الخميس الماضي، في إقليمي كوازولو ناتال وجاوتنج.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الأفريقية، الأحد 11 أكتوبر، عن القائم بأعمال المفوض العام للشرطة، بولينج ديمباني، فقد جرى توقيف 25 شخصًا في كوازولو ناتال وخمسة آخرين في جاوتنج، على خلفية اتهامات تشمل المشاركة في أعمال عنف عامة، والتجمع غير القانوني، وعرقلة عمل السلطات ومقاومة الاعتقال.
وأشادت ديمباني بتدخلات الأجهزة الأمنية لاحتواء الاضطرابات، مؤكدة استمرار جهود الشرطة للحفاظ على النظام العام في المناطق التي شهدت مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن.
وفي تطور سياسي جديد، أعلنت لجنة الشئون الداخلية بالبرلمان، السبت 10 أكتوبر، ترحيبها بسحب التوجيهات الحكومية المتعلقة بطلبات اللجوء، مع اتخاذ قرار بعقد اجتماع عاجل لمراجعة آليات تنفيذ حكم المحكمة الدستورية.
وطالبت اللجنة وزارة الشئون الداخلية بتقديم خطة تشغيلية شاملة، تتضمن تقييم أعداد طلبات اللجوء والطعون المتراكمة، والقدرات البشرية والإدارية المتاحة، والتحديات التي تواجه مراكز استقبال اللاجئين.
ومن المقرر أن تشمل المناقشات وزراء الشئون الداخلية والعمل، وهيئة إدارة الحدود، وهيئة استئناف اللاجئين، إلى جانب الجهات البرلمانية المختصة، مع إتاحة الفرصة لمشاركة منظمات المجتمع المدني.
وأكدت اللجنة البرلمانية أن السماح للأفراد بتقديم طلبات اللجوء لا يعني منحهم صفة لاجئ تلقائيًا، وإنما يظل حصولهم على الحماية القانونية خاضعًا لإجراءات الفحص والتقييم المعمول بها.
الاحتجاجات تصل إلى المحكمة الدستورية.. واستمرار التوتر رغم سحب القرار
لم يؤد إعلان الحكومة سحب توجيهات اللجوء إلى إنهاء الاحتجاجات بصورة فورية، إذ شهدت جوهانسبرج، الجمعة 9 أكتوبر، مظاهرات جديدة امتدت إلى محيط المحكمة الدستورية في منطقة برامفونتين.
ووفقًا لهيئة الإذاعة الجنوب أفريقية «SABC»، أضرم محتجون النار في سيارة خارج المحكمة، بينما استخدمت الشرطة الرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين.
وجاءت الاحتجاجات بعد مسيرة قادها الإعلامي نجيزوي متشونو، انطلقت من منطقة كوا ماي ماي باتجاه المحكمة، حيث اعتبر المشاركون أن سحب التوجيهات الإدارية لا يلغي الحكم الدستوري الذي يعارضونه.
وأفادت تقارير إعلامية محلية بأن شرطة جاوتنج ألقت القبض على أربعة أشخاص خلال احتجاجات الجمعة وسط جوهانسبرج، للاشتباه في مشاركتهم في التحريض على العنف، مع استمرار حالة التأهب الأمني تحسبًا لتجدد المواجهات.
وسلطت صحف جنوب أفريقية الضوء على مقتل شاب مالاوي يدعى ميشاك باندا، إثر اعتداء نفذته مجموعة من الأشخاص في إقليم كوازولو ناتال، في واقعة عكست خطورة تصاعد العنف ضد المهاجرين.
وفي المقابل، أفادت رويترز بأن الشرطة أعلنت عودة الهدوء إلى سويتو واستقرار الوضع في ديربان عقب التدخلات الأمنية، دون أن يعني ذلك انتهاء أسباب التوتر المرتبطة بملف الهجرة.
آلاف المهاجرين يغادرون جنوب أفريقيا
كما أظهرت تقارير وكالة أسوشيتد برس أن أكثر من 53 ألف مهاجر غادروا جنوب أفريقيا أو جرى ترحيلهم وإعادتهم إلى بلدانهم خلال حملة حكومية في يوليو 2026، وكان القادمون من مالاوي يمثلون أكثر من 80% منهم.
وشملت عمليات المغادرة والترحيل مواطنين من زيمبابوي وموزمبيق ونيجيريا وأوغندا وكينيا، في حين حذرت منظمات حقوقية من أن بعض الأشخاص الذين تعرضوا للمضايقات كانوا يقيمون بصورة قانونية، لكنهم اضطروا إلى المغادرة خوفًا من الاعتداءات.
البطالة عند 33.6%.. الأزمة الاقتصادية تغذي الغضب تجاه المهاجرين
تأتي الاضطرابات في وقت تواجه فيه جنوب أفريقيا تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، أبرزها ارتفاع البطالة وضعف النمو الاقتصادي، ما يضاعف حدة المنافسة على فرص العمل والخدمات العامة.
وكشفت بيانات هيئة الإحصاء الجنوب أفريقية أن معدل البطالة الرسمي ارتفع إلى 33.6% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ32.7% في الربع الأول.
وأشار التقرير إلى أن مغادرة المهاجرين قد تؤثر أيضًا على اقتصادات دول الجوار التي تعتمد بعض أسرها على التحويلات المالية من العاملين في جنوب أفريقيا، بعدما تجاوزت هذه التحويلات 19 مليار راند خلال عام 2024.
كما حذر اقتصاديون من أن استمرار الاحتجاجات والاعتداءات على المتاجر والأعمال التجارية قد يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة.
وتكشف هذه المعطيات عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في أن المهاجرين الذين تتهمهم بعض الجماعات بمنافسة المواطنين على فرص العمل يساهمون بدورهم في قطاعات إنتاجية وخدمية داخل الاقتصاد الجنوب أفريقي.
وتختلف سياسة استقبال اللاجئين في جنوب أفريقيا عن بعض الدول المجاورة، إذ لا تعتمد نظامًا عامًا لإقامة اللاجئين داخل المخيمات، بل يعيش معظمهم في المناطق الحضرية وبين المجتمعات المحلية.
غير أن المفوضية حذرت من هشاشة بيئة الحماية، نتيجة تصاعد كراهية الأجانب وانتشار المعلومات المضللة والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن الصعوبات المتعلقة بالحصول على الوثائق والخدمات الأساسية.
وتزيد أعمال العنف الأخيرة المخاوف بشأن سلامة المهاجرين، لا سيما أن الاعتداءات على الأجانب لا تقتصر بالضرورة على الأشخاص المخالفين لقوانين الإقامة، بل قد تطال لاجئين وطالبي لجوء ومقيمين بصورة قانونية.
كما أكدت الحكومة مواصلة تطبيق قوانين الهجرة بحق الأشخاص الذين لا يستوفون شروط الحماية القانونية، إلى جانب تكثيف الجهود لكشف حالات الاحتيال وإساءة استخدام نظام اللجوء.
وتوضح هذه الإجراءات أن الحكومة تسعى إلى الفصل بين حق الأشخاص في طلب الحماية الدولية وبين منحهم وضعًا قانونيًا للإقامة، مع الحفاظ على سلطة الدولة في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم.
انتخابات 4 نوفمبر.. الهجرة تتحول إلى قضية سياسية شائكة
ويضع هذا الوضع حكومة الرئيس سيريل رامافوزا أمام اختبار يتعلق بقدرتها على فرض سيادة القانون، وضمان ألا تتحول الخلافات حول سياسات الهجرة إلى أعمال عنف تستهدف الأفراد والممتلكات.
وكانت الحكومة قد أكدت في بيانات سابقة أن منع الأشخاص من الوصول إلى المستشفيات والمدارس والخدمات العامة بصورة مخالفة للقانون أمر غير مقبول، كما شددت على أن أعمال الترهيب والعنف ضد المواطنين والأجانب تستوجب الملاحقة القضائية.
وحذرت كذلك من التحريض على الكراهية ونشر المعلومات المضللة التي تؤدي إلى العنف، مؤكدة أن تطبيق قوانين الهجرة من اختصاص المؤسسات الرسمية.
وفي الوقت نفسه، تواصل الشرطة إجراءاتها الأمنية لملاحقة المتورطين في الاعتداءات، بعدما ارتفع عدد المقبوض عليهم إلى 30 شخصًا، بينما لا تزال المخاوف قائمة من تجدد الاحتجاجات في ظل استمرار نشاط الجماعات المناهضة للهجرة.