في نهايات يناير 2026، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس"، ليلقي خطابًا خلع فيه القفازات الدبلوماسية المعتادة. لم يستشهد كارني بلغة الأرقام المشجعة، بل استدعى المقولة التاريخية للمؤرخ الإغريقي "ثيوسيديدس": «القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب عليه أن يعانيه».
شخّص كارني مشهدًا عالميًا مأزومًا يتسم بالقوة الباطشة، واستخدام التداخل الاقتصادي وسلاسل الإمداد كـ"أسلحة إكراه" لتركيع الدول الصغيرة والمتوسطة. لكن الجزء الأكثر خطورة في تشخيصه كان تحذيره من "تخاذل الشعوب وتقوقع الدول"، موضحًا أن الهروب إلى التفاوض الثنائي الفردي مع القوى العظمى من موقع ضعف ليس إلا "أداءً مظهريًا للسيادة بينما هو في جوهره قبولٌ تام بالتبعية".
من تشخيص دافوس إلى الممارسة المصرية.. لا استرضاء بل بناء للقوة
بينما كانت نُخب دافوس تستمع لتشخيص كارني المظلم حول القواعد الدولية المنهارة، كانت القاهرة تكتب ردها العملي على الأرض. لم تذهب مصر إلى استرضاء القوى الكبرى أو التقوقع داخل حدودها انتظارًا لانتهاء العاصفة العالمية، بل تبنّت استراتيجية "المسار الثالث": الانتقال من مجرد التغني بـ "قوة القيم" إلى التسلح المباشر بـ "قيمة القوة" وتوطين المعرفة.
إن الإجابة المصرية على معادلة ثيوسيديدس تجسدت في القناعة بأن حماية القرار السياسي لا تتم بالبيانات، بل بكسر كذبة "التبعية الاقتصادية" عبر التحول إلى مركز تصنيعي وتكنولوجي لا يمكن الاستغناء عنه.
جولات الشرق الآسيوية: دبلوماسية اللفتات الإنسانية والصفقات الاستراتيجية
تجلت هذه الرؤية في الجولة الرئاسية الأخيرة للشرق الأقصى، والتي اتسمت بجمع لافت بين أعمق لغة إنسانية وأعلى مستويات المصالح الاقتصادية:
• في كوريا الجنوبية (سول): لم تكن الحفاوة الرسمية بروتوكولية فحسب؛ إذ تجلت اللفتة الأكثر دفئًا وإنسانية حين قدم كورال من الأطفال الكوريين أغنية "فيها حاجة حلوة" باللغة العربية احتفاءً بالرئيس عبد الفتاح السيسي. لاقت هذه اللفتة امتنانًا واسعًا ورد فعل مفعمًا بالتقدير من الرئيس المصري، الذي أكد للرئيس الكوري الجنوبي "لي جاي ميونغ" أن الشعوب هي السند الحقيقي للشراكات. وعمليًا، ترجم هذا الدفء الإنساني إلى اتفاقيات استراتيجية لتوطين تكنولوجيا النقل الذكي والأجهزة المجهزة بأحدث تقنيات أشباه الموصلات.
• في ماليزيا (كوالالمبور): عبر رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم عن تقديره البالغ لدور مصر الاستراتيجي كرصيد أمان إقليمي. وجاء الرد المصري بالتأكيد على الانتقال المباشر لتدشين شراكة استراتيجية في قطاعات الاقتصاد الرقمي، والتصنيع المشترك للسيارات الكهربائية، والحلول التكنولوجية المتقدمة.
• في إندونيسيا (جاكرتا): اتسقت المحطة الإندونيسية مع ذات التوجه؛ حيث جرى التوافق مع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو على تعزيز الشراكات بين القوى الناشئة لتوسيع الاستثمارات المباشرة في مجالات الطاقة والمناطق الصناعية وتفعيل اتفاقية الشراكة الاستراتيحية الموقعة بين البلدين.
"صين أفريقيا" وهجرة المصانع الأوروبية.. هل يغزو "صنع في مصر" العالم؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس مجرد تساؤل أمل، بل استحقاق واقعي: هل نرى عبارة "صنع في مصر" تجتاح الأسواق العالمية قريبًا؟
البيانات والواقع الجيواقتصادي والمؤشرات الميدانية تشير إلى أن هذا التحول يبدو خيارًا حتميًا للنظام الدولي الجديد، وتدعمه أرقام ومؤشرات واضحة:
1. إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية: مع تصاعد تكاليف الشحن البحري بنسب تجاوزت 200% في بعض الأجزاء وتأخر الإمدادات الآسيوية، أصبحت أوروبا تبحث عن شريك يصنع على بعد أيام قليلة بدلًا من أسابيع. تتصدر مصر هذا البديل بفضل توفير نحو 40% إلى 50% من تكاليف اللوجستيات مقارنة بشرق آسيا، وبفضل الممر المحوري للقناة والتوسعات الهيكلية في الموانئ المصرية.
2. هروب المصانع الأوروبية لـ "صين أفريقيا": تحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا بنسب قياسية والتكاليف التشغيلية المرتفعة، اتجهت كبرى الشركات العالمية ونحو 80% من التوسعات الأوروبية للبحث عن مراكز إنتاج بديلة. باتت المنطقة الاقتصادية بقناة السويس تضخ استثمارات تتجاوز قيمتها الإجمالية المليارات في قطاعات الهيدروجين الأخضر، وصناعة السيارات، والأجهزة الكهربائية، والسيارات الكهربائية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح للإنتاج المصري الوصول بلا جمارك لـ 1.3 مليار مستهلك في أفريقيا والوطن العربي وأوروبا.
3. الثقة المتبادلة وتنوع الشراكات: إن الحصول على لقب "صين أفريقيا" وتجاوز التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة لمستويات تاريخية لم يأتِ بالصدفة، بل نتيجة استثمارات بنية تحتية تجاوزت 100 مليار دولار شملت الشبكة القومية للطرق، والطاقة، والمدن الذكية. فضلاً عن التواجد الفاعل لمصر داخل تكتل "بريكس" الذي يمثل نحو 36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما منح المستثمر الشرقي والغربي طمأنينة كاملة واستقرارًا مستدامًا للبيئة الاستثمارية المصرية.
الخاتمة: حقيقة القدر.. لا مكان للضعفاء
لم تعد سيادة الدول في القرن الحادي والعشرين تُقاس بمساحات الخرائط، بل بقدرتها على التصنيع، والابتكار، وتنويع التحالفات.
إن كان رئيس الوزراء الكندي قد قرأ في دافوس قسوة التاريخ القديم حذرًا من القوة البطاشة وتخاذل الشعوب، فإن مصر في عهد الرئيس السيسي تكتب فصلها الخاص في هذا التاريخ عبر حراك واقعي ومستشرف. إن مشاهد الأطفال في سول وهم ينشدون لمصر، مقرونة بالصفقات الصناعية في كوالالمبور وجاكرتا، والتدفقات الاستثمارية الأوروبية في قناة السويس، تؤكد حقيقة واحدة: مصر لا تنكفئ، بل تقتطع مكانتها السيادية عن جدارة، لتتحول من مجرد "سوق استهلاكي" إلى القلعة الصناعية والتكنولوجية القادمة للشرق والأفارقة على حد سواء.